أحد المتناقضين كذب الآخر ولا يمكن صدقهما معًا ولا كذبهما معًا. فإذا تقرر هذا فنقول إذا ثبت للأرض السكون انتفى عنها عدم السكون وهو مساوٍ للحركة وهو خبر الله تعالى. وإن ثبت للأرض الحركة انتفى عنها عدم الحركة وهو مساوٍ للسكون لأنه يلزم لزومًا بينا من انتفاء النقيض انتفاء المساوي له. وهذا الشق الأخير باطل قطعًا ومعتقده كافر كما تقدم انتهى كلام الكافي.
فصل
وقد استدل بعض العصريين على ما زعموه من حركة الأرض ودورانها على الشمس بقول الله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) الآية. وهذا من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه لأن الآية إنما سيقت في ذكر ما يكون يوم القيامة. وقد بين الله ذلك بقوله (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين) ثم قال تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون. من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون).
فدلت هذه الآية على أن مرور الجبال مثل مر السحاب إنما يكون يوم القيامة لا في الدنيا. وقد أوضح الله ذلك في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدًا) وقوله تعالى (إن عذاب ربك لواقع. ماله من دافع. يوم تمور السماء مورًا. وتسير الجبال سيرًا. فويل يومئذ للمكذبين) قوله تعالى (إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت) الآيات إلى قوله تعالى (علمت نفس ما أحضرت). وقوله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفًا. فيذرها قاعًا صفصفًا. لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا. يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا. يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا) وقوله تعالى (فإذا
[ ٦٨ ]
النجوم طمست. وإذا السماء فرجت. وإذا الجبال نسفت. وإذا الرسل أقتت. لأي يوم أجلت. ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل. ويل يومئذ للمكذبين) وقوله تعالى (القارعة ما القارعة. وما أدراك ما القارعة. يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. وتكون الجبال كالعهن المنفوش) وقوله تعالى (إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة. خافضة رافعة. إذا رجت الأرض رجًا. وبست الجبال بسًا. فكانت هباء منبثًا. وكنتم أزواجًا ثلاثة) وقوله تعالى (إن يوم الفصل كان ميقاتًا. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا. وفتحت السماء فكانت أبوابًا. وسيرت الجبال فكانت سرابًا) فدلت هذه الآيات مع الآيات من سورة النمل على أن زوال الجبال من أماكنها ومرورها مثل مر السحاب وذهابها بعد ذلك بالكلية إنما يكون يوم القيامة لا في الدنيا.
وبعد تحرير هذا الموضع رأيت فيه كلامًا حسنًا لعالمين فاضلين أحدهما الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي. والآخر الشيخ محمد الحامد خطيب جامع السلطان بحماة رد كل منهما على من قال أن الآية من سورة النمل تدل على دوران الأرض وحركتها، وقد رأيت أن أسوق كلامهما ههنا لما فيه من بيان الحق ورد الباطل.
فأما الشيخ محمد بن يوسف الكافي فقال في كتابه «المسائل الكافية. في بيان وجوب صدق خبر رب البرية» ما نصه:
(المسألة الثالثة والعشرون) أقول رأيت في كلام بعضهم الاستدلال على حركة الأرض بقوله ﷾ (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) واغتر بكلامه كثير ممن لا اطلاع لهم وهو جهل منه بزمن مرورها مر السحاب. وذلك أن زمن مرورها مر السحاب وبسها حتى تكون كالهباء وتسييرها حتى تكون كالسراب هو زمن خراب العالم وزمن قيام الساعة. ولكن من لم يخش ربه يفسر القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.
قال حبر هذه الأمة في تفسير قوله تعالى (وترى الجبال) يا محمد في النفخة الأولى (تحسبها جامدة) ساكنة مستقرة (وهي تمر مر السحاب) في الهواء.
