أول برج الجدي وذلك نحو من ثلاث وعشرين درجة وحينئذ يكون بينها وبين القطب الجنوبي سبع وستون درجة وبينها وبين القطب الشمالي مائة وثلاث عشرة درجة. ثم ترجع شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى خط الاستواء في أول برج الحمل. وهكذا هي سائرة على الدوام. ولها في كل ثلاثة عشر يومًا منزلة من المنازل الثمان والعشرين تقارنها في مسيرها ثم تتخلف عنها وتقارن التي تليها وهكذا هي على الدوام. وأما القمر فله في كل يوم وليلة منزلة من المنازل يقارنها في مسيره.
ولو كانت الشمس ساكنة ثابتة كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما كانت تدور على البروج والمنازل وتكون في خط الاستواء تارة وتميل نحو الشمال تارة ونحو الجنوب تارة وتقرب من القطب الشمالي في الصيف وتبعد عنه في الشتاء وتقرب من القطب الجنوبي في الشتاء وتبعد عنه في الصيف وتتوسط بين القطبين في فصلي الربيع والخريف.
وسيرها في البروج والمنازل وميلها نحو الجنوب في الشتاء ونحو الشمال في الصيف ورجوعها إلى خط الاستواء في فصلي الربيع والخريف معلوم عند كل عاقل ولا ينكره إلا من هو ذاهب العقل أو معاند يكابر في المحسوسات ويباهت في الضروريات.
وقد تقدم قول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى (بحسبان) قال بحساب ومنازل رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
فصل
في ذكر الأدلة على ثبات الأرض واستقرارها. فأما الأدلة من القرآن ففي عدة آيات.
الآية الأولى قوله تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا. ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليمًا غفورًا).
وهذه الآية من أوضح الأدلة على ثبات الأرض واستقرارها ولو كانت تجري وتدور على الشمس كما زعمه أهل الهيئة الجديدة لكانت تزول من مكان إلى مكان وهذا خلاف نص الآية الكريمة.
الآية الثانية قوله تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره).
[ ٢٣ ]
قال البغوي قال ابن مسعود ﵁ قامتا على غير عمد بأمره. وقال ابن كثير على قوله تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) كقوله تعالى (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) وقوله (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتهد في اليمين قال والذي تقوم السماء والأرض بأمره. أي هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها.
وقال ابن منظور في لسان العرب ويجيء القيام بمعنى الوقوف والثبات يقال للماشي قف لي أي تحبس مكانك حتى آتيك وكذلك قم لي بمعنى قف لي وعليه فسروا قوله سبحانه (وإذا أظلم عليهم قاموا) قال أهل اللغة والتفسير قاموا هنا بمعنى وقفوا وثبتوا في مكانهم غير متقدمين ولا متأخرين. ومنه التوقف في الأمر وهو الوقوف عنده من غير مجاوزة له، قال ومنه قامت الدابة إذا وقفت عن السير وقام عندهم الحق أي ثبت ولم يبرح ومنه قولهم أقام بالمكان هو بمعنى الثبات، ويقال قام الماء إذا ثبت متحيرًا لا يجد منفذًا وإذا جمد أيضًا.
قلت ومنه قوله تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) فمعناه الوقوف والثبات وعدم الحركة والدوران والله أعلم.
الآية الثالثة قوله تعالى في سورة المؤمن (الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا والسماء بناء) الآية. قال ابن كثير رحمه الله تعالى أي جعلها لكم مستقرًا بساطًا مهادًا تعيشون عليها وتتصرفون فيها وتمشون في مناكبها وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم (والسماء بناء) أي سقفًا للعالم محفوظًا.
الآية الرابعة قوله تعالى في سورة النمل (أم من جعل الأرض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا وجعل لها رواسي) الآية. قال ابن كثير رحمه الله تعالى يقول (أم من جعل الأرض قرارًا) أي قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها وترجف بهم فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطًا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك كما قال تعالى في الآية الأخرى (الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا والسماء بناء) وقال البغوي قرارًا لا تميد بأهلها قلت والقرار معناه في لغة العرب الثبات والسكون قال في القاموس وشرحه قر بالمكان يقر بالكسر والفتح قرارًا وقرورًا وقرا وتقرة ثبت
[ ٢٤ ]
وسكن فهو قار كاستقر وتقار وهو مستقر انتهى.
