من الأمور المستقرة عند العلماء أنه ما من إنسان يأتي بقول مخالفٍ للكتاب والسنة إلا وتجد التناقضات في قوله ذاك، فهذه سنة مطردة في كل من خالف الحق.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هؤلاء: «ولستَ تجدُ أحدًا من هؤلاء إلا متناقضًا بخلاف ما جاء من عند الله فإنه متفق مؤتلف، فيه صلاح أحوال العباد في المعاش والمعاد؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) (النساء: ٨٢)» (٢).
ومن تناقضات المفتي في كتابه:
أولًا: قال المفتي (ص١٥٦): «لا حرج أن يختلف المرء مع عالم أو داعية في رأْيٍ أو اجتهاد متى كان أهلًا لذلك، ولكن الحرج في تحول هذا الاختلاف إلى مِعْوَل هدمٍ لمكانة هذا العالم والحطّ من قدْره وازدرائه وسوء الأدب معه».
ومع ذلك حوَّلَ اختلافه مع السلفيين في بعض المسائل إلى مِعْوَل هدمٍ لمكانتهم والحط من قدْرهم وازدرائهم وسوء الأدب معهم.
ثانيًا: عاب المفتي على السلفيين إنكارهم على الأشاعرة فيما يخالفون فيه منهج النبي - ﵌ -، واعتبر ذلك انتقاصًا للأشاعرة، ومع ذلك أجاز (ص١٧) التعبد بمذهب الشيعة الإمامية الذين لا ينتقصون الأشاعرة فقط بل يكَفِّرُون الأشاعرة وجميع المسلمين
_________________
(١) لمزيد من تناقضات المفتي في كتبه الأخرى راجع كتاب (الدكتور علي جمعة إلى أين)، تأليف: طلحة محمد المسير (ص١٥ - ٢٨).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣١٨).
[ ٤٨ ]
الذين ليسوا على مذهبهم بل يكفِّرون الصحابة وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان، والعشرة المبشرون بالجنة - ﵃ -.
ثالثًا: قال المفتي (ص١٦) إن الشيعة ينكرون جميع الصحابة إلا عليًّا وبعضًا قليلًا حوله، ثم أجاز (ص١٧) الأخذ بمذهب الشيعة. فكيف يأخذ المسلم بمذهبٍ يُنكر بل يكفّر جميع الصحابة إلا عليًّا وبعضًا قليلًا حوله؟!!! (١)
رابعًا: زعم المفتي (ص ١١٧) عدم كُفْر والدَي النبي - ﵌ - وأنهما مِن أهل الفترة، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
ثم عاد وناقض قوله هذا عندما عَلّق على حديث أَنَسٍ - ﵁ -، في صحيح مسلم أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟»، قَالَ: «فِي النَّارِ»، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ». حيث قال المفتي (ص١٢٠) إنه يمكن حَمْلُه على أن النبي - ﵌ - لم يقصد أباه بل قصد عمه أبا طالب الذي مات بعد بعثته - ﵌ - ولم يُعلن إسلامه.
ولكن قصة احتضار أبي طالب وموته على الشرك تدل على أن أبوي النبي - ﵌ - بل وجَدُّه عبد المطلب ليسوا من أهل الفترة بل ماتوا على الكفر، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ،
_________________
(١) راجع (جهود علماء الأزهر الشريف في بيان حقيقة دين الشيعة)، جمع وترتيب: شحاتة صقر، راجعه وقدَّم له الأستاذ الدكتور محمد بكر حبيب الأستاذ بجامعة الأزهر؛ للاطلاع على أقوال علماء الأزهر في بيان حقيقة دين الشيعة: ومنهم الشيخ حسنين مخلوف - مفتي مصر الأسبق ـ، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر الأسبق، والشيخ عطية صقر، والشيخ محمد عرفة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والشيخ محمد أبو زهرة وغيرهم.
[ ٤٩ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: «يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟».
فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١)، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﵌ -: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢).
خامسًا: قال المفتي (ص١٤): «هذا الفكر يريد أن يسحب مسائل الماضي في حاضرنا، وذلك تراه قد حول هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور.
وتؤثر هذه الخصيصة التي يستجلب مسائل الماضي وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقليته معيارًا للتقويم وللقبول والرد، فمن فعلها فهو معه، ومن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه وينفر ويعاديه».
وقال المفتي (ص١٩) تحت عنوان (أهم مسائل المتشددين التي جعلوها أصولا لهم وعنوانًا عليهم): «لقد تمسك المتشددون بمجموعة من المسائل التي لا تمثل هوية
_________________
(١) التوبة:١١٣.