وقال في تفسير قوله تعالى (إذا رجت الأرض رجًا) إذا زلزلت الأرض زلزلة حتى ينطمس كل بنيان وجبل عليها فيعود فيها (وبست الجبال بسًا) سيرت الجبال على
[ ٦٩ ]
وجه الأرض كسير السحاب. ويقال قلعت قلعًا. ويقال جثت جثًا. ويقال فتت فتا تبس كما يبس السويق أو علف البعير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﵄ في قوله (إذا رجت الأرض رجًا) قال زلزلت (وبست الجبال بسًا) قال فتت (فكانت هباء منبثًا) قال كشعاع الشمس انتهى. وأما الشيخ محمد الحامد فقال في كتابه المسمى «ردود على أباطيل وتمحيصات لحقائق دينية» بعد كلام سبق ما نصه أننا حين ننظر في الآية الكريمة التي ذكر الله فيها الأرض والشمس والقمر والنجوم نخرج بالفهم الصحيح الذي فهمه النبي الكريم وأصحابه صلوات الله تعالى وتسليماته عليه وعليهم أجمعين، ومعاذ الله أن يفهموا خطأ ويفهم غيرهم صوابًا. لكن قد اقتحم بعض الجرءآء على الله هذه اللجة فزعم أن قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) يدل على دوران الأرض وحركتها وهو استدلال غير صحيح وتفسير غير مقبول. وإليك البيان.
أن الاستدلال بهذه الآية الكريمة على حركة الأرض متوقف على أن لا يكون سباق وسياق يفيدان غير ما يفهم المستدل. ومتوقف أيضًا على أن لا يوجد نص آخر يعترض. وكلا الأمرين موجود ههنا فالاستدلال إذا غير سليم والنظر ليس بسديد.
أما الأول فإن السباق - وهو أول الكلام - والسياق - وهو آخره - يفيدان أن مرور الجبال مر السحاب إنما يكون يوم القيامة إذ أن الآية واردة في وصفه قال الله تعالى (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين. وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون. من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون. ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون).
فالآيات في القيامة كما هو ظاهر لا في هذه الدنيا، وكم في الآي من سباق وسياق يتعين بهما معنى لا يمكن المحيد عنه على أن الله تعالى ذكر سير الجبال يوم القيامة في غير موضع من كتابه الكريم فقال سبحانه في سورة الكهف الشريفة (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدًا) وقال تعالى في سورة التكوير (وإذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت)
[ ٧٠ ]
الآيات الكريمات، وبهذا البيان يبطل الاستشهاد بالآية على حركة الأرض.
وأما الثاني وهو أن لا يوجد نص معترض. فإنا لو نظرنا إلى الفكرة من حيث هي نظرًا شرعيًا صرفًا لما استطعنا إلا المصير إلى ما تقرره النصوص القرآنية المانعة منها.
إن القرآن قائل بثبات الأرض. وما أصرح قوله سبحانه (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) وقوله في مكان آخر (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) والميد هو التحرك كما تدل عليه نصوص اللغة.
وقال الله تعالى (ألم نجعل الأرض مهادًا. والجبال أوتادًا) هؤلاء الآيات يدللن دلالة واضحة على تثبيت الله الأرض بالجبال لئلا تتحرك.
والقول بأن تثبيتها بالجبال لا ينافي حركتها كالسفينة المثقلة بما يحفظ عليها توازنها مع سيرها في اللجة فيه من التكلف البارد ما يأباه الذوق الإسلامي وترفضه البلاغة القرآنية إذ هو دخول في مأزق من التأويل يصرف النص عن المتبادر منه من غير حاجة تدعو إليه فهو في الحقيقة تلاعب لا تأويل يقوم على أسس صحيحة.
هذا وكما قرر القرآن ثبات الأرض قرر حركة الشمس والقمر وجريانهما حولها قال الله تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) والتنوين في «كل» تنوين عوض أي كل منهما الشمس والقمر ولا ذكر للأرض.
وقال الله ﵎ (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون).
فقد أثبت للشمس جريانا وهو الحركة الانتقالية. أما الحركة الرحوية - أي المحورية على حد تعبير الفلكيين - فلا تسمى جريانًا في لغة العرب بل دورانًا. والنص ناطق بالجريان ثم قال الشيخ محمد الحامد.
ويتضح من مجموع ما ذكرنا في هذا الفصل أن البرهان العلمي لا يساعد على القول بحركة الأرض بل هو معين لثباتها وأن الحركة للشمس والقمر. وأن حمل بعض الآيات الشريفة على غير ما تدل مجموعة النصوص عليه مما هو يعد موضع أخذ ورد عند الفلكيين أنفسهم فيه من الجراءة على القول في القرآن بغير علم ما لا يخفى وقد قال
[ ٧١ ]
سيدنا رسول الله صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».
