من عَلِمَ ماتقدم تبين له وظهر ضلال القبورية الذين يعتقدون بالموتى وأنهم من أخسر الناس يوم القيامة. لقد غَرَّهم الشيطان ومكر بهم فظنوا أنهم يحسنون صُنعًا إن عابد البدوي أو الدّسوقي أوغيرهم من الموتى يقول: أنا ما أعبدهم وإنما أعبد الله وأقول: لا إله إلا الله لكن هم أولياء ونتبرّك بهم ولهم جاه ومنزلة عند الله.
فيقال له: هذا هو مطلب عباد الأصنام من أصنامهم فهم صَوّرها على صور الملائكة ومَنْ هو مقرّب عند الله وعبدوها باعتبار أن عبادتهم لها بمنزلة عبادتهم إياهم بَذَوَاتهم مع أنهم يقولون ربنا الله وهو الذي خلقنا ويرزقنا وإنما هؤلاء لهم وجاهة فهم يُقربوننا إليه فكفّرهم الله بذلك.
يقول من ينذر للبدوي أوغير البدوي ويذبح له ويرجوه: أنا أقول: لا إله إلا الله وأصلي وأصوم وأعمل بالإسلام فكيف أُجْعل مثل عباد الأصنام الذين يمتنعون من قول لا إله إلا الله وليسوا
[ ٦٣ ]
بمسلمين.؟
فيقال له: أنت لو عرفت الإسلام كما عرفه عباد الأصنام من العرب لامْتنعت من قول لا إله إلا الله. أوقلتها وامْتنعت من أن يتوجه قلبك بعبوديته للموتى وعرفت أنها مانعة قاطعة أن يكون في قلبك لمخلوق حي.
أومّيت نصيب وشركة في الخوف والرجاء والمحبة وأن تعتقد فيه أنه يُقرّبك إلى الله أويشفع لك عنده لكنك تقولها وتعمل خلاف معناها فلا إله ليس معناها لارب أولا خالق أولا رازق إلا الله. هذا يعتقده عباد الأصنام وإنما معناها قطع تعلّق قلبك بالأنبياء والملائكة والصالحين فضلًا عن غيرهم بأدنى رجاء نرجوه منهم مما ترجو أن تقترب به من ربك لأن هذه الرّقة والخشية والتعظيم الذي يُحسّ به وتُشعر به في قلبك هو ملك ربك ولايرضى أن تجعل لأحد منه نصيب فهذا هو الشرك وهو أعظم الذنوب وهو الموجب للخلود في جهنم لمن مات عليه ولا تنفعه شافعة شافع. ومعنى لاتنفعه لأنه لا أحد يشفع فيه وتقرب إليه بدعاء أوذبح أونذر أوغيره من العبادة التي هي حق إلا له سبحانه ولايرضى بالشركة فيها.
ثم ليعلم من يعتقد بالمقبورين أن هناك شُبَهٌ تغرّه وتخدعه وهي من مكر الشيطان وكيْده ليُضلّه عن معبوده الحق وذلك أنه قدْ يرى
[ ٦٤ ]
عند الضريح خيالًا أويسمع صوتًا أو تُقضى له حاجة أويرى في المنام مايدعو للإعتقاد بالميت وكل هذا بلا ريب من الشيطان. والشياطين تقدر على أعظم من ذلك للفتنة.
وما اغْترّ عباد الأصناح بحجر ولا بشجر وإنما يسمعون أصواتًا ويروْن أشياء وتقضى لهم بعض الحوائج ومِنْ هنا اغتروا وهذا معنى قوله تعالى عن خليله ﵇: ﴿رب إنهن أضللْن كثيرًا من الناس﴾ إن مع كل صنم شيطان وظيفته الفتنة وزيادة تعلق القلب بغير الإله الحق. ولاشك أن السّدنة وما يرُوّجونه من الباطل عامل كبير لِرَواج بناء القباب على القبور وتعظيمها. وهم دجاجلهم يتأكّلون بالشرك. وكم يُرَوّجون الإعتقاد بمقبور لايملك لنفسه فضلًا عن غيره نفعًا ولاضرًا بأنه فعل كذا وحصل بسببه كذا. وكل ذلك ينقسم إلى قسمين: إما من الشيطان للفتنة ولزيادة التعلّق بالميت. أوكذب محض لا أصل له.
إن التعلق بالموتى مهما كانت وجاهتهم ومنزلتهم أعظم صارف لقلب العبد عن ربه الذي خلقه ليكون هذا الذي في قلبه من التعلّق خالصًا له لايُزاحمه فيه مُزاحم لا محمد ولا جبريل ولاجميع الأنبياء والملائكة فضلًا عن غيرهم. وإنما هؤلاء يريد الرب منا أن
[ ٦٥ ]
ننزلهم منازلهم التي أنزلهم إياها وأنهم عبيده فنحبهم بحبه ولانرفعهم فوق منازلهم بإخراجهم عن طوْر العبودية إلى الإلهية. هذا أعظم ذنب عُصِي الله به وهو الشرك. ثم إنهم أعداء لمن يشركهم مع ربهم ﴿وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾.
إنهم يتبرأون ممن تعبّدهم بالخوف والرجاء وغير ذلك من أنواع العبودية.
أما البدوي فمن يكون؟ لقد تُرْجِمَ له أقبح سيرة وإنما غلافية من لم يعرف التوحيد الذي بعث الله به محمدًا ﷺ. وهو إخلاص تألّه القلوب لوليّها الحق ومالكها. ولايصلح شيء من ذلك إلا له.
حتى قبر النبي ﷺ لايُفعل عنده عند زيارة المسجد إلا السلام عليه وعلى أبي بكر وعمر. ومن أراد الدعاء لايدعو عند القبر وإنما في المسجد مستقبلًا القبلة لا القبر .. ومسجد الرسول أُدْخل فيه القبر للتوسعة من قِبَل بني أمية وقد أنكر العلماء ذلك .. فما للمساجد والقبور وما للقبور وتوَجّه القلوب بخوف أو رجاء. هو والله كيد الشيطان ومكره ليضل عن سبيل
الله من سبقت له الشقاوة.
الميت إذا كان صالحًا يسلم عليه سلام السنة ويُدْعى له لايدعى ويُرّحم عليه. لأنه مُرْتهن بعمله
[ ٦٦ ]
ومشغول بما هو فيه وليس له من أمور عباد الله شيء وليس رب العالمين كملوك الدنيا تنفع عندهم الوسايط. التي يخترعها العباد ويبدؤونها وينشئونها. من غير علمهم ويشفعون عندهم دون إذنهم. والملوك أنفسهم يخافون الشفعاء ويرجون لقيام ملكهم بالشفاعة ولارب هو الذي يخلق حركة الشافع ليشفع كرامة له ورحمة من الله للمشفوع فيه سابقة علم الشافع وسابقة رحمة الشافع للمشفوع فيه. فالأمر كله له سبحانه. والكلام في هذا من أجلّ وأعظم أمور التوحيد فمن تأمله ووفق لفهمه جعل الله له نورًا يمشي به في الناس وفرقانًا يفرق به بين الحق والباطل ﴿ومن لم يجعل الله له نورًا فماله من نور﴾ ﴿من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدا﴾. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
كتبه
عبد الكريم بن صالح الحميد
ـ بريدة - ١٤٢٠هـ
[ ٦٧ ]