هناك صراط مستقيم، وهو الطريق القويم طريق الهداية، وهناك صراط الجحيم منصوب على جهنم أشارت إليه الآيات في سورة يس، وفي الصافات، وفي مريم، وبيّنته الأحاديث الصحيحة المشهورة المروية في البخاري ومسلم وفي غيرهما كما مرّ.
والعجيب أن د. الكيالي أنكر مفهوم الآيات السابقة، ثم أنكر الأحاديث الصّحيحة الصّريحة ليصل إلى فكرته الاعتزالية، ثم بعد ذلك استدل ببعض الأحاديث التي تخدم فكرته وما يصبوا إليه.
فإمّا أن لا يستدل بالحديث أصلًا وهذا هو المفروض حسب عقيدته، أو يستدل بكل الأحاديث الواردة دون انتقاء لبعضها وإقصاء للآخر.
وقد عنف الله في القرآنُ الكريم اليهودَ لأنهم يأخذون ببعض الكتاب وينكرون البعض الآخر؛ حسب أهوائهم وعقيدتهم الفاسدة قال تعالى:
﴿أَفَتُؤمِنونَ بِبَعضِ الكِتابِ وَتَكفُرونَ بِبَعضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفعَلُ ذلِكَ مِنكُم إِلّا خِزيٌ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيَومَ القِيامَةِ يُرَدّونَ إِلى أَشَدِّ العَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعمَلونَ﴾ [البقرة: ٨٥]
نقول للدكتور الكيالي ما قاله الشاعر:
فقلْ لمنْ يدَّعِي في العلم معرفةً حفِظْتَ شَيئًا، وغابَتْ عنك أشياءُ
ومن المعروف أن د. الكيالي مهندس معماري، ودرس الرياضيات والفيزياء والكيمياء، ولم يثبت عنه أنه أخذ العلم الشرعي عن واحد من العلماء المشهود لهم بالعلم والتقوى والاستقامة، فلم يتلقَّ العلم عن أهله، بل هبج من الكتب من هنا وهناك ما يروق له فَضَلَّ وأَضلّ، وقد يكون الهدف من ترويجه هو وأمثاله في هذه الأوقات ضربَ الاسلام من خلال إنكار السنة المطهرة، وهي المرجع الثاني التي نأخذ منها الأحكام بعد القرآن الكريم، وقد حذر النبيُّ من ذلك قبل أربعة عشر قرنًا فقال ﷺ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ..» وفي رواية: «لَا أُلْفِيَنَّ- لَا أجدنَّ- أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي: مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: مَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ (١)»
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٤٦٠٥) في السنة: باب لزوم السنة، والترمذي رقم: (٢٦٦٦) في العلم: باب رقم (١٠) وإسناده صحيح. وقال الترمذي: حسن، وأخرجه أحمد ٦/ ٨، وابن ماجة في المقدمة رقم (١٣) بألفاظ متقاربة. (انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول ١/ ٢٨٣ مع الحاشية)
[ ٩ ]
قال الحافظ المنذري -﵀-: يعني أنه ﷺ أنه أوتي من الوحي غير المتلو مثل ما أوتي من المتلو كما قال الله تعالى (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فالكتاب هو القرآن، والحكمة السنن التي لم ينطق القرآن بنصها، وأوتي ﷺ من بيان القرآن وتفسيره، فإن بيان القرآن مفوض إليه ﷺ، قال الله تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وفي تكرير كلمة التنبيه (ألا) توبيخ نشأ من غضب عظيم؛ عن من ترك السنة والعمل بالحديث استغناء بالكتاب؛ فكيف بمن ترك العمل بالحديث استغناء بالرأي (١)!!. اهـ
ولولا خشية الإطالة لروينا العشرات من الأحاديث الصحيحة التي تثبت وجود الصراط، والميزان، وعذاب القبر، وكلهم ينكرهم الكيالي هذا؛ فلننتبه الى هذه الدعوات الهدامة ولننبذها بشدة وبالله التوفيق.
_________________
(١) وأما ما رواه بعضهم أنه ﷺ قال: "إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه" فإنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا الصاحبي عن يحيى بن معين -رحمهما الله- أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة اهـ (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ١/ ١٩٢.المؤلف: أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي (المتوفى: ١٣٧٨ هـ)
[ ١١ ]