المتشددون يحرمون
التوسل بالنبي - ﵌ - ويتهمون من
يفعل ذلك بالشرك والخروج من الإسلام
قال المفتي (ص٦٩): «من طامَّات (١) هذا التيَّار المتشدد أنه يحرِّم التوسل بالنبي - ﵌ - في الدعاء إلى الله ويتهمون من يفعل ذلك بالشرك والخروج من الإسلام، على الرغم من أن التوسل بالنبي - ﵌ - مسألة اتفقت عليها كلمة الفقهاء ومذاهبهم، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على جواز التوسل بالنبي - ﵌ - بل استحباب ذلك، وعدم التفريق بين حياته - ﵌ - وانتقاله الشريف - ﵌ -.
ولم يشذ إلا ابن تيمية حيث فرق بين التوسل بالنبي - ﵌ - وبعد انتقاله - ﵌ - (٢)، ولا عبرة لشذوذه (٣). فندعو الأمة إلى التمسك بما اتفق عليه أئمتها الأعلام».
الجواب:
أولًا: ادعاء المفتي أن التوسل بالنبي - ﵌ - مسألة اتفقت عليها كلمة الفقهاء ومذاهبهم، ادعاءٌ غير صحيح، وينقضه كلام المفتي نفسه حيث سُئل: «ما حكم التوسل بالنبي - ﵌ - في الدعاء؟» فقال: «هذه مسألة اختلف فيها الفقهاء، ولذلك
_________________
(١) هكذا: مِن طامات، و(مِن) للتبعيض، أي أن هناك طامات أخرى!!! حسبنا الله ونعم الوكيل.
(٢) هكذا، ولعله خطأ طباعي، ولعله يقصد: حيث فرّق بين التوسل بالنبي - ﵌ - في حياته وبعد انتقاله - ﵌ -.
(٣) هكذا، والصواب (لا عبرة بشذوذه)، ولعله خطأ طباعي.
[ ٨٩ ]
ونحن ندعو ينبغي علينا أن ندعو بما نجد قلوبنا عنده، ولم يرد في السنة الصحيحة التوسل بجاه النبي - ﵌ -» (١).
فإذا كان المفتي قد نقض الإجماع الذي ادعاه، واعترف بأن هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء، فلماذا ينكر على السلفيين أنهم منعوا من التوسل بجاه النبي - ﵌ -، وقد اعترف هو نفسه أن هذا التوسل لم يرد في السنة الصحيحة.
ثانيًا: ادعى المفتي أن المذاهب الأربعة اتفقت على جواز التوسل بالنبي - ﵌ - بل استحباب ذلك وأنه لم يشذ إلا ابن تيمية، وللرد على المفتي نكتفي هنا بنقل قولين لأحد الأئمة الأربعة يؤيد فيهما كلام السلفيين في المنع من التوسل بجاه النبي - ﵌ - وغيره.
قال الإمام أبو حنيفة - ﵀ -: «لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استُفِيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف:١٨٠) (٢).
وقال أيضًا - ﵀ - (٣): «يُكْرَه (٤) أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام».
_________________
(١) فتاوى عصرية (ص٣٣٥)، فتاوى البيت المسلم (ص٤٢٠).
(٢) الدر المختار من حاشية رد المحتار لابن عابدين الحنفي (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، وما أظن المفتي يجرؤ أن يتهم الإمام أبا حنيفة - ﵀ - بالتشدد كما اتهم السلفيين.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص٢٣٤)، إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين للزبيدي الحنفي (٢/ ٢٨٥)، وشرح الفقه الأكبر للملا علي القاري الحنفي (ص١٩٨).
