ثم قال: وامتلأت كتب السيرة بالموضوع والمدسوس من الأحاديث والعجيب والمنكر من الإسرائيليات وقرأنا في أكثر من كتاب من كتب السيرة أن النبي ﵊ مات ودرعه مرهونة عند يهودي وهو كذب وافتراء لايُعقل. فقد مات سيدنا رسول الله والغنائم وخيرات البلاد المفتوحة تجبى من كل مكان.
وللرسول ولفقراء المسلمين نصيب فيها وله الخمس بحكم القرآن. وعثمان بن عفان الذين مَوَّل غزوة تبوك من ماله إلى جواره فما حاجته إلى رهن درعه عند يهودي إلا أن تكون فِرْية نكراء من افتراءات اليهود دَسّوها على كُتّاب الحديث. والقرآن يقول لرسوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيمًا فآوى. ووجدك ضالًا فهدى. ووجدك عائلًا فأغنى﴾.
الله يقول بأنه أغنى رسوله. فما حكاية هذه الدرع المرهونة عند يهودي إلا أن تكون من الإسرائيليات مدسوسة. وغيرها الكثير. فلا أقلّ من أن نحتكم إلى العمدة في أمور ديننا حتى
[ ٤٦ ]
لاتنفرط وِحدتنا وحتى لانتفرق بددا والعمدة المعتمد في جميع أمور الملة هو القرآن المجيد نتمسك به ونحتكم إليه في كل صغيرة وكبيرة.
وما تناقض في كتب السيرة مع القرآن لا نأخذ به. فالذين كتبوا السيرة بشر مثلنا يخطئون ويصيبون. أما القرآن فهو الكتاب المحفوظ من رب العالمين وهو الكتاب الموثق بين كل ما تبقى من كتب مقدسة بين أيدينا وهو المهيمن عليها جميعها بلا استثناء. (١)
الجواب: يقول عن حديث درع النبي ﷺ المرهونة عند يهودي أنه كذب وافتراء لايعقل وأنه مدسوس مع أن الحديث صحيح وهو في صحيح البخاري ﵀ في مواضع منه وكذلك رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم.
والحديث لاينافي قوله تعالى: ﴿ووجدك عائلًا فأغنى﴾ قال ابن حجر في الفتح: وفيه ماكان عليه النبي ﷺ من التواضع والزهد في الدنيا والتقلل منها مع قدرته عليها والكرم الذي أفضى به إلى عدم الإدّخار حتى احتاج إلى رهن درعه
_________________
(١) ص ٤١، ٤٢، ٤٣.
[ ٤٧ ]
والصبر على ضيق العيش والقناعة باليسير وفضيلة لأزواجه لصبرهن معه على ذلك. وفيه غير ذلك مما مضى ويأتي. قال العلماء: الحكمة في عدوله ﷺ عن معاملة مَيَاسير الصحابة إلى معاملة اليهود إما لبيان الجواز أولأنهم لم يكن عندهم إذْ ذَاك طعام فاضِل عن حاجة غيرهم. أوخشي أنهم لايأخذون منه ثمنًا أوعوضًا فلم يرد التضييق عليهم فإنه لايَبْعُدْ أن يكون فيهم إذْ ذَاك من يقدر على ذلك وأكثر منه فلعله لم يُطْلعهم على ذلك. وإنما اطّلع عليه مَن لم يكن مُوسرًا به ممن نَقَلَ ذلك. والله أعلم. (١)
فقد تبين أن الحديث صحيح وأن مصطفى محمود جريء على ردّ الأحاديث الصحيحة والتكذيب بها. كذلك فقد تبين سوء فهمه لمعنى الحديث أيضًا.
وهو ينطبق عليه ماذكره النبي ﷺ قال: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه. ألا يوشك رجل شبعان متكئًا على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وماوجدتم فيه من حرام فحرموه) قال الترمذي: حيث حسن.
_________________
(١) فتح الباري ٥/ ١٤١.
[ ٤٨ ]
وقال الأوزاعي عن حسان بن عطية: كان جبريل ينزل بالقرآن والسنة على الني ﷺ ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن .. أما قوله: وما تناقض في كتب السيرة مع القرآن لا نأخذ به فمثل قول محمد الغزالي الذي يطلب محاكمة الصحاح إلى نصوص القرآن. (١)
وقال مصطفى: والآن وقدْ تراخى بنا الزمن وأصحبنا نقرأ عن وعن وعن إلى آخر العنْعنات التي لايعلم بها إلا الله. واختلف أهل هذه العنعنات. والقرآن بين أيدينا لا اختلاف فيه وآياته المحكمة كالسيف تقطعنا عن أي شك. (٢)
لينظر الموفق مايفعل الجهل والضّلال بأهله إن هذا لو سُئل: كيف يُصلي المسملون كيف يزكون كيف يحجون كيف يصومون وآلاف الآلاف من كيف؟.
ماذا يكون جوابه؟ وهل يُعلم التشريع إلا بهذا؟
هذا لايدري مايقول وإلا فالسنة تفسر القرآن وتبيّنه وتوضحه وتكشفه وتدل عليه وتعبّر عنه وتفصّل مجمله وتقيّد مطلقه
_________________
(١) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص١٧ والرد على الغزالي في كتاب (إعانة المتعالى لردّ كَيْد الغزالي).
(٢) ص ٦٨.
[ ٤٩ ]
وتخصص عمومه. وحكمها حكم القرآن في ثبوت العلم واليقين والإعتقاد والعمل.
وهذه العنعنات التي يسخر بها هذا اعتقدها الصحابة ﵃ وعملوا على مقتضاها قبل وجود البخاري ﵀ وغيره من أهل النقل وذلك أن الصحابة ليس كلهم يسمعون من النبي ﷺ كل مايقول بل يتناقلون كلامه بذلك ونقله التابعون عنهم كذلك وهكذا. فالبخاري ﵀ سلك مسلك الصحابة.
كذلك فإنه لاتستقيم للناس معايشهم والمعرفة بأمورهم وشئونهم إلا بالعنعنات. وهذا الكاتب لو أتى إليه إنسان أوكتب له أنه سمع شخصًا أوخاطبه مَنْ سمع شخصًا يقول كذا وكذا أورآه يفعل كذا هل يُكذّب بذلك ولايبالي به أو أنه يحزم به إنْ كان مَن حَدّثه ممن يعرف صدقه.
مع أن أهل الحديث يُقيدون هذه العنعنات بقيود معروفة في شروطهم شهد لهم بالبراعة فيها والصدق والإتقان أعداؤهم لاسيما البخاري ومسلم رحمهما الله.
وقد مَيّز علماء الحديث الصحيح من الأحاديث والضعيف والموضوع ودَوّنوا ذلك كله فلا يطعن بهم إلا أهل البدع. وهم العدول بشهادة النبي ﷺ لهم بذلك.
[ ٥٠ ]
ثم زعم أن عدم قبول ماناقض القرآن من الأحاديث ليس إنكارًا للسنة ولكن غَيْرة عليها. (١)
وليس في الأحاديث الثابتة مايناقض القرآن وإنما فيها زيادة على مافي القرآن مع تفصيله وبيانه وقد تقدم بيان ذلك. وهذه غيْرة شيطانيه.
_________________
(١) ص ٩٢.
[ ٥١ ]