ثم قال ابن كثير على قوله تعالى (وجعل لها رواسي) أي جبالا شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بكم.
وقال القرطبي على قوله تعالى (وجعل لها رواسي) يعني جبالًا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة.
الآية الخامسة قوله تعالى في سورة النحل (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارًا وسبلا لعلكم تهتدون).
الآية السادسة قوله تعالى في سورة الأنبياء (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم الآية).
الآية السابعة قوله تعالى في سورة لقمان (خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) الآية. وفي كل من هذه الآيات دليل على استقرار الأرض وسكونها.
قال الراغب الأصفهاني الميد اضطراب الشيء العظيم كاضطراب الأرض قال (أن تميد بكم).
وقال ابن الجوزي في تفسير سورة النحل. قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي) أي نصب فيها جبالًا ثوابت (أن تميد) أي لئلا تميد، وقال الزجاج كراهة أن تميد يقال ماد الرجل يميد ميدًا إذا أدير به، وقال ابن قتيبة الميد الحركة والميل يقال فلان يميد في مشيته أي يتكفأ.
وقال البغوي قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) أي لئلا تميد بكم أي تتحرك وتميل والميد هو الاضطراب والتكفؤ ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر ميد.
قال وهب لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة إن هذه غير مقرة أحدًا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال.
قلت وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن نحوه. وروى سعيد عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد نحو ذلك أيضًا.
[ ٢٥ ]
وروى ابن جرير عن علي ﵁ قال لما خلق الله الأرض قمصت وقالت تخلق علي آدم وذريته يلقون علي نتنهم ويعملون علي بالخطايا فأرساها الله بالجبال فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون وكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمه.
ويشهد لهذه الآثار ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت». الحديث.
وقال ابن كثير في تفسير سورة النحل. ذكر تعالى الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات لتقر الأرض ولا تميد أي تضطرب بما عليها من الحيوانات فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك.
وقال أيضًا في تفسير سورة الأنبياء. قوله (وجعلنا في الأرض رواسي) أي جبالا أرسى الأرض بها وقررها وثقلها لئلا تميد بالناس أي تضطرب وتتحرك فلا يحصل لهم قرار عليها وقال أيضًا في تفسير سورة لقمان على قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي) يعني الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء ولهذا قال (أن تميد بكم) أي لئلا تميد بكم. وقال القرطبي في تفسير سورة الأنبياء. وقوله تعالى (وجعلنا في الأرض رواسي) أي جبالا ثوابت (أن تميد بهم) أي لئلا تميد بهم ولا تتحرك ليتم القرار عليها قاله الكوفيون. وقال البصريون المعني كراهية أن تميد والميد التحرك والدوران يقال ماد رأسه أي دار.
وقال الشوكاني في تفسير قوله تعالى (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) الميد التحرك والدوران أي لئلا تتحرك وتدور بهم.
الآية الثامنة قوله تعالى في سورة الرعد (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارًا) الآية قال ابن كثير أي جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض وأرساها بجبال راسيات شامخات.
وقال البغوي عند قوله تعالى (وجعل فيها رواسي) جبالا ثابتة واحدتها راسية.
وقال القرطبي عند قوله تعالى (وجعل فيها رواسي) أي جبالا ثوابت واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها أي تثبت والإرساء الثبوت.
[ ٢٦ ]
الآية التاسعة قوله تعالى في سورة الحجر (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي) الآية. قال البغوي على قوله (والأرض مددناها) بسطناها على وجه الماء (وألقينا فيها رواسي) جبالا ثوابت وقد كانت الأرض تميد إلى أن أرساها الله بالجبال.
الآية العاشرة قوله تعالى في سورة فصلت (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها) الآية. قال البغوي (وجعل فيها) أي في الأرض (رواسي) جبالا ثوابت قال القرطبي واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها أي تثبت والإرساء الثبوت.
الآية الحادية عشرة قوله تعالى في سورة ق (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي) الآية قال البغوي على قوله (والأرض مددناها) بسطناها على وجه الماء (وألقينا فيها رواسي) جبالا شوامخ.
وقال ابن كثير على قوله (والأرض مددناها) أي وسعناها وفرشناها (وألقينا فيها رواسي) وهي الجبال لئلا تميد بأهلها وتضطرب فإنها مقرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها.
