ثم قال: وللأسف الشديد نحن نقرأ كتب السيرة والأحاديث بتسليم مطلق وكأنها قرآن منزل ومحفوظ. والله لم يقل لنا أنه تولى حفظ هذه الكتب. وهو لم يحفظ إلا القرآن وكل ماعدا القرآن من كتب يجب أن تخضع للنقد والفحص مهما عظم شأن أصحابها. (١)
الجواب: كتب السيرة والأحاديث لايقرؤها بتسليم مطلق وكأنها قرآن منزل محفوظ إلا من لايعرف كلام أهل العلم في ذلك وأنه لابد من تمييز الصحيح من غيره كما أن هذه الكتب يختلف بعضها عن بعض فليس الصحيحان كغيرهما. وأنت بكلامك هذا لاتقصد ماقصده الأئمة والعلماء من النصح لله ولرسوله بتمييز ماصَحّ عن رسول الله ﷺ من غيره فقد شكّكت في أحاديث الشفاعة الصحيحة ونفيتها. وسيأتي إن شاء الله طعنه حتى على الصحيحين.
_________________
(١) ص ٢٢، ٢٣.
[ ٢٨ ]
أما النقد والتمحيص فليس لك ولا لأمثالك. فجهلك طافح به كتابك وردّك أحاديث الرسول الثابتة لمخالفتها لبدعتك يوجب نقدك وتمحيصك أولًا ليظهر ضلالك وأنك غير ثقة ولا مؤتمن على هذه البضاعة.
وإنما تكلمتَ في زمان قُبِضَ فيه العلم فأنت من رؤوس أهله الجهال.
ثم قال: والإسرائيليات تملأ كتب السيرة وقدْ دَسّوا علينا أن الرسول سُحِرَ وأن جبريل استخرج لفافة السحر من البئر وهو كذب صراح بشهادة القرآن نفسه بما روى على لسان الكفار أتّهامًا للنبي ﵊: ﴿إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًا﴾ فالقرآن ينسب أمثال هذا الإتهام للظالمين من الكفار الذين يُريدون تشويه صورة النبي بمالا يليق وبماليس فيه. والآية تكذيب ضمني لهذه الحكايات التي ذكرها كتاب السيرة والتي رَوَتْ أن النبي ﵊ بِفِعْل هذا السحر كان يأتي بأفعال ولايُدرك بأنه فعلها ويأتي بأقوال ولايدري بأنه قالها حتى أخرج له جبريل السحر وتمّ شفاؤه. وهو كلام خطير يطعن في دَوْر النبي ﵊ كمبلّغ عن الله وكرسول. والقرآن
[ ٢٩ ]
صريح في التأكيد على عصمة النبي ﵊ (والله يعصمك من الناس). فهذه المرويات كلها أكاذيب. (١)
الجواب: حديث سحر النبي ﷺ ثابت في صحيح البخاري ﵀ وتكذيبك به دليل على زَيْغك وضلالك. ولا معارضة ولا منافاة في ذلك للقرآن.
فالله سبحانه ذكر عن الكفار قولهم: ﴿إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًا﴾ إنكارًا عليهم نسبة رسوله للسحر فيما أتاهم به من ربه تَبْرئة لرسوله أن يأتي بالسحر وينسبه إلى الله.
أما ما حصل للنبي ﷺ من سحر لبيد بن الأعصم اليهودي فهذا شيء آخر لم يؤثّر فيه أي أثر من جهة تبليغه رسالة ربه فهو في عصمة من هذا الوجه لكن صارت له آثارًا خفيفة في بعض أحواله الطبيعية. وقدْ وَضَحَتْ له ولم تَخْفَ عليه حيث أخبر أنه يُخَيّل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله. فهذا التخييل لم يخف عليه ﷺ ولم يلتبس وقد شفاه الله منه. فهو عارض تتبيّن منه بشريّته ﷺ كما يُصاب بالأمراض والأوجاع ونحو ذلك ولايُنافي هذا عصمته في تبليغ رسالة ربه والعمل بذلك فهذا التخييل في أشياء طبيعية ثم هو قدْ علم به حيث
_________________
(١) ص ٢٣، ٢٤.
[ ٣٠ ]
أخبر أنه يُخّيل إليه. وهذا خلاف السحر المؤثر بتغيّر حالة الشخص بحيث يعرف ذلك الناس منه. والنبي ﷺ لم يسْتنكر منه أصحابه ولا زوجاته شيئًا غَيّره إطلاقًا. وإنما هو أحَسّ بذلك التخييل.
وقد أنكر هذا الحديث الصحيح غير مصطفى محمود لشبهاتهم التي يُوردونها عليه يتقوّوْن بذلك بزعمهم على رَدّ غيره من الأحاديث المخالفة لِنحلهم. والحقائق لاتبطلها الشقاشق. فيجعلون إنكار مثل هذا الحديث سلمًا لأغراضهم. ولذلك قال بعد الكلام السابق:
وليس غريبًا أن تمتلئ هذه الكتب بالمدسوس من أحاديث الشفاعة فنقرأ في أحدها أن النبي ﵊ يُدخل بشفاعته إلى الجنة رجلًا لم يفعل في حياته خيرًا قط ويكون هذا الرجل هو آخر الداخلين إلى الجنة. وما الهدف من أمثال هذه الأحاديث المدسوسة سوى إفساد الدين والتحريض على التسيّب والإنحلال وفتح باب الجنة سَبَهْلَلَة للكل لأن الشفيع سجد عند قدم العرش وقال متوسّلًا: لا أبرح حتى تدخل كل أمتي الجنة يارب. (١)
_________________
(١) ص ٢٤.
