يدوم إلا بهن. قال والحسبان والفلك يصيران إلى شيء واحد غير أن الحسبان في الرحى والفلك في المغزل رواه ابن أبي حاتم. وذكره البخاري في صحيحه مختصرًا فقال وقال مجاهد بحسبان كحسبان الرحى. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري مراده أنهما يجريان على حسب الحركة الرحوية الدورية وعلى وضعها.
وقيل الحسبان مصدر كالحساب أي جعل الشمس والقمر يجريان بحساب مقدر معلوم لا يجاوزانه في منازل لا يعدوانها. قال ابن عباس ﵄ (الشمس والقمر بحسبان) قال بحساب ومنازل رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. ولا منافاة بين القولين فإن الشمس والقمر يجريان بحساب ومنازل في فلك مستدير كاستدارة الرحى والله أعلم.
وقد قرن الله ﵎ - وهو العليم الخبير - بين الشمس والقمر في أكثر هذه المواضع التي ذكرنا وأخبر أن كلًا منهما يجري ويسبح في الفلك فاعترف أهل الهيئة الجديدة بذلك في القمر وأنكروه في الشمس فكان مثلهم في ذلك مثل اليهود يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وليس لهم على التفريق دليل أبدًا إلا أن يكون من التخرصات الكاذبة والتوهمات الفاسدة. ونقول لهم ما أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقوله لسلفهم (قل أأنتم أعلم أم الله).
فصل
وأما دلالة السنة على جريان الشمس ففي أحاديث كثيرة نذكر منها ما تيسر إن شاء الله تعالى.
الحديث الأول عن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس «تدري أين تذهب» قلت الله ورسوله أعلم قال «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها» فذلك قول الله تعالى (والشمس
[ ١٨ ]
تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) متفق عليه واللفظ للبخاري ورواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي بنحوه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قال وفي الباب عن صفوان بن عسال وحذيفة بن أسيد وأنس وأبي موسى انتهى وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال يومًا «أتدرون أين تذهب هذه الشمس» قالوا الله ورسوله أعلم قال «إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع تصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها» فقال رسول الله ﷺ «أتدرون متى ذاكم. ذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا».
وفي هذا الحديث الصحيح أوضح دليل على أن الشمس تجري وتدور على الأرض، وفيه رد على أهل الهيئة الجديدة الذين يزعمون أن الشمس ثابتة لا تجري ولا تتحرك.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر ولادها فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه» الحديث رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس» رواه الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط البخاري.
وهذا الحديث والذي قبله من أقوى الأدلة على سير الشمس ولهذا قال لها يوشع بن
[ ١٩ ]
نون إنك مأمورة وأنا مأمور ثم دعا الله تعالى أن يحبسها عليه فحبست فهذا نص صريح في أن الشمس هي التي تسير وتدور على الأرض.
ولو كان الأمر على ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لكان ينبغي ليوشع بن نون أن يخاطب الأرض ويدعو الله تعالى أن يحبسها عليه. وعلى قولهم يكون خطاب يوشع للشمس خطأ ودعاؤه بأن تحبس عليه لغوًا، وإخبار النبي ﷺ بذلك مقررًا له خلاف الصواب. هذا مقتضى قولهم الباطل وهو مما ينزه عنه آحاد العقلاء فضلًا عن أنبياء الله المعصومين فقاتل الله أهل الهيئة الجديدة أنى يؤفكون.
الحديث الرابع عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ «أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار». رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي وإسناده حسن. وفيه دليل على جريان الشمس. وفيه أيضًا الرد على أهل الهيئة الجديدة الذين يزعمون أن الشمس لا تجري ولا تتحرك.
الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صدق أمية في شيء من شعره فقال:
رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال النبي ﷺ «صدق» وقال:
والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد
تأبى فما تطلع لنا في رسلها إلا معذبة وإلا تُجْلَد
فقال النبي ﷺ «صدق» رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله في زوائد المسند وفي كتاب السنة وابن خزيمة في كتاب التوحيد وأبو يعلى والطبراني ورواته ثقات.
وفي بعض طرقه عند ابن خزيمة تصريح محمد بن إسحاق أن شيخه حدثه بذلك فزال ما يخشى من تدليسه.
قال ابن خزيمة قوله وإلا تجلد معناه اطلعي كما قال ابن عباس ﵄.
قلت قول ابن عباس ﵄ الذي أشار إليه ابن خزيمة هو ما رواه أبو بكر ابن الأنباري في كتاب المصاحف بإسناده عن عكرمة قال قلت لابن عباس ﵄ أرأيت ما جاء عن النبي ﷺ في أمية بن أبي الصلت آمن شعره وكفر
[ ٢٠ ]
قلبه فقال هو حق فما أنكرتم من ذلك قلت قوله في الشمس إلا معذبة وإلا تجلد فقال والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك فيقولون لها اطلعي فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله فيأتيها ملك عن الله ﷿ يأمرها بالطلوع فتشتعل لضياء بني آدم فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها.
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق الأوزاعي عن عبدة - يعني ابن أبي لبابة - قال ما ظهرت الشمس قط حتى تضرب مرة أو مرتين حتى تجذب جذبًا تقول إني أعبد من دون الله.
الحديث السادس عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب» متفق عليه.
الحديث السابع عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» متفق عليه.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس» رواه أبو داود الطيالسي في مسنده وإسناده صحيح.
الحديث التاسع عن عبد الله الصنابحي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها» رواه مالك والشافعي وأحمد والنسائي بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين.
الحديث العاشر عن عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال قلت يا رسول الله أي الليل أسمع قال «جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيد رمح أو رمحين فإنها تطلع بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار ثم صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل
[ ٢١ ]