المثال العاشر تسميتهم الأرض كوكبًا. ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٣.
وهذا خطأ وضلال. وإنما أطلقوا عليها اسم الكوكب لأنهم زعموا أنها تسير كما تسير الكواكب وتدور على الشمس، وقد تقدم رد هذا وبيان بطلانه في أثناء الكتاب فليراجع.
المثال الحادي عشر زعمهم أن في النجوم الثوابت شموسًا مثل هذه الشمس أو أكبر منها. وذكر الألوسي عنهم في صفحة ٦٨ أن النجوم الثوابت يعد كل واحد منها شمسًا لا يرى توابعها للبعد الشاسع.
وقال محمد رشيد رضا في صفحة ٦٣٧ من الجزء السابع من تفسيره. وإننا نقتبس مما نقل عن علماء الهيئة كلمة في أبعاد بعض النجوم الثوابت التي هي شموس من جنس شمسنا. وقال أيضًا في صفحة ٦٣٨ ومن الاعتبار قول صاحب المقتطف لما انتهى من الكلام على النظام الشمسي ورجح أنه لا يصلح شيء من سياراته لحياة البشر غير الأرض وأنه يحتمل أن تكون سيارات سائر الشموس كذلك وكلها أكبر من هذه الشمس.
والجواب أن يقال هذا كله تخرص ورجم بالغيب. والقرآن يرد هذا الزعم الكاذب وكذلك السنة. قال الله تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا) وقال تعالى (ولقد جعلنا في السماء بروجًا وزيناها للناظرين) قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة البروج هي الكواكب العظام. وقال البغوي هي النجوم الكبار مأخوذ من الظهور يقال تبرجت المرأة أي ظهرت. وقال أيضًا وسميت بروجًا لظهورها.
وقال تعالى مخبرًا عن نوح ﵊ أنه قال لقومه (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقًا. وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا) وقال تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظًا من كل شيطان مارد) وقال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين) وقال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم).
ففي هذه الآيات النص على أن الشمس والقمر في السماء. والنص على أن الله تعالى
[ ١٥٩ ]
جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا ورجومًا للشياطين.
وإذا كان كل من الشمس والقمر والنجوم في السماء فلِمَ ظهرت هذه الشمس وحدها واختفت شموس أهل الهيئة الجديدة مع أنهم يزعمون أن كلا منها أكبر من هذه الشمس. فهذا مما يدل على بطلان قولهم.
وروى الإمام أحمد والشيخان والدارمي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة» الحديث وقد رواه الترمذي مختصرًا وقال هذا حديث صحيح.
وروى مسلم أيضًا من حديث جابر بن عبد الله ﵄ نحوه موقوفًا. ورواه الإمام أحمد مرفوعًا إلى النبي ﷺ وإسناده إسناد مسلم.
وروى الإمام أحمد أيضًا والترمذي والطبراني عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه أيضًا وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وروى الطبراني أيضًا في الأوسط عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. قال الهيثمي وإسناده صحيح وفي هذه الأحاديث دليل على أن أعظم كوكب في السماء لا يبلغ نوره مثل نور القمر فضلا عن ضوء الشمس ولهذا تكون الزمرة الأولى من أهل الجنة على صورة القمر وتكون الزمرة الثانية على أشد كوكب في السماء إضاءة.
ولو كان الأمر على ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة من كون النجوم الثوابت شموسًا مثل هذه الشمس أو أكبر منها لكانت الزمرة الثانية من أهل الجنة أفضل من الزمرة الأولى وأعظم نورًا منهم بكثير. وهذا باطل قطعًا والأحاديث الصحيحة ترده.
وروى الطبراني عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا كان يوم القيامة قامت ثلة من الناس يسدون الأفق نورهم كالشمس فيقال النبي الأمي فيتحشحش لها كل نبي فيقال محمد وأمته ثم تقوم ثلة أخرى تسد ما بين الأفق نورهم مثل كل كوكب في السماء فيقال النبي الأمي فيتحشحش لها كل نبي» الحديث قال الهيثمي رجاله وثقوا.
