المتشددون يتمسكون بالظاهر
ويتعبدون بالثياب (ثوب الشهرة - النقاب)
قال المفتي (ص١٣٨): «المتشددون يتعبَّدون بالثياب (ثوب الشهرة - النقاب)، المتشددون ميزوا أنفسهم بين المسلمين بشكلهم في الظاهر، فيمكن معرفتهم بمجرد النظر في الناس فإذا وجدتَ شخصًا يرتدي قميصًا (١) قصيرًا فاعلم أنه من المتشددين، وإن رأيت امرأةً ترتدي النقاب فاعلم أنها متشددة».
وقال: (ص١٤٠): «إن ما اصطلح عليه الناس من نوع وهيئة للزي ما دام في الإطار العام للقاعدة الكلية للثوب الشرعي بكونه لا يصف ولا يشفّ ولا يكشف، وليس من لباس الشهرة (٢) فهو مباح.
ومراعاة زي الزمان من المروءة ما لم يكن إثمًا».
الجواب:
أولًا: ثوب الشهرة:
نقول للمفتي: ما المخالفات التي خالف فيه السلفيون كلامه الثاني (ص١٤٠) حتى يرميهم بما رماهم به في كلامه الأول (ص١٣٨)؟!!
ما الذي يخالف فيه السلفيون زي أهل زمانهم حتى يتهمهم المفتي بأنهم يلبسون ثوب شهرة، وينزّل عليهم حديث النبي - ﵌ -: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ
_________________
(١) «وهو ما يسمى في العامية المصرية بالقفطان.
(٢) «ويشترط أيضًا أن يكون ساترًا للعورة، وأن لا يشبه لباس الكفار والكافرات في أزيائهم الخاصة بهم، وأن لا يشبه لباس الرجل لباس المرأة وألا يشبه لباس المرأة لباس الرجل، ويشترط في لباس المرأة أيضًا أن لا يكون زينة في نفسه، وأن لا يكون مبخرًا مطيبًا.
[ ١٤٥ ]
اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا» (رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني).
ما هو ثوب الشهرة؟
قال السندي: «قَوْلُهُ: (ثَوْبُ شُهْرَةٍ) أَيْ: مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا يَقْصِدُ بِهِ الِاشْتِهَارَ بَيْنَ النَّاسِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ نَفِيسًا يَلْبَسُهُ تَفَاخُرًا بِالدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، أَوْ خَسِيسًا يَلْبَسُهُ إِظْهَارًا لِلزُّهْدِ وَالرِّيَاءِ» (١).
وقال السيوطي: «أَرَادَ مَا لَا يحل لبسه، أَو مَا يقْصد بِهِ التفاخر والتكبر، أَو يَتَّخِذهُ المتزهد ليشهر نَفسه بالزهد، أَو مَا يلْبسهُ المتفقهة من لبس الْفُقَهَاء وَالْحَال أَنه من السُّفَهَاء، وَمَا يشْعر بِهِ المتعبد من عَلامَة السِّيَادَة كَالثَّوْبِ الْأَخْضَر» (٢).
ونقل الصديقي العظيم آبادي عن ابن الْأَثِيرِ قوله: «الشُّهْرَةُ ظُهُورُ الشَّيْءِ وَالْمُرَادُ أَنَّ ثَوْبَهُ يَشْتَهِرُ بَيْنَ النَّاسِ لِمُخَالَفَةِ لَوْنِهِ لِأَلْوَانِ ثِيَابِهِمْ فَيَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهَمْ وَيَخْتَالُ عَلَيْهِمْ بِالْعُجْبِ وَالتَّكَبُّرِ» (٣).
ونقل المفتي (ص١٤١) عن الشوكاني قوله: «وَإِذَا كَانَ اللُّبْسُ لِقَصْدِ الِاشْتِهَارِ فِي النَّاسِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَفِيعِ الثِّيَابِ وَوَضِيعِهَا وَالْمُوَافِقِ لِمَلْبُوسِ النَّاسِ وَالْمُخَالِفِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَدُورُ مَعَ الِاشْتِهَارِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْقَصْدُ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ» (٤).
ونسأل المفتي بعد هذه النقول، وليحكم القارئ الكريم بنفسه: هل اتباع النبي - ﵌ - في نهيه عن إسبال الثياب ثوب شهرة، وهل اتباع المسلمة لأمر ربها في لبس
_________________
(١) حاشية السندي على سنن ابن ماجه (٢/ ٣٧٨).
