أكثر المتشددين يمنعون استعمال
السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة
قال المفتي (ص١٣٢): «أكثر المتشددين يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة، لم يتوقف المتشددون عن صَدّ الناس عن الذكر بِنَهْيِهِم عن ذكر الله كثيرًا، وبِنَهْيِهِم عن الأوراد والأحزاب، وإنما بحثوا عن وسائل الناس التي تمكّنهم مِن ذكر الله كثيرًا فحكموا عليها بالبدعة والضلالة، ونهوا عن ذلك وشنَّعوا عليه، هذه الوسيلة هي السبحة التي نراها في أيدي الذاكرين».
الجواب:
أولًا: لأول مرة لا يعمم المفتي الحكم على السلفيين بل يحكم على معظمهم، ومرةً أخرى نطالبه بالإحصائيات.
وهل من وافقه من السلفيين في مسألة السبحة يستحقون منه الثناء أم أنهم ما زالوا يستحقون وصْف المتشددين؟!!!
ثانيًا: عَدُّ الذِّكْر بالأنامل (أصابع اليد) ثبت مِن هدي النبي - ﵌ - قولًا، وفعلًا، وتقريرًا، ودرجَ على ذلك الصحابة - ﵃ - ومَن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، فهو من السُّنن المستقرة، والعمل المتوارث لدى الأُمة، تأسِّيًا بنبيها - ﵌ -، وما زال المسلمون يقومون بهذا الذكر العددي المبارك، ويعقدون تعداده بأنامل اليدين، أو أنامل اليد اليمنى، دون حاجة إلى وسيلة أخرى، من حصى، أو نوى، أو سُبْحة منظومة، أو آلة مصنوعة.
وهذا هو الذي يوافق يُسْر الإِسلام، وسهولة التشريع، وأن أحكامه في قدرة المكلفين على اختلاف طبقاتهم. وهذا دأب هذه الشريعة المباركة في التيسير.
فعَدُّ الأَذكار العَدَدِيَّة بالأنامل سُنَّةٌ ماضية في الإِسلام، ومن العمل المتوارث بين المسلمين، فعن حُمَيْضَةَ بِنْتِ يَاسِرٍ، عَنْ جَدَّتِهَا يُسَيْرَةَ، وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ،
[ ١٤٠ ]
قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولاَتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلاَ تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ». (رواه الإمام أحمد في المسند، والترمذي، وأبو داود، وابن حبان وصححه الذهبي، وحسنه النووي، والحافظ ابن حجر، والألباني) (١).
ثالثًا: مسألة التسبيح بالمسبحة مسألة اجتهادية اختلف فيها العلماء، ومن ذهب من العلماء إلى جواز التسبيح بالمسبحة قال: إن التسبيح باليد أفضل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: «وَالتَّسْبِيحُ بِالْمَسَابِحِ مِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: أَنَّ التَّسْبِيحَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّسْبِيحِ بِالْأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا» (٢).
وقال أيضًا: «عَدُّ التَّسْبِيحِ بِالْأَصَابِعِ سُنَّةٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﵌ - لِلنِّسَاءِ: «سَبِّحْنَ وَاعْقِدْنَ بِالْأَصَابِعِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ».
_________________
(١) (قَالَ لَنَا) أَيْ مَعْشَرِ النِّسَاءِ (عَلَيْكُنَّ) اِسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اِلْزَمْنَ وَأمْسِكْنَ (بِالتَّسْبِيحِ) أَيْ بِقَوْلِ سُبْحَانَ الله، (وَالتَّهْلِيلِ) أَيْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، (وَالتَّقْدِيسِ) أَيْ قَوْلِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ أَوْ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ. (وَاعْقِدْنَ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ اُعْدُدْنَ عَدَدَ مَرَّاتِ التَّسْبِيحِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْه (بِالْأَنَامِلِ) أَيْ بِعِقْدِهَا أَوْ بِرُءُوسِهَا يُقَالُ عَقَدَ الشَّيْءَ بِالْأَنَامِلِ عَدَّهُ. وَالْأَنَامِلُ جَمْعُ أُنْمُلَةٍ: الَّتِي فِيهَا الظُّفْرُ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَصَابِعُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْبَعْضِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ. (فَإِنَّهُنَّ) أَيْ الْأَنَامِلَ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ (مَسْئُولَاتٌ) أَيْ يُسْأَلْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا اِكْتَسَبْنَ وَبِأَيِّ شَيْءٍ اُسْتُعْمِلْنَ، (مُسْتَنْطَقَاتٌ) بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ مُتَكَلِّمَاتٌ بِخَلْقِ النُّطْقِ فِيهَا فَيَشْهَدْنَ لِصَاحِبِهِنَّ أَوْ عَلَيْهِ بِمَا اِكْتَسَبَهُ. (وَلَا تَغْفُلْنَ) أَيْ عَنْ الذِّكْرِ، يَعْنِي لَا تَتْرُكْنَ الذِّكْرَ، (فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ) بِفَتْحِ التَّاءِ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ مِنْ النِّسْيَانِ أَيْ فَتَتْرُكْنَ الرَّحْمَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ التَّاءِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ الْإِنْسَاءِ، قَالَ الْقَارِي: وَالْمُرَادُ بِنِسْيَانِ الرَّحْمَةِ نِسْيَانُ أَسْبَابِهَا أَيْ لَا تَتْرُكْنَ الذِّكْرَ فَإِنَّكُنَّ لَوْ تَرَكْتُنَّ الذِّكْرَ لَحُرِمْتُنَّ ثَوَابَهُ فَكَأَنَّكُنَّ تَرَكْتُنَّ الرَّحْمَةَ». اهـ باختصار من تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري (١٠/ ٢١).