[ ١٦٠ ]
وفي رواية له أخرى عن أبي أمامة ﵁ قال «تخرج يوم القيامة ثلة غر محجلون فتسد الأفق نورهم مثل نور الشمس فينادي مناد النبي الأمي فيتحشحش لها كل نبي أمي فيقال محمد وأمته فيدخلون الجنة ليس عليهم حساب ولا عذاب ثم تخرج ثلة أخرى غرًا محجلين نورهم مثل نور القمر ليلة البدر فتسد الأفق فينادي مناد النبي الأمي فيتحشحش لها كل نبي أمي فيقال محمد وأمته فيدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم تخرج ثلة أخرى نورهم مثل أعظم كوكب في السماء يسد الأفق نورهم فينادي مناد النبي الأمي فيتحشحش لها كل نبي أمي فيقال محمد وأمته فيدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» الحديث قال الهيثمي رجاله وثقوا على ضعف فيهم.
وهذا الحديث كالأحاديث قبله يدل على أن أعظم الكواكب لا يبلغ نوره مثل نور القمر فضلا عن نور ضوء الشمس.
وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال «لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سواره لطمس ضوءه الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم» وهذا الحديث يدل على أن ضوء الكواكب كلها لا تقاوم ضوء الشمس فضلا عن أن يكون فيها ما هو أكبر من الشمس وأعظم منها ضوءًا بكثير.
وفي هذا الحديث والأحاديث قبله رد على الذين يتخرصون في الكواكب ويدعون فيها بأشياء لا مستند لها سوى الظنون الكاذبة. وقد قال الله تعالى (وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا) ثم قال تعالى (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) وقال تعالى (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).
وأيضًا فإن الله تعالى لم يذكر في كتابه سوى شمس واحدة. وكذلك الرسول ﷺ لم يذكر سوى شمس واحدة، ولو كان هناك شموس غيرها لبينها الله تعالى ورسوله ﷺ. قال الله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء).
وقال أبو ذر ﵁ «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر
[ ١٦١ ]
جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما» رواه ابن جرير.
ومن هذا القبيل من التخرص والرجم بالغيب زعمهم أن الأقمار عشرون قمرًا واحد منها للأرض واثنان للمريخ وأربعة للمشتري وثمانية لزحل وأربعة لأورانوس وواحد لنبتون. ذكر ذلك محمد فريد وجدي في كتابه دائرة المعارف.
وهذا قول باطل مردود بقول الله تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا).
فذكر تعالى أنه جعل في السماء بروجًا وهي الكواكب الكبار من السيارات وغير السيارات وأنه جعل فيها سراجًا وهو الشمس وقمرًا منيرًا وهو القمر المعروف.
وفي هذه الآية دليل على أنه ليس في السماء سوى شمس واحدة وقمر واحد، ولو كان فيها شموس وأقمار سوى هذه الشمس وهذا القمر لذكرها الله تعالى في كتابه، قال الله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء).
وأيضًا فقد قال الله تعالى مخبرًا عن نوح ﵊ أنه قال لقومه (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقًا. وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا).
وفي هاتين الآيتين أوضح دليل على أنه ليس في السموات السبع سوى شمس واحدة وقمر واحد.
وفيهما أبلغ رد على ما يهذو به طواغيت الإفرنج من الشموس والأقمار التي لا وجود لها.
وأيضًا فقد قال الله تعالى (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) الآية.
فذكر تعالى أنه خلق الشمس والقمر والنجوم وسخرها بأمره. وفي هذا أوضح دليل على أنه ليس في السماء سوى شمس واحدة وقمر واحد وما سواهما من اللامعات فكلها نجوم.
وأيضًا فقد قال الله تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون).
[ ١٦٢ ]
فذكر تعالى أن الليل والنهار والشمس والقمر آيات من آياته الدالة على كمال قدرته وعظيم شأنه وأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له دون من سواه. وفي هذه الآية دليل على أنه ليس في الوجود سوى شمس واحدة وقمر واحد، ولو كان فيه شموس وأقمار سوى هذه الشموس وهذا القمر لذكرها الله تعالى مع هذه الآيات العظام.
وأيضًا فقد قال الله تعالى (فالق الإصباح وجعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون).
فذكر تعالى في الآية الأولى الليل والنهار والشمس والقمر وذكر في الآية الثانية النجوم وهي ما عدا الشمس والقمر من الأجرام السماوية. وهذه النجوم التي نص الله عليها في كتابه وذكر أنه جعلها لعباده ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر هي التي يزعم طواغيت الإفرنج أن منها شموسًا أكبر من هذه الشمس بكثير وأن منها أقمارًا سوى هذا القمر، وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد عليهم.
وأيضًا فقد قال الله تعالى (فإذا برق البصر. وخسف القمر. وجمع الشمس والقمر. يقول الإنسان يومئذ أين المفر).
