ثم قال مصطفى: والنبي يشكو أمته في القرآن ولا يتوسط لمذنبيها فيقول لربه: (يارب إن قومي أتخذوا هذا القرآن مهجورًا) وهي شكوى صريحة وكلام مناقض لأيّ شفاعة. ولن ينجو من المذنبين إلا من تكرم عليه رب العزة وفتح له بابًا للتوبة قبل الممات. (١)
الجواب: هذه نزلت في المشركين كانوا لايُصغون للقرآن حين يتلى عليهم ولايستمعونه. ولا تُناقض الشفاعة لأهل الذنوب من الموحدين ولاتدل على نفي الشفاعة لهم بأيّ وجه. أما أنه لاينجو من المذنبين إلا من تاب قبل الممات فباطل مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة وهو إنكار لأحاديث الشفاعة الصحيحة بل وإنكار لما ثبت من أن الله يخرج من النار من شاء برحمته دون شفاعة شافع.
_________________
(١) ص ١٧،١٨.
[ ١٤ ]
ثم قال: والملائكة في طَوَافهم حول العرش يسبحون لربهم ويستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم قائلين: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ الآيات.
إذن الوسيلة الوحيدة للنجاة من العقاب هي أن يقي ربنا عباده من الوقوع في السيئات أصلًا أويفتح لهم باب التوبة في حياتهم إذا تَوَرّطوا فيها.
وهذه أبواب الشفاعة الممكنة وهي دعاء النبي لِمسلمي هذه الأمة بأن يختم حياتهم بتوبة ونرجو أن نكون من الفائزين بهذا الدعاء. وهذا الدعاء المحمدي هو الشفاعة التي نفهمها بالمعنى القرآني. (١)
الجواب: من أنكر ماصح عن النبي ﷺ فهو على شفا هلكة وقدْ صَحّ عنه ﷺ أنه يشفع يوم القيامة بمن يأذن له الله بالشفاعة لهم من الموحدين. أما استغفار الملائكة للمؤمنين ودعاؤهم لهم. كذلك دعاء النبي ﷺ لأمته فلا يمنع ولايعارض ماثبت من أمر الشفاعة في القيامة
_________________
(١) ص ١٨.
[ ١٥ ]
فأيّ فهم هذا؟.
ثم قال: أما الشفاعة بمعنى هدم الناموس وإخراج المذنبين من النار وإدخالهم الجنة. فهي فَوْضى الوسايط التي نعرفها في الدنيا ولا وجود لها في الآخرة. وكل ماجاء بهذا المعنى في الأحاديث النبوية مشكوك في سنده ومصدره لأنه يخالف صريح القرآن.
ولايعقل من نبي القرآن أن يطالب بهدم القرآن. (١)
الجواب: يقال لهذا: ماهو الناموس الذي ينهدم إذا حصلت الشفاعة للمذنبين من الموحدين وأدخلوا الجنةبعد تعذيبهم بقدر ذنوبهم في النار؟
إن الله لايُساوي بين مختلفَيْن ولايفرّق بين متساوِيَيْن ولا يظلم مثقال ذرة. فالذي يأتي يوم القيامة بالتوحيد وله ذنوب فإما أن يغفرها الله أويعذب بقدر ذنوبه ثم يُؤذن بالشفاعة له فكيف يُساوَى هذا بالكافر؟
وانهدام الدين إنما هو بردّ ماثبت عن رسول الله ﷺ.
وكوْن أحاديث الشفاعة مشكوك في سندها ومصدرها هذه داهية. ولِكل أحد أن يقول مثل هذا فيما يخالف هواه فهل يستقيم أمر الدين مع هذا التلاعب.
_________________
(١) ص ١٩.
[ ١٦ ]
أمّا أن أحاديث الشفاعة تخالف صريح القرآن فمن أبطل الباطل ويستحيل أن يصحّ عن النبي ﷺ مايخالف القرآن. ثم إن الله يقول: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ فلوْلا أن الشفاعة كائنة في القيامة لَمَا ذكر الله هذا الإسْتثناء. وقال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ فلوْلا أن الشفاعة كائنة في القيامة لما ذكر سبحانه هذا الإستثناء. فهذه الآيات ونحوها في أهل التوحيد. أما الكفار فقد قال تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ مما يبين أن الشفاعة حاصلة لغيرهم. ويقول تعالى عن الكفار أيضًا: ﴿فما لنا من شافعين﴾ فأين المخالفة لصريح القرآن لوْلا سوء الفهم.؟
[ ١٧ ]