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٢/ ١٨٧).
[ ١٤١ ]
وَأَمَّا عَدُّهُ بِالنَّوَى وَالْحَصَى وَنَحْوُ ذَلِكَ فَحَسَنٌ وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ - ﵃ - مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ - ﵌ - أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُسَبِّحُ بِالْحَصَى وَأَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُسَبِّحُ بِهِ.
وَأَمَّا التَّسْبِيحُ بِمَا يُجْعَلُ فِي نِظَامٍ مِنْ الْخَرَزِ وَنَحْوِهِ (١) فَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكْرَهْهُ وَإِذَا أحْسِنَتْ فِيهِ النِّيَّةُ فَهُوَ حَسَنٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَأَمَّا اتّخَاذُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ إظْهَارُهُ لِلنَّاسِ مِثْلُ تَعْلِيقِهِ فِي الْعُنُقِ أَوْ جَعْلِهِ كَالسُّوَارِ فِي الْيَدِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا إمَّا رِيَاءٌ لِلنَّاسِ أَوْ مَظِنَّةُ الْمُرَاءَاةِ وَمُشَابَهَةِ الْمُرَائِينَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ: الْأَوَّلُ مُحَرَّمٌ، وَالثَّانِي أَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ؛ فَإِنَّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فِي الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ» (٢).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية: «التسبيح باليد أفضل ولم يثبت عن النبي - ﵌ - أنه اتخذ لنفسه مسبحة يسبح الله بها فيما نعلم، والخير كل الخير في اتباعه - ﵌ -.
واستخدام المسبحة في عدد التسبيح أو الذكر مباح؛ لكن استعمال الأصابع أفضل منها، أما إذا اعتقد أن في استعمال المسبحة فضيلة فهذا بدعة لا أصل له، وهو من عمل الصوفية» (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين: «السبحة ليست بدعة دينية، وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة وليست مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد
_________________
(١) كالمسبحة المعروفة.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٢/ ٥٠٦).
(٣) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٧/ ٢٣١)، (٢٥/ ٧٧).
[ ١٤٢ ]
الإنسان التسبيح بأنامله - أي بأصابعه - لأنهن «مُسْتَنْطَقَاتٌ» كما أرشد إلى ذلك النبي - ﵌ -.
ولأن عَدَّ التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيرًا من أولئك الذين يستعملون المسبحة نجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك لأنهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه أو تهليله أو تحميده أو تكبيره، فتجد الإنسان منهم يعدّ هذه الحبات بيده وهو غافل القلب، يتلفت يمينًا وشمالًا، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحْضَرُ لقلبه غالبًا.
الشيء الثالث: أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيرًا من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأن لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات.
وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا، لكنه يخشى منه، فهذه ثلاثة أمور كلها تقتضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمسبحة، وأن يسبح الله ﷾ بأنامله.
وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأن المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدع في الدين، والتسبيح بالمسبحة إنما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عَدّ التسبيح بالأصابع» (١).
ولْيعْلم القارئ أن الأقوال السابقة إنما هي لعلماء سلفيين من القُدماء والمعاصرين يذهبون إلى عدم بدعية السبحة.
رابعًا: مما سبق يتبين أنّ مَن قال من العلماء بجواز العَدّ بالنوى والحصى استدل بفعل الصحابة - ﵃ - وإقرار الرسول - ﵌ - على ذلك، أو اعتبر التسبيح بها وسيلة لضبط العدد.
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١٣/ ٢٤٠ - ٢٤٢) باختصار.
[ ١٤٣ ]
خامسًا: ذهب بعض العلماء إلى أن السُّبْحة بدعة مخالِفَةٌ لهديه - ﵌ - لم تكن في عهد النبي - ﵌ -، وضعَّفوا الأحاديث والآثار التي استدل بها المجَوّزون؛ قال المباركفوري: «ولم يثبت عَدّ التسبيح بالحصى أو النوى مرفوعًا من فعله أو قوله أو تقريره - ﵌ -، والخير إنما هو في اتباع ما ثبت عنه لا في ابتداع من خلف» (١).
وقال المانعون إن استعمال المسبحة يقضي على سُنَّة العَدّ بالأصابع، وقالوا إن التسبيح بالمسبحة بدعة مضافة في التعبد بالأَذكار والأوراد، وعُدُولٌ عن الوسيلة المشروعة - العَدَّ بالأنامل - التي دَلَّ عليها النبي - ﵌ - بقوله وفعله، وتوارثه المهتدون بهديه المقتفون لأَثره إلى يومنا هذا، وإلى هديه - ﵌ - يُرد أمر الخلاف، وبه يتحرر الصحيح عند النزاع (٢).
سادسًا: المسألة اجتهادية ومن ذهب من العلماء إلى بدعية السبحة فهذا اجتهاده وهو دائر بين الأجر والأجرين طالما بذل وسعه واعتمد على أدلة شرعية ولم يتبع هواه.
_________________
(١) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٧/ ٤٧١).
(٢) انظر: السُّبْحة، تاريخها وحكمها للشيخ بكر أبي زيد، السلسلة الضعيفة للشيخ الألباني (١/ ١٨٥ - ١٩٣)، السلسلة الصحيحة له أيضًا (١/ ٤٨).
[ ١٤٤ ]