فذكر ﵎ أن القمر يخسف يوم القيامة وأنه يجمع بينه وبين الشمس. وفي الحديث الصحيح أنهما يكوران يوم القيامة وأنهما ثوران في النار عقيران رواه البخاري والبزار من حديث أبي هريرة ﵁ وتقدم ذكره قريبًا.
وفي هذا دليل على أنه ليس في السماء سوى شمس واحدة وقمر واحد ولو كان في السماء شموس وأقمار متعددة كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لقال وجمعت الشموس والأقمار. ولقال النبي ﷺ الشموس والأقمار مكورات يوم القيامة وإنها ثيران عقيرة في النار.
وأيضًا فقد قال الله تعالى (إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت) فذكر ﵎ الشمس بلفظ المفرد لأنها واحدة وذكر النجوم بلفظ الجمع لأنها متعددة ولو كان في السماء شموس متعددة لذكرها بلفظ الجمع كما ذكر النجوم بلفظ الجمع في الآية التي ذكرنا وفي آيات كثيرة سواها.
[ ١٦٣ ]
وأيضًا فقد قال الله تعالى (والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها) فذكر كلا من الشمس والقمر بلفظ المفرد لأن كلا منهما مفرد لا نظير له. ولو كان في السماء شموس وأقمار متعددة لذكرها بلفظ الجمع.
وأيضًا فقد قال الله تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) الآية فذكر ﵎ كلا من الشمس والقمر بلفظ المفرد لاتحاد كل منهما. ولو كان في الوجود شموس وأقمار متعددة لذكرها بلفظ الجمع.
وأيضًا فقد قال الله تعالى (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب) الآية. فذكر ﵎ الشمس والقمر بلفظ المفرد لأن كلا منهما لا نظير له وذكر ما سواها بلفظ الجمع لأن كل جنس منها متعدد.
والآيات الدالة على بطلان قول أهل الهيئة الجديدة في تعدد الشموس والأقمار أكثر مما ذكرنا. وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله هدايته.
وقد جاء عن النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة أنه قال «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته» فذكر كلا من الشمس والقمر بلفظ المفرد لأنه لا نظير لواحد منهما. ولو كان هناك شموس وأقمار متعددة لعبر عنها بلفظ الجمع.
والأحاديث التي ذكرت فيها الشمس أو القمر بلفظ المفرد كثيرة جدًا وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله هدايته.
المثال الثاني عشر زعمهم أن صغار الكواكب الثوابت أعظم من الأرض ذكره الألوسي عنهم في صفحة ١٢٢.
وهذا من جنس ما قبله من التخرص والرجم بالغيب، وقد قدمنا ذكر الآيات والآثار الدالة على تكوير الشمس والقمر والنجوم في البحر يوم القيامة. وهذا يدل على أن الأرض أعظم من الشمس والقمر وسائر الكواكب. وقد تقدم إيراد ذلك قريبًا بما أغنى عن إعادته.
[ ١٦٤ ]
المثال الثالث عشر هذيانهم في بعد النجوم الثوابت عن الأرض. قال الألوسي في صفحة ٦٨ والنجوم الثوابت ليست من النظام الشمسي بل هي أنظمة مستقلة ترى منها شمسنا كما ترى هي من عندنا أي نقطًا لامعة نيرة في القبة الزرقاء. وذكر محمد رشيد رضا في تفسيره سورة الأنعام عن أهل الهيئة الجديدة أن النسر الطائر يبعد عن الأرض سبعة وثمانين ألف ألف ألف ألف ميل يعني قريبًا من أحد عشر ألف ألف ألف سنة. وأن النسر الواقع يبعد عن الأرض مائة وثمانين ألف ألف ألف ألف ميل يعني قريبًا من إحدى وعشرين ألف ألف ألف ألف سنة. وأن السماك الرامح يبعد عن الأرض ثلثمائة ألف ألف ألف ألفا ميل يعني قريبًا من خمسة وثلاثين ألف ألف ألف ألف سنة. قال وأول من قاس أبعاد النجوم بالضبط الفلكي (ستروف) فإنه قاس بُعد النسر الواقع سنة ١٨٣٥ إلى سنة ١٨٣٨ ميلادية فجاءت نتيجة قياسه مطابقة لنتيجة القياسات الحديثة مع أن الفلكيين يستخدمون الآن من الوسائل ما لم يكن معروفًا في عصره انتهى.
قلت وهذا كله باطل وضلال وهذيان يشبه هذيان المجانين والدليل على بطلانه قول الله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين) الآية. وقوله تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد). وقوله تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) وقوله تعالى (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) وقوله تعالى (ولقد جعلنا في السماء بروجًا وزيناها للناظرين) وقوله تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا) والبروج هي الكواكب العظام.
