فصل
قال الصواف في تعقيبه على الشيخ عبد العزيز بن باز. ما نصه.
لقد قرأت بإمعان مقالك القيم (الشمس جارية والأرض ثابتة) ولمست الضجة الكبرى التي أحدثها في الأوساط العلمية والمجامع الثقافية وقد كان حديث المجالس وحديث الغادين والرائحين وكانوا ما بين موافق ومخالف ولم تكن الغرابة من موضوع المقال فالخلاف في هذا الأمر قديم وحديث، ولكن الضجة مما جاء في المقال من التكفير والتضليل والحكم بالردة حيث قلت بعد أن سقت بعض الأدلة «وهكذا علماء الإسلام المعروفون المعتمد عليهم في هذا الباب وغيره قد صرحوا بما دل عليه القرآن الكريم من كون الشمس والقمر جاريين في فلكهما على التنظيم الذي نظمه الله لهما وأن الأرض قارة ساكنة قد أرساها الله بالجبال وجعلها أوتادًا لها فمن زعم خلاف ذلك وقال إن الشمس ثابتة لا جارية فقد كذب الله وكذب كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم قلت حفظك الله وكل من قال هذا القول فقد قال كفرًا وضلالا لأنه تكذيب لله وتكذيب للقرآن وتكذيب للرسول ﷺ الخ».
من هنا يا أخي انطلقت الضجة حتى أحدثت لها عجاجة في الأفق العلمي ما كان أغنانا عنها خاصة وقد صدمت هذه الفتوى الملايين من شباب ورجال يدينون بالإسلام في هذا العصر والذين أصبحوا يعتقدون أن مثل هذه الأمور أصبحت عندهم من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان فكيف تنفى نفيًا قاطعًا ويكفر القائل بها ويحكم عليه بالردة ويستباح دمه وماله. نعم إن من كذب الله ورسوله وكذب كتابه فهو كافر مرتد ومجرم أثيم كما قلتم في مقالكم. وأنا أقول وعليه غضب الله ولعنته إلى يوم الدين.
والجواب عن هذا من وجوه، أحدها أن يقال أن بيان الحق واجب على العلماء وكتمانه حرام عليهم لقول الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) فدلت هذه الآية الكريمة على أنه لا يجوز للعلماء كتمان ما يعلمونه
[ ٨٩ ]
من الحق بل يجب عليهم بيانه للناس سواء قبلوه منهم أو ردوه. وإذا حدث بسبب بيان الحق ضجة من الجهال لم يكن ذلك مانعًا من بيان الحق والدعاء إليه وإنكار الباطل والتحذير منه. وقد أحدثت دعوة النبي ﷺ ضجة عظيمة عند المشركين ولم تكن ضجتهم مانعة له من بيان الحق والدعاء إليه وإنكار المنكر والتحذير منه.
وكذلك أهل الردة قد أحدثوا ضجة عظيمة بعد موت النبي ﷺ حتى قال عمر ﵁ لأبي بكر ﵁ يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم فقال أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام. ولم تمنعه ﵁ ضجتهم من قتالهم وردهم إلى الحق.
وكذلك أمير المؤمنين علي ﵁ قد أحدث عليه الخوارج ضجة عظيمة ولم تكن ضجتهم مانعة له من دعوتهم إلى الحق وقتالهم عليه.
وكذلك الإمام أحمد وغيره من أهل السنة قد أحدث عليهم الجهمية وغيرهم من أهل البدع ضجة عظيمة ولم تكن ضجتهم مانعة لأحمد وغيره من بيان الحق والدعوة إليه وتكفير الجهمية وغيرهم ممن يستحق التكفير من أهل البدع.
وكذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وأصحابه قد أحدث عليهم القبوريون وأصناف أهل البدع ضجة عظيمة ولم تكن ضجتهم مانعة للشيخ وأصحابه من بيان الحق والدعوة إليه وإنكار الباطل والتحذير منه وتكفير من يستحق التكفير من القبوريين وأهل البدع.
وكذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأنصاره وأولاده وأحفاده ومن سار على منهاجهم في بيان الحق والدعوة إليه قد أحدث عليهم القبوريون وأصناف أهل البدع ضجة عظيمة ولم تكن ضجتهم مانعة للشيخ وأتباعه من بيان الحق والدعوة إليه وإنكار الباطل والتحذير منه وتكفير من يستحق التكفير من القبوريين وأهل البدع.