(٢) شرح السيوطي لسنن ابن ماجه (١/ ٢٥٧).
(٣) عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد آبادي (١١/ ٥٠).
(٤) نيل الأوطار (٢/ ١١١).
[ ١٤٦ ]
النقاب يُعَدُّ ثوب شهرة، بيننا وبينك ما نقلناه ونقلْتَه أنت عن العلماء، وعند الله تجتمع الخصوم.
ثانيًا: تقصير الثياب:
قال المفتي (ص١٣٨): «إذا وجدتَ شخصًا يرتدي قميصًا (١) قصيرًا فاعلم أنه من المتشددين».
وله نقول:
أولًا: هل كان النبي - ﵌ - متشدّدًا عندما نهى عن الإسبال؟ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﵌ - قَالَ: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ» (رواه البخاري).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ - ﵁ - أن رَسُولَ اللهِ - ﵌ - أوصاه فَقَالَ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَإِنْ امْرُؤٌ شَتَمَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلَا تَشْتُمْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَكَ أَجْرُهُ، وَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَلَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا» (رواه الإمام أحمد، وصححه الأرنؤوط).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ، ارْفَعْ إِزَارَكَ» (رواه مسلم).
سؤال: لو تخيلنا أن الرسول - ﵌ - جاءنا وقال لنا - كما قال لابن عمر ـ: «ارْفَعْ إِزَارَكَ»، فهل سنقول: «سمعًا وطاعة يا رسول الله»؟!! أم سنقول إن هذا شعار المتشددين.
_________________
(١) «وهو ما يسمى في العامية المصرية بالقفطان.
[ ١٤٧ ]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي: «قَالَ ابن الْعَرَبِيِّ (١): «لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَاوِزَ بِثَوْبِهِ كَعْبَهُ (٢) وَيَقُولُ لَا أَجُرُّهُ خُيَلَاءَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظًا، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ حُكْمًا أَنْ يَقُولَ لَا أَمْتَثِلُهُ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ فِيَّ فَإِنَّهَا دَعْوَى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ بَلْ إِطَالَتُهُ ذَيْلَهُ دَالَّةٌ عَلَى تَكَبُّرِهِ» اهـ مُلَخَّصًا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِسْبَالَ يَسْتَلْزِمُ جَرَّ الثَّوْبِ وَجَرُّ الثَّوْبِ يَسْتَلْزِمُ الْخُيَلَاءَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ اللَّابِسُ الْخُيَلَاءَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بن منيع من وَجه آخر عَن ابن عُمَرَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ رَفَعَهُ (٣): «وَإِيَّاكَ وَجَرَّ الْإِزَارِ فَإِنَّ جَرَّ الْإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ» (٤).
ونسأل المفتي: هل الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي والإمام ابن العربي المالكي من المتشددين؟!!
وقد حدّثني الأستاذ الدكتور محمد بكر حبيب، الأستاذ بجامعة الأزهر أنه كان يلتقي والدكتور علي جمعة في الدراسات العليا مع المشايخ وهو بقميص قصير وقلنسوة (طاقية)، وقد زاره في بيته في ذلك الوقت، وهو بهذه الهيئة " اهـ.
فما بال الدكتور علي جمعة ينكر على السلفيين التزامهم بسنة النبي - ﵌ -، التي التزمها فترة من الزمن؟!!
_________________
(١) «المالكي.
(٢) «الكَعْب: العظم الناتئ عند ملتقى الساق والقدم، وفي كل قدم كعبان عن يمينها وعن يسارها، والعامة تسمي العقب كعبًا. (انظر المعجم الوسيط (٢/ ٤٩٦).
(٣) «أي رواه من قول النبي - ﵌ -.
(٤) «فتح الباري (١٠/ ٢٦٤).
[ ١٤٨ ]
ثالثًا: مسألة النقاب:
قال المفتي (ص١٣٨): «إن رأيت امرأةً ترتدي النقاب فاعلم أنها متشددة».
وله نقول: نقل العلماء اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ مَنْعِ النِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجْنَ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَثْرَةِ الفُسَّاقِ (١).
وقال أبو حامد الغزالي - ﵀ -: «لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات» (٢).
ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي «اسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْأَسْفَارِ مُنْتَقِبَاتٍ لِئَلَّا يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ» (٣).
وقال القاضي زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ: «الْأَصَحُّ حُرْمَةُ خُرُوجِهِنَّ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَرَامِ الَّذِي هُوَ النَّظَرُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ» (٤).