فدلت هذه الآيات بالنص على أن الكواكب كلها قد جعلت زينة للسماء. ودلت الآيات الثلاث الأول على أنها قد جعلت زينة للسماء الدنيا.
والنسر الطائر والنسر الواقع والسماك الرامح والسماك الأعزل من جملة الكواكب التي قد جعلت زينة للسماء الدنيا.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» رواه عن النبي ﷺ أربعة من الصحابة وهم عبد الله بن عمرو وأبو هريرة والعباس وأبو سعيد ﵃. وروي أيضًا عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا
[ ١٦٥ ]
وله حكم الرفع كنظائره، وقد تقدمت هذه الأحاديث مع الأدلة على سكون الأرض وثباتها فلتراجع.
وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «ويل للأمراء ويل للأمناء ويل للعرفاء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملا» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية لأحمد والحاكم أن رسول الله ﷺ قال «ليوشكن رجل أن يتمنى أنه خر من الثريا ولم يل من أمر الناس شيئًا» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي هذا الحديث دليل على أن النجوم الثوابت في السماء الدنيا فإن الثريا من جملة الثوابت ولو علق فيها شيء كان متدليًا بين السماء والأرض ولو خر منها شيء خر على الأرض.
وفي هذا الحديث مع ما تقدم من الآيات والأحاديث أبلغ رد على ما يهذو به طواغيت الإفرنج في أبعاد النجوم الثوابت وقد قال الله تعالى (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) وقال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) وقال تعالى (قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي) وقال تعالى (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى).
ومما ذكرنا من الآيات والأحاديث يعلم أنه ليس بيننا وبين النجوم الثوابت إلا مسيرة خمسمائة سنة. وأين هذه المسافة مما يهذو به طواغيت الإفرنج من ملايين الملايين من السنين.
وقد قال بعض السلف إن ارتفاع العرش عن الأرض السابعة خمسون ألف سنة، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄، ولو كان الأمر في النجوم الثوابت على ما يزعمه طواغيت الإفرنج ومن يصدقهم ويحذو حذوهم من جهال المسلمين لكانت الثوابت فوق العرش. وهذا من أبطل الباطل فإنه ليس فوق العرش شيء سوى الله
[ ١٦٦ ]
﵎.
وأما قولهم إن هذه الشمس ترى من الثوابت نقطة لامعة كما ترى الثوابت من عندنا نقطًا لامعة، فهو من جنس ما قبله من الهذيان والتخرص، ومن هو الذي ذهب إلى النجوم الثوابت فرأى الشمس منها نقطة لامعة، وإذا كان الذهاب إليها ليس في مقدرة أحد من البشر فهل كان عندهم خبر ثابت عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ بذلك، وإذا كان ذلك معدومًا فليس لهم دليل سوى آرائهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة وتوهماتهم الخاطئة، وقد قدمنا من الآيات والأحاديث ما يكفي في ردها والنداء على بطلانها.
المثال الرابع عشر هذيانهم في وصول نور الشمس والكواكب إلينا. فأما الشمس فزعموا أن نورها يصل إلينا في مدة ثمان دقائق وثلاث عشرة ثانية. ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٣٤. وأما الكواكب الثوابت فزعموا أن منها ما لا يصل نوره إلى الأرض في مائة سنة بل أكثر مع شدة سرعة الضوء. ذكره الألوسي أيضًا في صفحة ٣٤. وقال محمد رشيد رضا في صفحة ٦٣٧ من الجزء السابع من تفسيره وقد وجد بالرصد أن أقرب النجوم منا لا يصل نوره إلينا إلا في أربع سنوات ونحو نصف سنة ومن النجوم ما لا يصل النور منه إلينا إلا في ألف سنة أو أكثر فالنجم المسمى بالنسر الطائر يصل النور منه إلينا في أربع عشرة سنة ونصف سنة. والنجم المسمى بالنسر الواقع يصل النور منه إلينا في نحو ثلاثين سنة، والنجم المسمى بالسماك الرامح يصل النور منه إلينا في نحو خمسين سنة.
قلت هذه الأقوال كلها تخرصات وظنون كاذبة. وقد رأينا نور الشمس ينتشر على ما قابله من حين يبدو طرف قرصها علينا إذا لم يكن هناك حائل من غيم أو قتر. وكذلك النسر الطائر والنسر الواقع والسماك الرامح وغيرها من الكواكب النيرة كلها يرى نورها من حين تبدو من الأفق إذا لم يكن هناك حائل يمنع من رؤيتها. وهذه الكواكب من زينة السماء الدنيا كما نص الله على ذلك في كتابه. فالتفريق بين أبعادها ووصول نورها إلى الأرض تفريق بين أشياء متماثلة وذلك باطل مردود.
