ثم قال مصطفى محمود: والمعنى المستخلص هو أن قول لا إله إلا الله باللسان مرة أوْمرات أوطول العمر لن يغني شيئًا ولن يحقق لصاحبه نجاة ولا فلاحًا إلا إذا صادق القلب وصادقت الجوارح وأكّدت الأفعال على هذا القول وهو مالم يرد له ذكر في الحديث. (١)
الجواب: هذه الكلمة العظيمة جاءت مقيّدة بالقيود الثقال وأكثر من يقولها لا يعرف الصدق والإخلاص المراد منها. وأكثر من يقولها تقليدًا وعادة ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه. وغالب من يُفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث (سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) لكن لايعني هذا إنكار ماصَحّ عن رسول الله ﷺ. فالذي في حديث أبي ذر ﵁ ذكر الزنا والسرقة وهذه كبائر لاتُحبط الإيمان بالكلية لكنها تضعفه وليس معنى الحديث أن الإنسان يقول لا إله إلا الله ولا يصادق قلبه
_________________
(١) ص ١٧.
[ ٩ ]
وجوارحه وتؤكد أفعاله فهذا المنافق. أما الذي ذُكر في الحديث فمسلم مصدق قلبه وجوارحه ومؤكدة أفعاله يعني التوحيد لكنه يأتي بعض الكبائر فليس كالمنافق الكاذب في قول لا إله إلا الله.
فقد تبيّن أن النطق بالشهادة من غير معرفة لمعناها ولايقين ولاعمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع. وهذا لا يوجب التكذيب بأحاديث الشفاعة الثابتة لأنها للموحدين الذين يعرفون معناها ويعملون بمقتضاها ولكن لهم ذنوب أوْجبت لهم دخول النار.
ومما جاء في بيان كلمة لا إله إلا الله في (قرّة عيون الموحدين) قوله: وأنت تجد أكثر من يقول لا إله إلا الله ويَدَّعي الإسلام يفعل الشرك بالله في عبادته بدعوة من لايضر ولاينفع من الأموات والغائبين والطواغيت والجن وغيرهم ويحبهم ويُوَاليهم ويخافهم ويرجوهم ويُنكر على من دعا إلى عبادة الله وحده وتَرْك عبادة ماسِواه ويزعم أن ذلك بدعة وضلالة ويُعادي من عمل به وأحَبّه وأنكر الشرك وأبغضه. وبعضهم لا يَعدّ التوحيد علمًا ولا يلتفت إليه لجهله به وعدم محبته والله المستعان ..
[ ١٠ ]
وشهادة أن لا إله إلا الله ذكر العلماء لها شروط لابد من وجودها فلابد من (العلم) بحقيقة معناها علمًا ينافي الجهل بخلاف من يقولها وهو لايعرف معناها.
ولابد من (اليقين) المنافي للشك فيما دَلّت عليه من التوحيد. ولابد من (الإخلاص) المنافي للشرك. فإن كثيرًا من الناس يقولها وهو يشرك في العبادة ويُنكر معناها ويُعادي مَن اعْتقده وعمل به.
ولابد من (الصدق) المنافي للكذب بخلاف حال المنافق الذي يقولها من غير صدق كما قال تعالى: ﴿يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم﴾.
ولابد من (القبول) المنافي للرّد بخلاف من يقولها ولايعمل بها. ولابد من (المحبة) لِما دَلّت عليه من التوحيد والإخلاص وغير ذلك والفرح بذلك المنافي لخلاف هذين الأمرين، ولابد من (الإنقياد) بالعمل بها ومادلّت عليه مطابقة وتضمنًا والْتزامًا. وهذا هو دين الإسلام الذي لايقبل الله دينًا سواه.
وكثير ممن يدّعي العلم قد عكس مدلولها.
[ ١١ ]