أولًا: ذكر المفتي (ص٧٤ - ٧٥) حديث عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ - ﵁ -، أَنَّ رَجُلا ضَرِيرًا أَتَى النَّبِيَّ - ﵌ - فَقَالَ: «ادْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي»، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتَ ذَلِكَ وَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ»، قَالَ: «فَادْعُهُ»، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ، فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ» (٢).
واستدل المفتي بهذا الحديث على جواز التوسل بذات الرسول - ﵌ - ولكنه حذف منه قول الأعمى في دعائه: «وَشَفِّعْنِي فِيهِ»؛ لأنه دليل على أن الأعمى إنما توسل بدعاء النبي - ﵌ - وليس بذاته.
أليس من الأمانة العلمية أن يذكر المفتي الحديث بنصه ولا يبتر الجزء الذي هو حجة عليه؟!! فإن قول النبي - ﵌ - للأعمى أن يقول: «وَشَفِّعْنِي فِيهِ» معناه: اقبل شفاعتي، أي اقبل دعائي في أن تقبل شفاعته - ﵌ - أي دعاءه وسؤاله لي- في أن ترُدَّ عليَّ بصري، هذا الذي لا يمكن أن يُفهَم من هذه الجملة سواه، ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد؛ لأنها تنسف بنيانهم من القواعد
_________________
(١) لمعرفة المزيد مما ورد في كتبه الأخرى راجع كتاب (الدكتور علي جمعة إلى أين)، تأليف: طلحة محمد المسير (ص٢٩ - ٣٤).
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، ووافقه الذهبي.
[ ٣٥ ]
وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه، ذلك أن شفاعة الرسول - ﵌ - في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول - ﵌ - كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة (١).
ثانيًا: نقل المفتي مرتين في فقرتين متتاليتين (ص٨٢، ص٨٣)، عن موطأ مالك (١/ ٢٣١) أن النبي - ﵌ - عندما انتقل إلى جوار ربه قَالَ نَاسٌ: «يُدْفَنُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ». وَقَالَ آخَرُونَ: «يُدْفَنُ بِالْبَقِيعِ».
ثم استدل بذلك على جواز الدفن في المساجد، حيث قال مرتين في الفقرتين: «ووجه الاستدلال أن أصحاب رسول الله - ﵌ - اقترحوا أن يُدفن - ﵌ - عند المنبر، وهو داخل المسجد قطعًا».
وعند الرجوع إلى موطأ مالك تجد أن ما استدل به المفتي رواه الإمام مَالِكٍ بلاغًا بغير إسناد (٢)، والإمام مالك - ﵀ - وُلد عام ٩٣ هـ أي بعد هذه الحادثة باثنين وثمانين سنة؛ فقد توُفِّيَ النبي - ﵌ - في ربيع الأول سنة ١١هـ.
وكان الألْيَق بالمفتي - من باب الأمانة العلمية - أن يذكر أن هذه الرواية لا تصح، وبالتالي لا يجوز له أن يَستدل بها أصلًا، وإن كان قد استدل بها وهو لا يعلم أنها ضعيفة فالأمر أعظم؛ فلا يليق به - وهو الأستاذ الجامعي ومفتي الديار المصرية - أن يستدل بأحاديث لا يعلم مدى صحتها، ويَرُدّ بها أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم نهى فيها النبي - ﵌ - عن اتخاذ القبور مساجد.
ثالثًا: تعليقًا على حديث البخاري: «كَانَ النَّبِيُّ - ﵌ - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبًا»، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - ﵄ - يَفْعَلُهُ» نقل المفتي (ص١١٠) عن
_________________
(١) «انظر: التوسل أنواعه وأحكامه للألباني (ص٧٦ - ٨٢).
(٢) أي يقول: «بلغني كذا»، ولا يَذْكُر مَن الذي أخبره بهذا الحديث، فتكون الرواية غير صحيحة لأنها عن مجهول لا يُعْلَمُ حالُه من الصدق والعدالة والضبط.
[ ٣٦ ]
الحافظ ابن حجر أنه قال في شرحه لهذا الحديث: «فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ لِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ».