[ ١٦٧ ]
المثال الخامس عشر قال الألوسي في صفحة ٩٤ وذهب المتأخرون من الفلاسفة إلى أن العالم كله كان قطعة واحدة فأصابته صدمة فتفرق إلى ما يرى من الأجرام وكثر منهم في ذلك القيل والقال.
قلت وهذا من نمط ما قبله من الهذيان الذي يشبه هذيان المجانين، وهل يكون في إمكان الصدمة أن تضع الأرض والسموات والشمس والقمر والنجوم على هذا الوضع العجيب وأن تنسقها هذا التنسيق المحكم الذي لا يقدر عليه إلا الله الذي يقول للشيء كن فيكون. فهو الذي خلقها ورتبها على هذا الترتيب الباهر الذي هو الغاية في الإتقان. قال الله تعالى (صنع الله الذي أتقن كل شيء).
فالأجرام السفلية والأجرام العلوية لم تصب بصدمة أبدًا كما يزعمه أعداء الله تعالى وإنما قيل لها كوني فكانت كما أراد فاطرها وموجدها من العدم لا إله إلا هو ولا رب سواه (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون).
وقد قال الله تعالى (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم).
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض فقال ﷺ «خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) لمن سأله قال وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة».
[ ١٦٨ ]
وروى ابن جرير أيضًا عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه قال «إن الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والاثنين وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء وخلق السموات في الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على عجل فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة».
وروى ابن جرير أيضًا من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات).
قال إن الله ﵎ كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين وخلق الجبال فيه وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء وذلك حين يقول (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها) يقول أنبت شجرها (وقدر فيها أقواتها) يقول أقواتها لأهلها (في أربعة أيام سواء للسائلين) يقول قل لمن يسألك هكذا الأمر (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض (وأوحى في كل سماء أمرها) قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه غيره ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظًا تحفظ من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش فذلك حين يقول (خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) ويقول (كانت رتقًا ففتقناهما)».
وقال البغوي في تفسيره عند قوله تعالى (وأوحى في كل سماء أمرها) قال قتادة والسدي يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها، وقال مقاتل وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي وذلك يوم الخميس والجمعة وانتهى.
[ ١٦٩ ]
وفي الآيات التي ذكرنا مع حديث ابن عباس ﵄ وما ذكر بعده من الآثار عن الصحابة والتابعين دليل على أن كل شيء من العالم قد خلق على حدته وأن الأرض خلقت قبل السماء وما فيها من الشمس والقمر والنجوم. بل في حديث ابن عباس ﵄ أن الشمس والقمر والنجوم خلقت يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة التي خلق الله فيها الخليقة.
وفي هذا أبلغ رد على ما زعمه أعداء الله من أن العالم كله كان قطعة واحدة فأصابته صدمة فتفرق إلى ما يرى من الأجرام.
المثال السادس عشر زعمهم أن الأجرام العلوية ممسكة بالجاذبية. ذكره الألوسي عنهم في مواضع كثيرة من كتابه وهذا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة. وما لم يكن عليه دليل فليس عليه تعويل. وقد قال الله تعالى (وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا) وقال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا).
المثال السابع عشر زعمهم أن في القمر جبالا ووهادا وأودية وهكذا الشمس وسائر السيارات وظنوا أن فيها مخلوقات نحو سكنة الأرض وزعموا أن فيها بحارًا وأنهارًا.
ذكره الألوسي عنهم في صفحة ١٠١ و١٠٢ و١٢٩.
وهذا من التخرص والرجم بالغيب. وقد تقدم التنبيه على ذلك مع الأمثلة على نقصان كتاب الألوسي فليراجع.
المثال الثامن عشر ما في تخرصاتهم في الشمس والقمر من التناقض والتخبيط. فمن ذلك أنهم قالوا إن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلًا وأنها مركز العالم وأن الأرض وكذا سائر السيارات والثوابت تتحرك عليها ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٢٣، ٢٩ ثم نقضوا قولهم هذا فزعموا أن للشمس حركة على نفسها. ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٣٣ و٦٦، ثم نقضوا ذلك فزعموا أن للشمس حركة على كوكب من كواكب الثريا. وجوزوا أن يكون لذلك الكوكب حركة على كوكب آخر أبعد منه وهكذا إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى. ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٣٤ و١١٩ و١٢٩. ثم نقضوا ذلك فزعموا أن النجوم الثوابت أنظمة مستقلة. ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٦٨.