ولما سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن معنى الأب في قوله ﵎ (وفاكهة وأبا) لم يرد وجعل يقول «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي» وكذلك يجب أن يكون المسلم هيابا لله تعالى وقافا عند حدوده سبحانه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فصل
ومن أغرب الاستدلال على حركة الأرض وسيرها بل من أقبح التهور والجراءة على القول في كتاب الله بغير علم ما نقله الشيخ محمد بن يوسف الكافي عن محمد بخيت المطيعي الذي كان مفتيا لمصر فيما سبق.
وقد تعقبه الشيخ الكافي ورد عليه ردا وافيا كافيا. وأنا أذكر ههنا كلام المطيعي والرد عليه. وقد زدت في بعض المواضع منه زيادات صدرتها بكلمة «قلت» ليعلم أنها ليست من كلام الكافي والله الموفق.
قال الشيخ الكافي في كتابه «المسائل الكافيّة. في بيان وجوب صدق خبر رب البرية».
(المسألة الخامسة والسبعون) اتصل بيدي منذ خمسة أيام رسالة تسمى «تنبيه العقول الإنسانية. لما في آيات القرآن من العلوم الكونية والعمرانية» تأليف محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقا. اخترع فيها علوما لم يسبق بمثلها وادعى أن القرآن العظيم يدل على ما اخترعه. ولمز من تقدمه من عصر النبوة إلى قبل عصره بالقصور والجهل وتقليد علماء اليونان في سكون الأرض. فأردت تتبع بعض ما اخترعه فإن وجدت القرآن العظيم يدل عليه تصريحا أو تلويحا قبلته وكرامة. وإن وجدته أخذه من علوم الغربيين والقرآن بريء منه رددته ولا ندامة. ويوم القيامة يفصل بينه وبين من لمزهم وهم برءاء.
وفي صحيح الأخبار «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار».
[ ٧٢ ]
ثم إني أذكر المبحث الذي يتكلم فيه بتمامه ثم أكر عليه نقضًا والله المعين لي على ذلك.
ثم قال الشيخ الكافي.
(المسألة السادسة والسبعون) قال المفتي.
(دوران الأرض وأخذه من القرآن) قال تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشا) وقال (أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا) وقال (جعل لكم الأرض مهدا) وقال (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا) وقال في سورة الأنبياء (كل في فلك يسبحون) وفي سورة يس (وكل في فلك يسبحون) وقال (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء).
وكل هذه الآيات تدل بظاهرها على أن الأرض متحركة ودائرة كما هو قول فيثاغورس قديما وقول علماء الهيئة اليوم. وذلك أنه ثبت بالمشاهدات الصحيحة أن الأرض على شكل كرة مفرطحة نحو قطبيها منتفخة عند خط الاستواء. وقد أطبق المحققون من المفسرين وجميع علماء الكلام وفلاسفة الإسلام على أن الأرض كرة وعدوا إنكار ذلك مكابرة فمن أقام الدليل على خلاف ذلك فقد أراد التشكيك في اليقينيات وكابر نفسه وأنكر حسه فلا يعول عليه ولا يلتفت إليه. فكان انتفاخها نحو خط الاستواء وتفرطحها نحو القطبين دليلا حسيا يدل على أن الأرض كانت سائلة في مبدأ خلقها وأنها متحركة بحركة رحوية ودائرة على محورها وذلك لأن الكرة إذا كانت صلبة كالتي من العاج مثلا لا يتغير شكلها ولو دارت على محورها قرونا كثيرة. وأما إذا كانت سائلة أو عجينة انتفخت نحو وسطها وتفرطحت نحو قطبيها وبذلك جمدت قشرتها أيضا وبردت ولو كانت ساكنة لبقيت جرما غازيا سائلا فلا تصلح لأن تكون فراشا ولا مهدا ولا ذلولا فثبت بذلك حركتها على محورها التي بها يتعاقب الليل والنهار.
