أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة» فقال الحسن وما ذنبهما فقال أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول وما ذنبهما. إسناده صحيح على شرط مسلم.
وروى الحافظ أبو يعلى عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» قال الهيثمي فيه ضعفاء قد وثقوا.
قلت وحديث أبي هريرة ﵁ يشهد له ويقويه.
وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه وتكور فيه الشمس والقمر ثم يوقد فيكون هو جهنم).
وروى الإمام أحمد وابن جرير والحاكم في مستدركه عن يعلي بن أمية ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «البحر هو جهنم» قال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي الآيات من سورتي التكوير والانفطار مع هذه الأحاديث دليل على أن الأرض هي المركز والمستقر للأثقال وذلك يدل على سكونها وثباتها كما تقدم تقريره وفيها رد على أهل الهيئة الجديدة القائلين بحركة الأرض ودورانها وعلى من يقلدهم ويحذو حذوهم من المسلمين.
فصل
وأما الأحاديث الدالة على استقرار الأرض وسكونها.
فالأول منها حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت» الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي.
وهذا الحديث نص في استقرار الأرض وسكونها.
الحديث الثاني عن صفوان بن عسال المرادي ﵁ أن النبي ﷺ "ذكر بابًا من قبل المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين
[ ٣٢ ]
أو سبعين عامًا خلقه الله يوم خلق السموات والأرض مفتوحًا يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» رواه الإمام أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية لهما «إن الله ﷿ جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من قبله وذلك قول الله ﵎ (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها) الآية» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وقد رواه ابن ماجه في سننه بإسناد صحيح ولفظه «إن من قبل مغرب الشمس بابًا مفتوحًا عرضه سبعون سنة فلا يزال ذلك الباب مفتوحًا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا».
وهذا الحديث الصحيح من أقوى الأدلة على أن الأرض قارة ساكنة لا تدور ولا تفارق موضعها أبدًا. وهذا مستفاد من النص على أن باب التوبة ثابت في ناحية المغرب لا يزايله ولا يغلق حتى تطلع الشمس من قبله. ولو كان الأمر على ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لكانت وجهة ذلك الباب تختلف بحسب دوران الأرض فتكون من ناحية المغرب تارة ومن ناحية المشرق أخرى وعلى مسامتة الرأس تارة وفي الجهة المقابلة لذلك أخرى وفيما بين هذه الجهات تارات بحسب دوران الأرض وسيرها على حد زعمهم الكاذب وهذا إبطال للنص بغير دليل شرعي بل بمجرد الظنون الكاذبة والتوهمات الخاطئة.
الحديث الثالث. قال أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي في أخبار مكة حدثني جدي عن سعيد بن سالم قال أخبرني ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «البيت الذي في السماء يقال له الضراح وهو مثل بناء هذا البيت الحرام ولو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدًا».
ورواه الطبراني فقال أنبأنا الحسن بن علوية القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة حدثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط لسقط عليه يدخله
[ ٣٣ ]
كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرونه قط وإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة. يعني في الأرض».
قال ابن كثير وهكذا قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع بن أنس والسدي وغير واحد.
وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه «هل تدرون ما البيت المعمور» قالوا الله ورسوله أعلم قال «فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم».
وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «في السماء السابعة بيت يقال له المعمور بحيال الكعبة».
وقال ابن جرير حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن رجلا قال لعلي ﵁ ما البيت المعمور قال بيت في السماء يقال له الضراح وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدًا.
ثم رواه ابن جرير من حديث علي بن ربيعة وأبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليًا ﵁ عن البيت المعمور قال مسجد في السماء يقال له الضراح يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدًا.
ورواه أبو الوليد الأزرقي في أخبار مكة فقال حدثني جدي قال حدثني سفيان بن عيينة عن ابن أبي حسين عن أبي الطفيل قال سأل ابن الكواء عليًا ﵁ ما البيت المعمور قال هو الضراح وهو حذاء هذا البيت وهو في السماء السادسة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدًا وقال أيضًا حدثني أبو محمد قال حدثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال حدثنا سفيان بن عيينة بنحوه إلا أنه قال في السماء السابعة وقال لا يعودون إليه أبدًا إلى يوم القيامة. وقال أيضًا حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه أنه وجد في التوراة بيتًا في السماء بحيال
[ ٣٤ ]
الكعبة فوق قبتها اسمه الضراح وهو البيت المعمور يرده كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدًا.
قال الجوهري الضراح بالضم بيت في السماء وهو البيت المعمور عن ابن عباس.
وقال ابن الأثير الضراح بيت في السماء حيال الكعبة ويروى الضريح وهو البيت المعمور من المضارحة وهي المقابلة والمضارعة وقد جاء ذكره في حديث علي ومجاهد ومن رواه بالصاد فقد صحف.
وقال ابن منظور في لسان العرب الضراح بالضم بيت في السماء مقابل الكعبة في الأرض قيل هو البيت المعمور عن ابن عباس وفي الحديث الضراح بيت في السماء حيال الكعبة. ويروى الضريح وهو البيت المعمور من المضارحة وهي المقابلة والمضارعة وقد جاء ذكره في حديث علي ومجاهد.
وقال صاحب القاموس الضراح كغراب البيت المعمور في السماء الرابعة انتهى وقوله في السماء الرابعة غلط إما منه أو ممن دونه من النساخ أو الطابعين لأنه قد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن البيت المعمور في السماء السابعة والله أعلم.
وفي حديث ابن عباس ﵄ وما ذكرنا معه من الآثار المتعاضدة دليل على استقرار الأرض وسكونها. وهذا مستفاد من النص على أن الكعبة بحيال البيت المعمور في السماء وإن البيت المعمور لو سقط لسقط على الكعبة.
ولو كان الأمر على ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما كان البيت المعمور بحيال الكعبة ولو خر لم يخر عليها بل يخر على الشمس لأنها هي المستقرة والمركز الذي تدور عليه الأفلاك على حد زعمهم الكاذب، ويلزم على هذا تكذيب الحديث والآثار المذكورة ههنا بغير مستند صحيح.
الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال «إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السموات والأرض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام وأنه لم يحل لأحد قبلي وإنما أحل لي ساعة من نهار ثم عاد كما كان» رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية من طريقه ولبعضه شواهد في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس وأبي هريرة وأبي شريح الخزاعي ﵃.
[ ٣٥ ]