ثم قال: القرآن هو خزينة العلم الإلهي القديم الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه وهو العمدة في كل حقائق الدين والمرجع الوحيد في أمور الغيب والحساب والقيامة والآخرة. أنزله الله الذي ليس كمثله شيء فكان على مثاله كتابًا ليس كمثله كتاب. لايرتفع إلى ذرْوة مصداقيته كتاب. ولايبلغ مدى حِجّتيه مقال. فهو منفرد في صدقه وإحاطته وإعجازه.
أما السنة القولية التي جمعها رواة الأحاديث عن الرسول الكريم فقد جمعها ودوّنها بشر مثلنا غير معصومين في سلسلة من العنعنات عبر عشرات السنين. لم تدوّن الأحاديث إلا من بعد زمن الخلفاء الراشدين على أيام سلاطين القصور.
وقدْ أجمع رواة الأحاديث على أن النبي ﵊ قد نهى عن تدوين الأحاديث وجاء هذا النهي في أكثر من حديث لأبي هريرة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وغيرهم.
[ ٥٥ ]
وفي كلمات أبي هريرة في قطعية لاتقبل اللبس خرج علينا الرسول ونحن نكتب أحاديثه فقال: ماهذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نمسعها منك يارسول الله. قال: أكتاب غير كتاب الله. يقول أبو هريرة: فجمعنا ماكتبناه وأحرقناه بالنار. (١)
الجواب: إن هذا الضال يطعن ويُشكك في أحاديث الرسول جملة ويدعو إلى الإكتفاء بالقرآن وحده. وهذا مع أنه غاية الضلال إلا أنه غاية الجهل. وقد تبين ويأتي مايوضح ضلاله.
أما نهْي النبي ﷺ عن كتابه الأحاديث فهو منسوخ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان النبي ﷺ قدْ نهاهم أن يكتبوا عنه غير القرآن وقال:
(من كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه ثم نُسخ ذلك عند جمهور العلماء حيث أذِنَ في الكتابة لعبد الله بن عمرو. وقال: (أكتبوا لأبي شاه) وكتب لِعَمرو بن حزم كتابًا.
قالوا: وكان النهي أولًا خوفًا من اشتباه القرآن بغيره. ثم أذِنَ لَمّا أمِنَ ذلك. فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله صلى الله
_________________
(١) ص ٨٩، ٩٠.
[ ٥٦ ]
عليه وسلم مايكتبون. وكتبوا أيضًا غيره. (١)
من هذا يتبين أيضًا أن تدوين الأحاديث قبل البخاري الذي نَقِمَ عليه هذا.
فالصحابة ﵃ كتبوا الحديث ومن بعدهم قبل البخاري. وقد أمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ابن شهاب الزهري بجمع الحديث. وكتب مالك الموطأ وغير مالك كتبوا الحديث قبل البخاري ﵏ أجمعين.
_________________
(١) مجموعة الفتاوى ٢٠/ ٣٢٢ وذكر مثله في الفتاوى ٢١/ ٣١٨.
[ ٥٧ ]