له الطلبة ما تقول في قول الله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها) وقوله تعالى (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) وأمثال هذه الآيات. فقال القرآن حق. فقالوا له يلزمك على هذا أن تعتقد جريان الشمس فأبى فطالبوه بالدليل على قوله فقال هكذا تلقينا من علمائنا.
فانظر يا من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان إلى جواب هذا المخدوع المغرور بزخارف أعداء الله وشبهاتهم. واحمد الله الذي عافاك مما ابتلى به المنحرفين المكذبين لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة تقليدًا منهم لأعداء الله تعالى من الكفار والمنافقين الذين أسسوا بنيانهم على شفا جرف هارٍ ينهار بمن تمسك به في نار جهنم.
وما أشبه هذا الذي ذكرنا جوابه ومن جرى مجراه بالذين قال الله تعالى فيهم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا).
فاحذروا أيها المسلمون من الإصغاء إلى دسائس أعداء الله تعالى والاغترار بزخارفهم وشبهاتهم فإنهم لا يألونكم خبالا وودوا لو تكفرون بما جاء به نبيكم ﷺ من الكتاب والحكمة قال الله تعالى (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) الآية. وقال تعالى (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين. وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين). ففي هذه الآيات أبلغ تحذير للمسلمين من طاعة الكفار والمنافقين وقبول آرائهم وظنونهم وتخرصاتهم فإنهم لا يألون المسلمين خبالا وودوا ما عنتهم وأضلهم عن الصراط السوي والهدي.
وقد جعل الله ﷾ للمسلمين في كتابه وسنة رسوله ﷺ كفاية وغنية عما سواهما من أقوال الناس وآرائهم وتخرصاتهم قال الله تعالى (أولم
[ ٤٥ ]
يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) وقال تعالى (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) وقال تعالى (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) وقال تعالى (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى).
قال ابن عباس ﵄ «من تعلم كتاب الله ثم اتبع ما فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه يوم القيامة سوء الحساب» رواه رزين.
وفي رواية قال «من اقتدى بكتاب الله لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا هذه الآية (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)» وقد ذكره البغوي في تفسيره بنحوه.
وروى الإمام أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم ﵁ قال قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال «أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي».
وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال «كتاب الله فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل».
وفي رواية له أخرى أن رسول الله ﷺ قال «ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله ﷿ هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة».
ورواه الترمذي مختصرًا ولفظه قال رسول الله ﷺ «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء
[ ٤٦ ]
إلى الأرض وعترتي أهل بيتي» الحديث قال الترمذي حديث حسن غريب.
وروى مسلم أيضًا وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» ورواه الترمذي بنحوه مختصرًا.
وروى مالك في الموطأ بلاغًا أن رسول الله ﷺ قال «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله».
وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع - فذكر الحديث وفيه أنه قال «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه» صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الحاكم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنة نبيه ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». وروى الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه عن أبي شريح الخزاعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا».
قال المنذري إسناد الطبراني جيد. وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.
وروى الطبراني أيضًا في الكبير والصغير والبزار من حديث جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين وهو الشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه» ورواه الطبراني والبغوي بنحوه موقوفًا.
وروى الترمذي عن علي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «ألا إنها ستكون فتنة فقلت ما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما
[ ٤٧ ]