ثم قال: إن ماصنعه البخاري بإخراجه مُذْنبي المسلمين من النار بشفاعة الرسول ﵊ كما رَوى في أحاديثه لم تأت بالمسلم الأفضل بل جاءت بالمسلم الأضعف المتواكِل الذي يحلم بدخول الجنة بلا عمل. (١)
الجواب: البخاري ﵀ ليس هو الذي يُخرج مُذْنبي المسلمين من النار بشفاعة الرسول وإنما ينقل ماصح عن رسول الله ﷺ بذلك. كذلك غيره من المحدّثين.
والمسلم الضعيف المتواكل الذي يحلم بدخول الجنة بلا عمل ليست آفته من أحاديث البخاري وإنما آفته من الفهم الفاسد لتلك الأحاديث حيث يظن أن مجرّد التلفظ بالشهادة يُغنيه عن العمل بمقتضاها حيث الشفاعة أمامه. وإذا كان هذا يُحيل الضلال للأحاديث الصحيحة فالقرآن ضَلّت به الخوراج لفهمهم الفاسد فكيف المخرج إذًا؟
_________________
(١) ص ١٠٣.
[ ٥٨ ]
بل إنه هو ضَلّ بالقرآن حيث زعم أن أحاديث الشفاعة وغيرها تناقضه وطلب الإكتفاء به وهو الذي فيه ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا﴾ ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ وغير ذلك.
ثم قال: ونقف معًا أمام الحديث الذي رواه البخاري عن سيدنا موسى حينما قضى ربنا عليه الموت وأرسل له ملَك الموت ليقبض روحه. ماذا قال لنا البخاري؟ قال إن موسى رفض أن يموت وضرب ملك الموت على عينه ففقأها فرجع ملك الموت إلى ربه فَرَدّ له بصره.
كيف يجوز هذا الكلام والقرآن يقول في قطع لا لَبْسَ فيه: ﴿إن أجل الله إذا جاء لايؤخر لوكنتم تعلمون﴾ ﴿ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها﴾ ﴿فإذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ولايستقدمون﴾ فأين موسى من كل هذا وكيف يضرب ملك الموت على عينه ويرفض أن يموت وأين كلام البخاري من كلام الله؟ إن الحديث واضح الزيْف ومثله كثير في البخاري (١).
الجواب: الواضح الزيف فَهْمك. وإلا فالحديث ثابت عن
_________________
(١) ص: ١٠٦ - ١٠٧.
[ ٥٩ ]
النبي ﷺ وليس البخاري الذي قال: إن موسى رفض أن يموت وضرب ملك الموت ففقأ عينه وإنما النبي هو الذي أخبر بهذا الخبر. والبخاري ﵀ ناقل ومُبَلّغ عن نبيه الذي أمر أمته بتبليغ رسالته ومَنْ قال لهذا الضال أن ملك الموت أُرسل إلى موسى ليقبض روحه في الحال حتى يكون هذا التأخر لموت موسى مناقض للقرآن. وإنما هذه بعض فضائح من اسْتهان بأحاديث النبي ﷺ الصحيحة. فبما أن هذا الحديث صحيح فقطعًا لايعارض القرآن فليس في الحديث أن ملك الموت مأمور بقبض روح موسى بنفس الوقت.
ثم إنه في عِلم الله أن موسى سوف يقول لملك الموت ماقال ويفعل مافعل ومع هذا أرسله إليه وفي علمه أنه بقي من عُمر موسى مابَقّي فأيّ معارضة في هذا؟
أما قوله: وكيف يضرب ملك الموت على عينه فجوابه ما قال ابن خزيمة ﵀ قال: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وقالوا: إن كان موسى عَرَفَه فقد اسْتخف به وإن كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقء عينه؟ والجواب: أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ وإنما بعثه إليه اختبارًا. وإنما لَطَمَ موسى ملك
[ ٦٠ ]
الموت لأنه رأى آدميًا دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في درا المسلم بغير إذن. وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدَمِييِّن فلم يعرفا هم ابتداء. ولوْ عرفهم إبراهيم لما قدّم لهم المأكول. ولوْ عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه إلى آخره. (١)
وقد رَدّ محمد الغزالي هذا الحديث قبل مصطفى محمود. قال ابن قدامة المقدسي ﵀ في (لمعة الإعتقاد) تحت عنوان: (الإيمان بكل ما أخبر به الرسول).
قال: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أوْغاب عنا نعلم أنه حق وصدق. وسواء في ذلك ماعقلناه أوْجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج وكان يقظة لا مناما فإن قريشًا أنكرته ولم تُنكر المنامات. ومِن ذلك أن ملَك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فردّ عليه عينه. إلى آخره.
_________________
(١) فتح الباري ٦/ ٤٤٣.
[ ٦١ ]
ثم ختم كتابه بقوله: ويعلم الله أنه مادفعني إلى كتابة ماكتبت إلا محاولة استجلاء الحقيقة وابتغاء وجه الله فأنا مثلكم من الخطائين وكان أنفع لي أن آخذ كلام البخاري على علاته ولكن الله كان عندي أحق وأوْلى وأدعو لنفسي ولكم بالهداية. (١)
الحقيقة ظهرت وبانت وردّك أحاديث النبي ﷺ الصحيحة وطعنك على هذا الإمام العظيم البخاري ﵀ ليس بالهَيّن فلم يبق إلا التوبة والبيان برجوعك عن الذي خالفت به أهل السنة. والكلام على صحيح البخاري وما قاله العلماء في تعظيمه والثناء عليه ليس ولله الحمد بالخفي وليس بالذي يحتمله هذا الرّد.
_________________
(١) ص ١٠٩.
[ ٦٢ ]