الآية الثانية عشرة قوله تعالى في سورة المرسلات (ألم نجعل الأرض كفاتا. أحياء وأمواتًا. وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا) قال ابن كثير على قوله تعالى (وجعلنا فيها رواسي شامخات) يعني الجبال رسَّى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب.
الآية الثالثة عشرة قوله تعالى في سورة النازعات (والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها. متاعًا لكم ولأنعامكم) قال ابن كثير على قوله (والجبال أرساها) أي قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها وهو الحكيم العليم. وقوله (متاعا لكم ولأنعامكم) أي دحا الأرض فأنبع عيونها وأظهر مكنونها وأجرى أنهارها وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها كل ذلك متاعًا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل.
الآية الرابعة عشرة قوله تعالى في سورة النبأ (ألم نجعل الأرض مهادا. والجبال أوتادا) قال ابن كثير رحمه الله تعالى على قوله (ألم نجعل الأرض مهادا) أي ممهدة للخلائق ذلولا لهم قارة ساكنة ثابتة (والجبال أوتادا) أي جعلها لها أوتادا أرساها
[ ٢٧ ]
بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها.
وقال القرطبي على قوله (والجبال أوتادًا) أي لتسكن ولا تتكفأ بأهلها.
وقال ابن منظور في لسان العرب وأوتاد الأرض الجبال لأنها تثبتها.
الآية الخامسة عشرة قوله تعالى في سورة الزخرف (الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون) قال ابن كثير على قوله (الذي جعل لكم الأرض مهدا) أي فراشا قرارا ثابتة تسيرون عليها وتقومون وتنامون وتتصرفون مع أنها مخلوقة على تيار الماء لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا.
الآية السادسة عشرة قوله تعالى في سورة الذاريات (والأرض فرشناها فنعم الماهدون) قال ابن كثير أي جعلناها فراشًا للمخلوقات (فنعم الماهدون) أي وجعلناها مهدًا لأهلها. وقال في البداية والنهاية. وقوله (والأرض فرشناها) أي بسطناها وجعلناها مهدا أي قارة ساكنة غير مضطربة ولا مائدة بكم وقال البغوي على قوله (والأرض فرشناها) بسطناها ومهدناها لكم (فنعم الماهدون) الباسطون نحن. قال ابن عباس ﵄ نعم ما وطأت لعبادي.
الآية السابعة عشرة قوله تعالى في سورة البقرة (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء) الآية.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة بأن جعل لهم الأرض فراشًا أي مهدا كالفراش مقررة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات. والسماء بناء وهو السقف. قال ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى (الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم) الآية. قال ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره ولهذا قال (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون).
قلت وقد استدل الرازي بهذه الآية على سكون الأرض وثباتها وسيأتي كلامه مع الأدلة العقلية على ثبات الأرض إن شاء الله تعالى.
الآية الثامنة عشرة قوله تعالى في سورة نوح (والله جعل لكم الأرض بساطًا.
[ ٢٨ ]
لتسلكوا منها سبلا فجاجا) قال البغوي على قوله (والله جعل لكم الأرض بساطًا) فرشها وبسطها لكم وقال ابن كثير أي بسطها ومهدها وقررها وثبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات (لتسلكوا منها سبلا فجاجا) أي خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها.
الآية التاسعة عشرة قوله تعالى في سورة الملك (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) قال ابن كثير رحمه الله تعالى ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال.
وقال القرطبي في تفسيره وقيل أي ثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا.
قلت قد زعم أهل الهيئة الجديدة ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من المسلمين أن الأرض تسير في الثانية أكثر من ثلاثين كيلومترًا وأنها تقطع في اليوم الواحد أكثر من خمسمائة ألف فرسخ. ولو كان الأمر على ما زعموه من سير الأرض بهذه السرعة الهائلة لما كانت ذلولا للخلائق ولا فراشًا ولا مهدًا ولما استقر على ظهرها شيء من البناء والشجر فضلا عن الحيوانات وذلك لشدة مخرها للهواء وشدة صدم الهواء لوجهها.