(٤) قال الإمام الشاطبي - ﵀ -: «وَأَمَّا كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ - وَإِنْ أَطْلَقُوا الْكَرَاهِيَةَ فِي الْأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا - لَا يَعْنُونَ بِهَا كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا هَذَا اصْطِلَاحٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْقَبِيلَيْنِ. فَيُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وَيَخُصُّونَ كَرَاهِيَةَ التَّحْرِيمِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ صَرِيحًا أَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ. وَيَتَحَامَوْنَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ خَوْفًا مِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [(النحل:١١٦)، وَحَكَى مَالِكٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ هَذَا الْمَعْنَى. فَإِذَا وُجِدَتْ فِي كَلَامِهِمْ فِي الْبِدْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا: أَكْرَهُ هَذَا، وَلَا أُحِبُّ هَذَا، وَهَذَا مَكْرُوهٌ. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا تَقْطَعَنَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ التَّنْزِيهَ فَقَطْ» (الاعتصام (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨). وقال الإمام ابن القيم: «قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: «لَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَلَا مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا، وَلَا أَدْرَكْت أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ يَقُولُ فِي شَيْءٍ: هَذَا حَلَالٌ، وَهَذَا حَرَامٌ، وَمَا كَانُوا يَجْتَرِئُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَ: نَكْرَهُ كَذَا، وَنَرَى هَذَا حَسَنًا؛ فَيَنْبَغِي هَذَا، وَلَا نَرَى هَذَا»، وَرَوَاهُ عَنْهُ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَزَادَ: «وَلَا يَقُولُونَ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: ٥٩)، الْحَلَالُ: مَا أَحَلَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ». قُلْت (القائل الإمام ابن القيم): «وَقَدْ غَلِطَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَئِمَّتِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَيْثُ تَوَرَّعَ الْأَئِمَّةُ عَنْ إطْلَاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ، وَأَطْلَقُوا لَفْظَ الْكَرَاهَةِ، فَنَفَى الْمُتَأَخِّرُونَ التَّحْرِيمَ عَمَّا أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْكَرَاهَةَ، ثُمَّ سَهُلَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ الْكَرَاهَةِ وَخَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَتَجَاوَزَ بِهِ آخَرُونَ إلَى كَرَاهَةِ تَرْكِ الْأَوْلَى، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ؛ فَحَصَلَ بِسَبَبِهِ غَلَطٌ عَظِيمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَعَلَى الْأَئِمَّةِ». ثم ذكر الإمام ابن القيم أمثلة كثيرة منها قول الإمَامِ أحْمَدَ: «لَا يُعْجِبُنِي أَكْلُ مَا ذُبِحَ لِلزَّهْرَةِ وَلَا الْكَوَاكِبِ وَلَا الْكَنِيسَةِ، وَكُلُّ شَيْءٍ ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (المائدة:٣). فَتَأَمَّلْ كَيْف قَالَ: «لَا يُعْجِبُنِي» فِيمَا نَصَّ اللهُ - سُبْحَانَهُ - عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَاحْتَجَّ هُوَ أَيْضًا بِتَحْرِيمِ اللَّهِ لَهُ فِي كِتَابِهِ» [انظر: إعلام الموقعين (١/ ٤٠ - ٤١)]. ومما يوضح كلام الإمامين الشاطبي والنووي أن الإمام الترمذي قال في سننه: «بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إِتْيَانِ الحَائِضِ»، وذكر فيه قول رسول الله - ﵌ -: «مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ». [سنن الترمذي (١/ ١٩٩)، والحديث صححه الألباني]. فهل يُعقل أن يستدل الإمام الترمذي بالحديث على الكراهة التنزيهية؟!!
[ ٩٠ ]
ثالثًا: أما اتهام المفتي للسلفيين بأن مَن يتوسل بالنبي - ﵌ - في الدعاء إلى الله يحكم السلفيون عليه بالشرك والخروج من الإسلام، فهذا اتهام باطل، فقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ - عن:
«مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقول في دعائه: اللهم أعطني كذا وكذا من خَيْرَي الدنيا والآخرة، بجاه النبي - ﵌ -، أو ببركة الرسول - ﵌ -، أو بحرمة المصطفى، أو بجاه الشيخ التيجاني، أو ببركة الشيخ عبد القادر، أو بحرمة الشيخ السنوسي فما الحكم؟».
فأجابوا:
«مَن توسل إلى الله في دعائه بجاه النبي - ﵌ - أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته، فقال: «اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالًا وولدًا أو أدخلني الجنة وقِنِي عذاب النار» مثلا، فليس بمشرك شركًا يخرج عن الإسلام، لكنه ممنوع سدًّا لذريعة الشرك، وإبعادًا للمسلم مِن فِعْلِ شيء يُفْضِي إلى الشرك.
ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تُفْضِي إليه على مر الأيام، على ما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسُنَّة تدل دلالة قاطعة على أن سدَّ الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة.
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام:١٠٨).
فنهَى سبحانه المسلمين عن سَبّ آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سَبّ المشركين الإله الحق سبحانه انتصارًا لآلهتهم الباطلة جهلًا منهم وعدوانًا.
[ ٩٢ ]
ومنها: نَهْيُه - ﵌ - عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشيةَ أن تُعْبَد، ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب، وتحريم خروجها من بيتها متعطرة، وأمْر الرجال بغض البصر عن زينة النساء، وأمْرِ النساء أن يغضضن من أبصارهن؛ لأن ذلك كله ذريعة إلى الافتتان بها ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية (النور:٣٠ - ٣١).
وثبت في الحديث أن النبي - ﵌ - قال: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١)؛ ولأن التوسل بالجاه والحُرْمَة ونحوهما في الدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، ولم يَرِدْ في الكتاب ولا في سنة الرسول - ﵌ - ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعُلِمَ أنه بدعة، وقد قال - ﵌ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢).
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم» (٣).
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
(٢) رواه مسلم.
(٣) فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٥٠١ - ٥٠٣). وانظر في أنواع التوسل المشروع وغير المشروع كتاب (التوسل أنواعه وأحكامه) للشيخ الألباني (ص ٣٢ - ٤٦)، كتاب عقيدة التوحيد للشيخ صالح الفوزان (ص٨٥ - ٨٨).
[ ٩٣ ]