ولكن المفتي لم ينقل قول الحافظ ابن حجر بعد هذا الكلام: «وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَجِيئَهُ - ﵌ - إِلَى قُبَاءٍ إِنَّمَا كَانَ لِمُوَاصَلَةِ الْأَنْصَارِ وَتَفَقُّدِ حَالِهِمْ وَحَالِ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ مَعَهُ؛ وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَخْصِيص ذَلِك بالسبت».
رابعًا: بعد أن اتهم السلفيين (ص١١٦) بأنهم يؤذون رسول الله - ﵌ - وبعد أن ذكر الآيات التي تمنع ذلك ذكر أن القاضي عياضًا قال: «فنحن لا نقول إلا ما يرضي ربنا، ويرضي رسولنا - ﵌ -، ولا نتجرأ على مقامه الشريف، ونؤذيه - ﵌ - بالكلام بما لا يُرضيه - ﵌ -».
وإدخال هذا الكلام في هذا السياق يوهم أن القاضي يُنْكِر على من يقول بأن والدي النبي - ﵌ - في النار.
ونسأل المفتي الذي لم يذكر مصدر هذا الكلام: من أين جئت بهذا الكلام مع أن الإمام النووي قد نقل عن القاضي عياض أن بكاء النبي - ﵌ - حينما زار قبر أمه كان عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ إِدْرَاكِ أَيَّامِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ (١).
وكلام القاضي عياض هو نفس كلام السلفيين ومِن قبلهم الإمام أبي حنيفة وغيره كما سيأتي إن شاء الله (٢).
خامسًا: قال المفتي (ص١٤٧): «ونَصَّ المالكية على أن انتقاب المرأة مكروه إذا لم تجْرِ عادةُ أهل بلدها بذلك، وذكروا أنه من الغلو في الدين، قال الإمام الدردير في الشرح الكبير: «وانتقاب امرأة» في عطفه على المكروه، قال الدسوقي في حاشيته: «(وَ)
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٦).
(٢) انظر (ص ١٢٨ - ١٣٢) من هذا الكتاب.
[ ٣٧ ]
كُرِهَ (انْتِقَابُ امْرَأَةٍ) أَيْ تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا بِالنِّقَابِ، وَهُوَ مَا يَصِلُ لِلْعُيُونِ فِي الصَّلَاةِ (١) لِأَنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ وَالرَّجُلُ أَوْلَى مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَوْمٍ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَانْتِقَابُ امْرَأَةٍ) أَيْ سَوَاءً كَانَتْ فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِهَا كَانَ الِانْتِقَابُ فِيهَا لِأَجْلِهَا أَوْ لَا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ) أَيْ الزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ إذْ لَمْ تَرِدْ بِهِ السُّنَّةُ السَّمْحَةُ.
(قَوْلُهُ: فَالنِّقَابُ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا) أَيْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا لِأَجْلِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لِعَادَةٍ».
التعليق:
١ - نطلب من القارئ الكريم قراءة كلام الدسوقي مرةً أخرى ولْيَنْتَبِه لما فوق الخط؛ فالكلام عن كراهة الانتقاب وتغطية وجه الرجل أو المرأة في الصلاة، وإلا فما فائدة قوله: «وَالرَّجُلُ أَوْلَى»، فلم يَقُل أحدٌ من العلماء بوجوب أو استحباب النقاب على الرجال حتى يقول المالكية بالكراهة.
ومن الغريب أن المفتي حذف قول الشيخ محمد عرفة الدسوقي: (قَوْلُهُ: وَالرَّجُلُ أَوْلَى) أَيْ مِنْ الْمَرْأَةِ بِالْكَرَاهَةِ».
٢ - يوضح ما سبق ما جاء في كتب المالكية حيث جاء في شرح مختصر خليل للخرشي (٣/ ٢٢٢): «وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ وَأَوْلَى الرَّجُلُ الِانْتِقَابُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ بِالنِّقَابِ، وَاللِّثَامِ تَغْطِيَةُ الشَّفَةِ السُّفْلَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَلَا إعَادَةَ عَلَى فَاعِلِهِ».