واعتبر ذلك بالطائرة النفاثة التي لا تبلغ في سرعة سيرها عشر عشر العشر مما زعموه في سرعة سير الأرض. هل يقول عاقل أنه يمكن أن يستقر حيوان على ظهر الطائرة النفاثة وهي سائرة. كلّا لا يقول ذلك عاقل أبدًا. وإذا كان استقرار الحيوانات على ظهر الطائرة في حال سيرها مستحيلا فكذلك الاستقرار على ظهر الأرض لو كانت تسير بالسرعة الهائلة التي زعموها بطريق الأولى ولما كانت الأرض ذلولا للخلائق وفراشًا ومهدًا لهم دل ذلك على أنها ثابت ساكنة.
فهذه الآية والآيات الخمس قبلها من أوضح الأدلة على سكون الأرض وثباتها.
الآية العشرون قوله تعالى في سورة الملك (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور) قال ابن كثير أي تذهب وتجيء وتضطرب.
وقال البغوي قال الحسن تتحرك بأهلها وقيل تهوي بهم وقال الراغب الأصفهاني
[ ٢٩ ]
المور الجريان السريع يقال مار يمور مورًا. قال (يوم تمور السماء مورًا) ومار الدم على وجهه. والمور التراب المتردد بالريح وناقة تمور في سيرها فهي موارة.
وقال الجوهري والهروي وغيرهما من أئمة اللغة مار الشيء يمور مورًا إذا جاء وذهب.
وقال ابن الأثير وفي حديث قس ونجوم تمور أي تذهب وتجيء قلت والمعنى في قوله تعالى (فإذا هي تمور) كالمعنى في قوله تعالى (يوم تمور السماء مورًا) قال مجاهد في تفسير هذه الآية تدور دورا. وقال الضحاك استدارتها وتحركها لأمر الله وموج بعضها في بعض. قال ابن كثير وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال وأنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى بيت الأعشى فقال:
كان مشيتها من بيت جارتها مور السحابة لا ريث ولا عجل
قلت ومثل ذلك قول كعب بن زهير في الريح.
عفته رياح الصيف بعدي بمورها وأبرته الجوزاء بالوبل والديم
وقال البغوي في تفسيره (يوم تمور السماء مورًا) أي تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قال قتادة تتحرك. وقال عطاء الخراساني تختلف أجزاؤها بعضها في بعض وقيل تضطرب. والمور يجمع هذه المعاني فهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب انتهى.
إذا علم هذا فآية سورة الملك دالة على أن الأرض قارة ساكنة لا تدور فتذهب وتجيء ولهذا امتن الله ﵎ على عباده بتذليلها لهم وحذرهم من عقوبته بأن يخسف بهم الأرض ويجعلها تمور بهم. ولو كان الأمر على ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة ومن يقلدهم من العصريين لكانت الأرض تمور دائمًا كما تمور النجوم والسحاب والريح ولم يبق للتخويف بمورها فائدة.
الآية الحادية والعشرون قوله تعالى (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم).
الآية الثانية والعشرون قوله تعالى (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفًا من السماء) الكسف القطع.
[ ٣٠ ]
الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى إخبارا عن مشركي قريش أنهم قالوا (أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا).
الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى إخبارا عن قوم شعيب أنهم قالوا (فأسقط علينا كسفًا من السماء إن كنت من الصادقين).
الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم).
ووجه الاستدلال بهذه الآيات الخمس على استقرار الأرض وسكونها أن الله ﷾ جعل الأرض مركزًا للأثقال ومستقرًا لما ينزل من السماء فلو سقطت السماء لوقعت على الأرض ولو سقط منها شيء لم يستقر إلا في الأرض. ولو كانت الأرض تجري وتدور على الشمس كما زعمه أهل الهيئة الجديدة لكانت الشمس هي المركز والمستقر للأثقال وهذا تكذيب للقرآن.
وقد قال الله تعالى (إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت).
وقال تعالى (إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت).
قال البغوي وغيره في قوله تعالى (وإذا النجوم انكدرت) أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض كما قال تعالى (وإذا الكواكب انتثرت).
وروى ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف عن ابن عباس ﵄ قال «يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحًا دبورا فيضرمها نارًا».
وكذا ذكر البغوي في تفسيره عن ابن عباس ﵄. قال ابن كثير وكذا قال عامر الشعبي قلت ويشهد لهذا الأثر ما رواه البخاري في صحيحه حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج قال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة».
ورواه البزار عن إبراهيم بن زياد البغدادي عن يونس بن محمد عن عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال حدثنا
[ ٣١ ]