(٢) القصص:٥٦.
[ ٥٠ ]
الأمة وكلها مسائل فرعية، وجعلوها معيارًا لتصنيف المسلمين، وامتحانًا لتقسيمهم، ورُوِّج لدى طوائف كثيرة من الناس أنها قطعية لا خلاف فيها، وأن الحق معهم وحدهم، وأن القائل بغير ما يقولونه مارق فاسق منحرف أو على أقل تقدير غير ملتزم ومتساهل، أو يُتَّهم بأنه ليس متبعًا للرسول - ﵌ - فشغلوا المسلمين بهذه المسائل، التي مذهبهم فيها غالبًا ما يكون ضعيفًا أو شاذًّا ونؤكد أنه لا يجوز أن نقع في جَعْل هذه المسائل المعيار الذي نقسم به المسلمين، بل المعيار يجب أن يكون حب الله ورسوله - ﵌ - وما اتفقت عليه الأمة من أصول، وقد تم اختيار ١٧ مسألة فقط من مسائلهم».
هذا ما قاله المفتي، ولكنه ناقض نفسه وخالف كلامه هذا كما يلي، ونحن نحاكمه إلى ما كتبه في كتابه:
أ- اتهم المفتي السلفيين بأنهم شغلوا المسلمين بهذه المسائل، وفي هذا اتهام لعلماء المسلمين الذين تكلموا في تلك المسائل، وفيه اتهام للمفتي نفسه الذي أخرج كتابه وشغل المسلمين بتلك المسائل.
ب- قال المفتي إن هذه المسائل كلها فرعية، وإن السلفيين جعلوها معيارًا لتصنيف المسلمين، ومع أن هذا خلاف الحقيقة فقد عاد المفتي وجعل تلك المسائل معيارًا لتصنيف المسلمين، فكتاب المفتي يتهم السلفيين بالتشدد لمجرد أنهم خالفوه في تلك المسائل.
ج- قال المفتي إن هذه المسائل، مذهب السلفيين فيها غالبًا ما يكون ضعيفًا أو شاذًّا، ومعنى ذلك - عنده – أنه اعترف بأن بعضها أو قليلًا منها مذهب السلفيين فيه صحيح، وهذا ما لم يذكره المفتي في أيٍّ من تلك المسائل.
د – اتهم المفتي السلفيين بأنهم يتهمون من يقول بغير ما يقولونه بأنه مارق فاسق منحرف أو على أقل تقدير غير ملتزم ومتساهل، ورغم أن ذلك الاتهام مخالف للحقيقة، عاد المفتي واتهم السلفيين الذين يقولون بغير قوله بأنهم (متشددون وآراء أغلبهم واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة (ص١٢)، وأن عندهم عقلية الانطباع والهوى (ص١٥)، وأنهم متمردون منعزلون لا يثقون فى العلماء
[ ٥١ ]
ولا يثقون إلا في طائفة قليلة تجارىهم في أهوائهم (ص١٥)، وأنهم يتميزون بالكبر والعجب الذي يحتقرون معه كل رأى سوى رأيهم (ص١٥).
هـ- قال المفتي إنه لا يجوز أن نقع في جَعْل هذه المسائل المعيار الذي نقسم به المسلمين، ولكنه خالف ذلك بأنْ جَعَل كل مسألة بمفردها معيارًا لاتهام السلفيين بالتشدد، فتجد عناوينه لجميع المسائل كالآتي كما جمعها في (ص١٩ - ٢٠)، ثم بنى عليها كتابه:
«المتشددون يصفون الله بالمكان، المتشددون ينتقصون الأشاعرة، المتشددون غير مؤهلين للإفتاء ويحدثون فوضى فى المجتمع، المتشددون يعدّون أغلب تصرفات المسلمين بدعًا وضلالات، المتشددون يحرّمون التوسل بالنبي - ﵌ - ويعدونه شركا بالله، المتشددون يحرّمون الصلاة في المساجد ذات الأضرحة ويصرّحون بوجوب هدمها، المتشددون يعدّون التبرك بآثار النبي - ﵌ - والصالحين شركًا بالله، المتشددون يحرّمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ويعدّونه بدعة وضلالة، المتشددون يحرّمون السفر لزيارة قبر النبي - ﵌ - وقبور الأنبياء والصالحين، المتشددون يتهمون مَن تَرجّى بالنبي - ﵌ - بالشرك الأصغر، المتشددون يَحْكمون على والدَي المصطفى - ﵌ - بالنار يوم القيامة، المتشددون ينفون أي إدراك للميت وشعوره بمن يزوره، المتشددون ينكرون ذِكْر الله كثيرا ويمنعون الأوراد، المتشددون أكثرُهم يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة، المتشددون يتمسكون بالظاهر ويتعبدون الله بالثياب (ثوب الشهرة – النقاب)، المتشددون يسعون قبل أن يتعلموا ويخلطوا (١) الوعظ بالعلم» (٢).