٣ - في ضوء ما سبق يُفْهَم قَوْلُهُ: «(فَالنِّقَابُ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا) أَيْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا لِأَجْلِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لِعَادَةٍ».
_________________
(١) ذكرها المفتي هكذا: «أَيْ تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا بِالنِّقَابِ، وَمَا يَصِلُ لِلْعُيُونِ فِي الصَّلَاةِ». ولعله خطأ طباعي.
[ ٣٨ ]
فالمعنى أن تغطية وجه المرأة أو الرجُل بالنقاب مكروه في الصلاة سواء لُبِس النقاب أثناء الصلاة أو قبل الصلاة، وسواء كانت تغطية الوجه بالنقاب في الصلاة لأجل الصلاة أو لسبب آخَر.
ويوضح ذلك تكملة كلام الدسوقي الذي لم ينقله المفتي: «مَا لَمْ يَكُنْ لِعَادَةٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ فيه خَارِجَهَا بِخِلَافِ تَشْمِيرِ الْكُمِّ وَضَمِّ الشَّعْرِ فإنه إنَّمَا يُكْرَهُ فيها إذَا كان فِعْلُهُ لِأَجْلِهَا، وَأَمَّا فِعْلُهُ خَارِجَهَا أو فيها لَا لِأَجْلِهَا فَلَا كَرَاهَةَ فيه، وَمِثْلُ ذلك تَشْمِيرُ الذَّيْلِ عن السَّاقِ؛ فَإِنْ فَعَلَهُ لِأَجْلِ شُغْلٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى وهو كَذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ».
٤ - مما يَرُدّ زَعْمَ المفتي أن المالكية يقولون بكراهة انتقاب المرأة: أن فقهاءهم ومنهم الدسوقي نفسه أجاز للمحرمة بالحج أو العمرة أن تستر وجهها بغير النقاب، فقال: «مَتَى أَرَادَتْ السَّتْرَ عن أَعْيُنِ الرِّجَالِ جَازَ لها ذلك مُطْلَقًا عَلِمَتْ أو ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بها أَمْ لَا، نعم إذَا عَلِمَتْ أو ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بها كان سَتْرُهَا وَاجِبًا» (١).
وقال العبدري المالكي: «الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مَا شَاءَتْ غَيْرَ الْقُفَّازَيْنِ وَالْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ وَلَا تُغَطِّي وَجْهَهَا، وَإِحْرَامُهَا فِي وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَسْدُلَ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا لِتَسْتُرَهُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلْتَسْدُلْهُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا وَلَا تَرْفَعُهُ مِنْ تَحْتِ ذَقَنِهَا وَلَا تَشُدُّهُ عَلَى رَأْسِهَا بِإِبْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا» (٢).
_________________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢١٤).
(٢) التاج والإكليل لمختصر خليل، لمحمد بن يوسف العبدري (٣/ ١٤١). وانظر: جامع الأمهات لابن الحاجب المالكي (١/ ٢٠٤)، الكافي في فقه أهل المدينة لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي (١/ ١٥٣)، كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني لأبي الحسن على بن ناصر الدين المالكي (١/ ٦٩٧).
[ ٣٩ ]
٥ - زعم المفتي (ص١٤٨) أن المالكية ذهبوا إلى بدعية النقاب لأنه من الغلو في الدين، ولا مانع منه إذا وافق عادة النساء.
وهذا الادعاء بناه على قولهم بكراهة انتقاب المرأة والرجل في الصلاة، فهل من الأمانة العلمية أن تتحول مسألة تغطية الوجه داخل الصلاة إلى مسألة تغطيته أمام الرجال الأجانب؟!!!
وهنا ننقل قول أحد علماء المالكية لتتضح الصورة، قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي - ﵀ -: «وَالْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ؛ بَدَنُهَا وَصَوْتُهَا، فَلَا يَجُوزُ كَشْفُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ لِحَاجَةٍ، كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، أَوْ دَاءٍ يَكُونُ بِبَدَنِهَا، أَوْ سُؤَالِهَا عَمَّا يَعِنُّ وَيَعْرِضُ عِنْدَهَا» (١).
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ١٥٧٨).
[ ٤٠ ]