وهكذا نقول فيما ذكره الصواف من ضجة أتباع أهل الهيئة الجديدة ومقلديهم من ضعفاء البصيرة أن ضجتهم ليست مانعة من بيان الحق وإنكار الباطل وتكفير من كذب الله وكتابه ورسوله ﷺ.
الوجه الثاني أن يقال ما هذا اللوم يا صواف على بيان الحق وإنكار الباطل. أترضى
[ ٩٠ ]
لنفسك أن تكون من الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. ولو أنك وجهت لومك إلى الذين ينشرون المقالات في تأييد الباطل وأهله لكان خيرًا لك من الجدال بالباطل لإدحاض الحق.
الوجه الثالث أن يقال ما يدريك أن الملايين من المسلمين يعتقدون صحة ما روجه أهل الهيئة الجديدة في استقرار الشمس ودوران الأرض عليها هل أخبروك بذلك عن أنفسهم أو أخبرك الثقاة عنهم، وإذا لم يخبروك فهل أنت مطلع على الغيب وعالم بما يعتقده الناس وإذا لم يكن عندك علم الغيب فلا بد لك من الأمر الثالث وهو اتباع الظن وقد قال النبي ﷺ «الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
الوجه الرابع أن يقال على سبيل الفرض والتقدير إذا كان الملايين من ضعفاء البصيرة قد انخدعوا لما روجه أعداء الله تعالى مما هو مخالف لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ولما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم فهل يكون قبولهم لزخارف أعداء الله تعالى وتأثرهم من بيان الحق ونشره موجبًا لكتمانه ومانعًا من بيانه ونشره. كلا. بل الواجب بيان الحق ونشره ولو صدم الملايين الكثيرة، وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ (فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر) وقال تعالى (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) وقال تعالى (إن عليك إلا البلاغ).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «بلغوا عني ولو آية» رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وفي الصحيحين وغيرهما عن عبادة بن الصامت ﵁ قال «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» فالواجب على ورثة النبي ﷺ أن يبلغوا عنه ويفرقوا بين الحق والباطل ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر سواء رضي الناس بذلك أو سخطوا.
[ ٩١ ]
الوجه الخامس أن يقال إذا كان الملايين من الناس يعتقدون صحة ما قاله أهل الهيئة الجديدة في استقرار الشمس ودوران الأرض عليها فهل يكون اعتقادهم ذلك دليلا على صحته في نفس الأمر حتى يتعين الأخذ به وتلغى لأجل ذلك النصوص الدالة على خلاف ما يعتقدون ويلغي أيضًا إجماع المسلمين على خلاف قولهم. كلا. بل الأخذ بالنصوص وإجماع المسلمين هو المتعين وما خالف ذلك فمضروب به عرض الحائط:
لا عبرة بمخالف لهمُ ولو كانوا عديد الشاء والبعران
وقد كان الجهمية وغيرهم من أهل البدع يعتقدون صحة ما ذهبوا إليه من البدع ولم يكن اعتقادهم ذلك دليلا على صحة مذاهبهم في نفس الأمر.
وهكذا أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم فإن قولهم في استقرار الشمس ودوران الأرض عليها قول باطل واعتقاد مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة فلا يعول عليه بل يرد على قائليه.
الوجه السادس أن يقال ما أكثر المعارضين لأهل الهيئة الجديدة ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من العصريين وعلى هذا فقول الصواف إن مثل هذه الأمور أصبحت عندهم من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان إن أراد أنه لا يجادل فيها أحد من علماء المسلمين فهو كذب واضح لأن كل متمسك بالكتاب والسنة يخالفهم فيما زعموه من استقرار الشمس ودوران الأرض عليها.
وقد ذكرنا إجماع المسلمين على وقوف الأرض وسكونها وإجماع أهل الكتاب على ذلك أيضًا.
وإن أراد أنه لا يجادل فيها أحد من المقلدين لأهل الهيئة الجديدة والمتمسكين بآرائهم وتخرصاتهم فو محتمل ولكن لا عبرة بهؤلاء ولا يعتد بأقوالهم في شيء من المسائل العلمية.
وأيضًا فهؤلاء المخدوعون بزخارف أعداء الله تعالى محجوجون بنصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على خلاف ما ذهبوا إليه كما تقدم إيضاحه.
وكل قول خالف نصًا أو إجماعًا فمضروب به عرض الحائط ومردود على قائله كائنًا من كان وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع
[ ٩٢ ]