وأما حركتها حول الشمس فسببها أن الشمس أكبر جرما من الأرض أضعافا مضاعفة وكلما كان الجرم أكبر كان أكثر وأقوى جاذبية من الأصغر. فالشمس هي التي تجذب الأرض إليها من كل الجوانب لما تقرر على وجه ما ذكر في علم رفع الأثقال بالتجربة العلمية الصحيحة وبذلك تبين أن هذه الآيات بظاهرها تدل على أن الأرض ليست
[ ٧٣ ]
منقادة إلى حركة رحوية بها تدور على محورها ويتكون منها تعاقب الليل والنهار فقط بل تتحرك أيضا حركة أخرى حول الشمس تتكون منها السنة وفصولها. وأما قوله تعالى (كل في فلك يسبحون) فوجه دلالته أن القاعدة العربية في الضمير الذي يعود على المضاف إليه الذي ناب عنه التنوين في لفظ كل أنه يجوز فيه الإفراد والتثنية إن كان مرجع الحقيقي مثنى فالتثنية لمراعاة المعنى والإفراد لمراعاة اللفظ وقد جاء الضمير في قوله (يسبحون) جمعا فكان مرجعه جمعا وعلى هذا اتفق المفسرون غير أنهم أولوا ذلك بتآويل شتى ما دعاهم لارتكابها إلا اعتقاد ما قاله البطليموسية من اليونان من أن الأرض ساكنة مع أنه لم يقم دليل على سكون الأرض بل الدليل قائم على دورانها فلا داعي للتأويل بل يجب أن تبقى الآيتان على ظاهرهما ويعود الضمير على الأجرام الثلاثة التي هي الأرض والشمس والقمر. وممن استدل على دوران الأرض في تفسيره بهاتين الآيتين وبقوله تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشا) ونظائرها من الآيات صاحب كشف الأسرار النورانية القرآنية.
وأما قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة) الآية فوجه دلالتها على دوران الأرض أن معناها أنا نرى الجبال نظنها بحسب ما يتراآى لنا ساكنة وهي في الواقع ونفس الأمر تمر مر السحاب وتسير سيرا حثيثا وما ذلك إلا لأن الأرض متحركة بحركة سريعة جدا والجبال تسير وتتحرك تبعا لها لأنه لا جائز أن تكون الجبال متحركة هذه الحركة وحدها والأرض ساكنة لأنه لو كان الأمر كذلك لانفصلت الجبال عن الأرض وهو خلاف المشاهد فتبين أن حركتها إذًا هي بالتبعية لحركة الأرض ولا جائز أن يكون ما نراه على الوجه الذي جاءت به الآية وقت النفخة الأولى أو النفخة الثانية كما قيل بذلك لأنه في كل الوقتين لا يكون هناك بقاء ولا وجود للجبال على الأرض على الوجه الذي يلائمه قوله تعالى في الآية (صنع الله الذي أتقن كل شيء) لأن يوم النفختين هو اليوم الذي ترجف فيه الجبال وتكون كثيبا مهيلا وهو اليوم الذي ينسف الله فيه الجبال نسفا. فيذرها قاعا صفصفا. لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. وهو اليوم الذي تكون فيه الجبال كالعهن المنفوش والناس كالفراش المبثوث. إلى غير ذلك من الأحوال والأهوال التي لا تناسب أن يقال ويخاطب كل من يصح منه الرؤية (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء) لأن مثل هذا القول إنما
[ ٧٤ ]
يقال لحض الناس المخاطبين على النظر في ذلك الصنع المتقن والتفكير فيما اشتمل عليه من الحكم ليزدادوا إيمانًا ويقينا وليس يوم النفختين صالحا لمثل هذا.
إذا علمت كل ما قلناه في خلق السموات والأرض تعلم أن العاقل المنصف إذا نظر في هذه اللطائف التي اشتملت عليها تلك الآيات القرآنية وما دلت عليه من تدبير الصانع الحكيم نظر منصف مجردا عن التعصب علم علما يقينا واعتقد اعتقادا جازما أن القرآن قد اشتمل على كثير من مباحث العلوم العمرانية والكونية وأن كل ما قيل غير ذلك فرية بلا مرية كيف وقد دلت على أن الله تعالى حكيم مقتدر عليم حيث جعل الأرض كرة دائرة لتكون فراشا ومهدا وذلولا أ. هـ.
قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي.
(المسألة السابعة والسبعون).
(قوله) دوران الأرض وأخذه من القرآن.
(لا يصح) كما تقف عليه إن شاء الله تعالى.
(قوله) قال الله تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشا) إلى قوله وكل هذه الآيات تدل بظاهرها على أن الأرض متحركة ودائرة.