[ ٣١ ]
الجواب: الحذر من هذا الضال فإنه يُقرر مذهب الخوارج والمعتزلة في منع الشفاعة للمذنبين وهي ثابته عن الصادق المصدوق ﷺ. ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر وأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وإذا كان هذا يطعن في كتب الحديث عامة وفي صحيح البخاري خاصة فيكفي أن يقال له: هذه أحاديث صحيحة في صحيح البخاري ومسلم رحمهما الله وكتب الحديث الأخرى. وإنكارك لذلك ضلال عظيم.
وليس في إثبات ماصح عن رسول الله ﷺ إفساد للدين وإنما الإفساد بإنكار ما أثبته كما فعلتَ أنت فأنت الذي تفسد الدين. ويلزم من كلامك أن أئمة أهل السنة والجماعة وعلماؤهم مفسدون وأنت الذي جئت بالإصلاح بتقريرك مذهب الخوراج والمعتزلة الفاسد.
كذلك فليس في إثبات ماصح عن المعصوم ﷺ مايجعل الجنة سَبَهْلَلة كما عَبَّر وقد تقدم أن كلمة التوحيد مقيدة بقيود ثقال وأنها لاتنفع قائلها إلا بعد معرفة معناها والعمل بمقتضاها وأنها لاتنفعه إلا بعد الصدق والإخلاص واليقين لأن كثيرًا ممن يقولها في الدرك الأسفل من النار فلابد في شهادة ألا إله إلا
[ ٣٢ ]
الله من اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان فإن اختل نوع من هذا الأنواع لم يكن قائلها مسلمًا .. هكذا قرر أهل السنة.
أما قوله: قدم العرش فمن جنس عباراته الركيكة. والذي ورد أن للعرش قوائم لا أقدام.
ثم قال بعد أن ذكر شيئًا من أهوال القيامة: هل هذه لحظة يُسَاوِم فيها النبي ربه لإخراج رجل من النار وإدخاله الجنة وهو لم يفعل خيرًا قط في حياته؟ إن لم يكن هذا هو الهزل فماذا يكون؟ (١)
الجواب: هذا فهمك الساقط وتعبيرك الفاسد حيث جعلت مقام النبي ﷺ الشريف السامي الذي يُكرمه الله به مقام مُساومة وهزل. ولماذا يضيق عطنك أن يرحم الله عباده فتعارض الحق هذه المعارضة؟
إنك لوْ عرفت حكمة الحكيم في تقديره ما قدره على عباده وحكمة أمره ونهيه وثوابه وعقابه بل وحكمته في خلق إبليس الداعي إلى كل كفر وفسق بل وحكمته في خلق عذاب الآخرة لعرفتَ قدر نفسك وعلمت أن كل ما أخبر به الرسول ﷺ حق وصدق وأنه صادر عن مقتضى حكمة أحكم
_________________
(١) ص ٢٥.
[ ٣٣ ]
الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين .. ولكنك تُهْرف بما لاتعرف ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.
ثم ذكر أعداء الإسلام وأنهم هم الذين يكيدون له وأن هذا من دسائسهم. ثم ذكر حسن فهم القرآن وقراءة السيرة من خلال القرآن لِتفهم الدين وقال: ولا تستخفكم الروايات والأحاديث التي تدخلكم الجنة بغير حساب لمجرد أنكم تلفظتم بكلمة التوحيد. فالتوحيد ليس مجرد كلمة وإنما حقيقة تملأ القلب ويترجمها العمل ويؤكدها السعي في الأرض وفي مصالح الناس وتعبّر عنها حركة الحياة بأسرها. (١)
الجواب: تقدم أن ما أنكره ثابت عن النبي ﷺ. أما تهجينه لِلْمغترين بمجرد التلفظ بكلمة التوحيد فنعم إنه لايَعتمد على مجرد التلفظ بذلك مع مخالفة عمله لقوله إلا مغرور. لكن هذا لا يوجب التكذيب بالأحاديث الصحيحة لأنه فَهِم منها هو وهؤلاء الذين وصفهم غير المراد فهو وَقَع بعظيم ولم يُشعر.
قال: القرآن ينفي إمكانية خروج من يدخل النار في الكثير والعديد من آياته من الكفار ومن المسلمين أيضًا ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها ولهم عذب مقيم﴾ وذكر
_________________
(١) ص ٢٦.
[ ٣٤ ]
آيات مثل هذه في الكفار وجعل المسلمين معهم يدوم عذابهم بدوام النار. وهذا خلاف مايعتقده أهل السنة والجماعة من التفريق بين المذنبين من المسليمن وبين الكفار وهو الذي يدور عليه موضوع كتابه.
[ ٣٥ ]