_________________
(١) كذا قال المفتي (ص٢٠) والصواب: (ويخلطون)، فهي معطوفة على (يسعون) وليس على (يتعلموا).
(٢) انظر مناقشة هذه المسائل (ص ٦٤ - ١٥٣) من هذا الكتاب.
[ ٥٢ ]
ونسأل القارئ الكريم هل المسائل السابقة - كما قال المفتي - يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور؟!!
سادسًا: ذكر المفتي (ص٢٩) مذهب الأشاعرة في تأويل الصفات، ورجحه، ثم قال (ص٣٠): «وما أجمل ما قال ابن قدامة المقدسي في لمعة الاعتقاد »، ونقل المفتي (ص ٣٠ - ٣٢) عن ابن قدامة ما ينسف مذهب المفتي ومذهب الأشاعرة في تأويل الصفات.
وننقل هنا عن ابن قدامة ما نقله المفتي عنه هناك بنصه، وأطلب من القارئ الكريم أن ينتبه لما فوق الخط:
قال ابن قدامة - ﵀ -: «وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى - ﵇ - من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلَقّيه بالتسليم والقبول، وترك التعرُّض له بالرّدّ والتأويل والتشبيه والتمثيل.
وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه ونرُدّ علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: ٧)، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٧]، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.
قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - ﵁ - في قول النبي - ﵌ -: «إنَّ اللهَ يَنْزِلُ إلىَ سَمَاءِ الدُّنْيَا»، أو «إِنَّ اللهَ يُرَى فِي الْقِيَامَةِ»، وما أشبه هذه الأحاديث: «نؤمن بها، ونصدق بها بلا كيف، ولا معنى، ولا نرُدّ شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نَرُدّ على رسول الله - ﵌ -، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا
[ ٥٣ ]
حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنِّعَتْ، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كُنْه ذلك إلا بتصديق الرسول - ﵌ -، وتثبيت القرآن».
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - ﵁ -: «آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله».
إلى هنا انتهى ما نقله المفتي من كلام ابن قدامة، وهو كافٍ في الرد على المفتي، ولتأكيد مخالفة ابن قدامة وأئمة الدين لمنهج المفتي والأشاعرة ننقل هنا ما قاله ابن قدامة بعد ذلك مباشرة ولم ينقله المفتي.
قال ابن قدامة: «وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف - ﵃ -، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعَرُّضٍ لتأويله. وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء بمنارهم (١) وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي - ﵌ -: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٢).
وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفِيتُم».
وقال الإمام أبو عمر الأوزاعي - ﵁ -: «عليك بآثار مَن سَلَفَ وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول».
_________________
(١) «المنار، جمع منارة: وهي العلامة تجعل بين الحدين.
(٢) «رواه أبو داود، وصححه الألباني.
[ ٥٤ ]
وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: «هل علمها رسول الله - ﵌ - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو لم يعلموها؟»، قال: «لم يعلموها»، قال: «فشيء لم يعلمه هؤلاء أعَلِمْتَه أنت؟»، قال الرجل: «فإني أقول: قد عَلِمُوها»، قال: «أفَوَسِعَهُمْ أن لا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه، أم لم يَسَعْهم؟»، قال: «بلى وسِعَهُم»، قال: «فشيء وسع رسولَ اللهِ - ﵌ - وخلفاءه لا يسَعُك أنت؟»، فانقطع الرجل. فقال الخليفة - وكان حاضرا -: «لا وسَّعَ اللهُ على من لم يسَعْهُ ما وَسِعَهم».
وهكذا من لم يَسَعْه ما وَسِعَ رسولَ الله - ﵌ - وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها ولإمرارها كما جاءت، فلا وَسَّع الله عليه» اهـ.
إن ما نقله المفتي عن ابن قدامة هو عقيدة السلف الصالح وعقيدة أئمة الخلف، وهذا ما يدين به السلفيون المتشددون!!!، فإن في مناهجهم العلمية كتاب لمعة الاعتقاد الذي نقل منه المفتي؛ فهَلّا التزم المفتي بما نقله عن ابن قدامة، وهَلّا رجع عن عقيدة الأشاعرة!!! ووسعه ما وَسِعَ رسولَ الله - ﵌ - وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم.
[ ٥٥ ]