[ ١٧٠ ]
قلت أما قولهم إن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وأنها مركز العالم فهو مردود بما تقدم في أول الكتاب من النصوص الدالة على جريانها ودورانها على الأرض.
وأما قولهم إن الأرض تتحرك على الشمس فهو مردود بما تقدم في أول الكتاب من الأدلة الكثيرة على سكون الأرض وثباتها وأما قولهم إن للشمس حركة على نفسها أو على كوكب من كواكب الثريا فقد تقدم التنبيه على بطلانه مع الأمثلة على نقصان كتاب الألوسي.
وأما قولهم إن النجوم الثوابت أنظمة مستقلة فمعناه أن كل واحد منها يعد مركزًا ثابتًا كالأرض وله توابع من النجوم تدور عليه كما تدور الشمس والقمر والنجوم على الأرض. وقد ذكر الألوسي في صفحة ٦٨ عن أهل الهيئة الجديدة أنهم قالوا في النجوم الثوابت إن كل واحد منها يعد شمسًا لا يرى توابعها للبعد الشاسع.
قلت وإنما قالوا يعد شمسًا لأن عندهم أن الشمس هي المركز الثابت الذي تدور عليه الأرض والسيارات من النجوم. بخلاف ما عليه المسلمون من القول بثبات الأرض وأنها هي المركز التي تدور عليه الشمس والقمر والنجوم.
وقد ذكرت في المثال الثالث عشر نموذجا من هذيان أهل الهيئة الجديدة في بعد النجوم الثوابت عن الأرض واختلاف بعضها عن بعض في البعد وذكرت الأدلة على بطلان قولهم وفيها النص على أن الكواكب كلها من زينة السماء الدنيا. وإذا كانت النجوم الثوابت من زينة السماء الدنيا فليس لشيء منها نظام يتبعه ويدور عليه لأنها لو كانت لها توابع تدور عليها لكانت توابعها تخترق السماء في حال دورانها وهذا باطل.
وإنما قالوا بدوران الشمس على الثريا وأن النجوم الثوابت لكل واحد منها نظام يتبعه ويدور عليه لأنهم يرون أن سعة الجو غير متناهية وأنه ليس فوقنا سموات مبنية شداد. وقد تقدم رد هذا في المثال الثالث والمثال الرابع.
وقد قال الله تعالى (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) وقال تعالى (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) وفي هاتين الآيتين إشارة إلى أن الشمس والقمر والنجوم كلها تجري وتدور
[ ١٧١ ]
على الأرض لقيام مصالح العباد ومعايشهم ولهذا امتن الله ﵎ عليهم بذلك في هذه الآية الأخيرة وفي قوله تعالى (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار) وقوله تعالى (فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون).
قال قتادة خلق الله النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به ذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به ووصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم وغيرهما وإذا علم هذا فالنجوم الثوابت كلها في فلك واحد تدور فيه جميعا على ترتيب واحد لا يتقدم شيء منها عن موضعه ولا يتأخر عنه كما هو مشاهد.
وقد قرر ذلك الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي وذكر أنه لا خلاف بين العلماء في ذلك - ونقله عنه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى - ومن تناقضهم أيضا أنهم شكلوا للنظام الشمسي شكلا في وسطه الشمس ثم عطارد وبعده الزهرة ثم الأرض ثم القمر ثم المريخ إلى آخر ما زعموه من السيارات. ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٦٧. ثم نقضوا ذلك فزعموا أن القمر من سيارات السيارات وليس من السيارات. ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٣٤ وقد تقدم الكلام على هذا التناقض في المثال الثامن فليراجع.
المثال التاسع عشر زعمهم أن الأرض جرم من الأجرام السماوية ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٦٧.
وعلى هذا الزعم الكاذب والرأي الفاسد اعتمد كثير من جهال المسلمين فكانوا لذلك يسمون الأرض الكوكب الأرضي.
ولازم هذا القول أن تكون الأرض من جملة الزينة التي زين الله بها السماء الدنيا وجعلها رجوما للشياطين. وهذا من أبطل الباطل. وكيف تكون الأرض جرما من الأجرام السماوية وبينها وبين السماء مسيرة خمسمائة عام. هذا لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل.
[ ١٧٢ ]