ثم قال: القرآن يقول في قطعية واضحة: أن الله لايشرك في حكمه أحدًا. ويقول في قرآنه: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾.
وكل هذا نفي صريح للشفاعة يوم الحساب. ثم يتكرر نفس المعنى في آية أخرى في سورة السجدة: ﴿الله الذي خلق السموات والأرض ومابينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولاشفيع أفلا تتذكرون﴾ فأضاف في هذه الآية حرف (من) ﴿مالكم من دونه من ولي ولاشفيع﴾. وهو نفي قطعي لأي نوع من ولي أوْ شفيع هذه الآيات المحكمات في نفي الشفاعة تجعلنا نعيد النظر بتفهّم لأي آية تتكلم عن الشفاعة ونفهمها في حدود (المتشابه) فلا ننساق وراء هذه الأحاديث التي تملأ كتب السيرة وتدّعي بأن النبي ﵊ سوف يُخرج من النار كل من قال لا إله إلا الله.
[ ٢٥ ]
وما أسهل أن نقول وما أهْون أن ننطق بالكلام ونحن أكثر الأمم كلامًا وأقلها التزامًا. (١)
الجواب: تقدم أن الشافع غير شريك لله سبحانه وإنما هو مُكْرم بالشفاعة. وقوله تعالى: ﴿وأنذر به الذي يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾.
لاتدل على نفي الشفاعة مطلقًا. وإنما دلالتها القطعية على نفي الشفاعة من دونه وهي التي لم يأذن بها ولم يرض عن صاحبها. فهذه لا وجود لها في القيامة. أما في الدنيا فقد اتّخِذَتْ الشفعاء وتولاّهم المشركون ولن يُغنوا عنهم شيئًا حيث طلبوها ممن لايملكها. ولذلك يقول الموحّد: اللهم شفّع فيِّ نبيي لايقول: يارسول الله إشفع لي: فالرسول لايملكها ولايقدر عليها اسْتقلالًا.
أما جعل الأحاديث الثابتة عن الصادق المصدوق الذي لاينطق عن الهوى ﷺ في حدود المتشابه فهذا زيغ وضلال ورَدّ على الرسول أمره.
قال ابن تيمية ﵀: ومقصود القرآن بنفي الشفاعة نفي الشرك وهو أن أحدًا لايعبد إلا الله ولايدعو غيره ولايسأل غيره ولايتوكل على أحد في أن يرزقه وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب.
_________________
(١) ص ٢١، ٢٢.
[ ٢٦ ]
كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة وإن كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها. فالشفاعة التي نفاها القرآن مطلقًا ماكان فيها شرك وتلك مُنْتفية مطلقًا. ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مَوَاضع. وتلك قدْ بيّن الرسول ﷺ أنها لاتكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. فهي في التوحيد ومُسْتحقيها أهل التوحيد. إنتهى. (١)
تأمله فإنه فرقان في هذه المسئلة وأعلم أن نفي الشفاعة المراد منه. أن الشفاعة بغير إذنه غير حاصلة في القيامة. فنفاها سبحانه باعتبار أنها غير موجودة وكالشيء المعدوم في الآخرة.
_________________
(١) الفتاوى ٧/ ٧٨.
[ ٢٧ ]