(لا يصح) لأن الآيات تدل دلالة صريحة على أن الأرض ثابتة غير دائرة ليتم الاستقرار عليها وتثبت عليها أرجل الحيوانات وتكون مهدا وفراشا وبساطا وذلولا وقرارا إذا كانت ثابتة غير متحركة وأما إذا كانت متحركة وحركتها في السرعة كحركة السحاب الذي تذروه الرياح فلا عاقل يقول إنها بهذه الصفة تكون مهدا وقرارا إلى آخر ما ذكر ثم ذكر الكافي كلام الرازي على قول الله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) وقد تقدم ذكره قريبا في أول ما نقلنا من كلام الكافي فليراجع.
وتقدم أيضا الاستدلال بالآيات من سورة البقرة وسورة النمل وسورة الزخرف وسورة الملك على ثبات الأرض واستقرارها والاستدلال بالآيتين من سورة الأنبياء وسورة يس على جريان الشمس في الفلك وكلام المفسرين في ذلك فليراجع فالعمدة عليه لا على كلام الملحدين في آيات الله تعالى المحرفين للكلم عن مواضعه كالمطيعي وأشباهه من تلامذة الإفرنج ومقلديهم.
[ ٧٥ ]
ثم قال الكافي في الرد على المطيعي.
(قوله) كما هو رأي فيثاغورس قديما وقول علماء الهيئة اليوم.
(لا يكون) حجة في الموضوع لأن الموضوع الذي التزمه أن القرآن يؤخذ منه حركة الأرض. وقول فيثاغورس ومن معه ليس بقرآن.
(قوله) وذلك أنه ثبت بالمشاهدات الصحيحة إلى قوله عند خط الاستواء.
(لا ينجح) في الموضوع لأنه لم يؤخذ ذلك من القرآن.
(قوله) وقد أطبق المحققون إلى قوله ولا يلتفت إليه.
(خارج) عن موضوع البحث وهو دوران الأرض وأخذه من القرآن فلا فائدة فيه.
(قوله) فكان انتفاخها نحو خط الاستواء وتفرطحها نحو القطبين دليلا حسيا على أن الأرض كانت سائلة في مبدأ خلقها.
لا يؤخذ ذلك من القرآن (وهو غيب عنا فيحتاج إلى وحي يسفر على ما ادعاه ولا وحي. والذي تدل عليه الآيات والآثار أن الله تعالى خلق الأرض على الوصف الذي نشاهده لا أنها انتقلت من طور إلى طور كأطوار الجنين في بطن أمه).
(قوله) وأنها متحركة إلى قوله وتفرطحت نحو قطبيها.
(لا يؤخذ) من القرآن فلا يعول عليه كما تقدم.
(قوله) وبذلك جمدت قشرتها أيضا وبردت (لا يؤخذ من القرآن أيضا كما هو موضوع كلامه فلا ينظر إليه).
(قوله) ولو كانت ساكنة لبقيت جرمًا غازيًا سائلًا.
(غير صحيح) بل هي ساكنة. ودعوى كون جرمها غازيا سائلا دون إثباته خرط القتاد لأن ذلك من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا من طريق الوحي ولا وحي.
(قوله) فلا تصلح لأن تكون فراشا ولا مهدا ولا ذلولا.
(غير صحيح) بل لا تصح لأن تكون مهدا وذلولا وفراشا إلا إذا كانت ساكنة كما هو المعقول والمنقول.
(قوله) فثبت بذلك حركتها على محورها التي بها يتعاقب الليل والنهار.
(لا يثبت) إلا عنده وعند من يتخيل تخيلاته.
(قوله) وأما حركتها حول الشمس إلى قوله العملية الصحيحة.
(لا يصح) لأن أصل الحركة لها غير ثابت فضلا عن حركتها حول الشمس لأنه
[ ٧٦ ]
لا دليل على ما ذكره من القرآن المدعى أنه يثبت دوران الأرض من القرآن فلم يثبته لنا ثبوتا مسلما ولن يستطيع أن يثبته.
قلت وزعم المطيعي تقليدا لأهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج أن جرم الشمس أكبر من الأرض بأضعاف مضاعفة لا دليل عليه من كتاب ولا سنة وإنما يعتمد أهل الهيئة الجديدة في ذلك على نظاراتهم وآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم التي لا تغني من الحق شيئا.
والظاهر من أدلة الكتاب والسنة أن جرم الأرض أكبر من الشمس والقمر والنجوم وسيأتي إيراد الأدلة على ذلك مع الكلام على بطلان الهيئة الجديدة إن شاء الله تعالى.
وأما زعمه أن الشمس تجذب الأرض إليها من كل الجوانب. فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح. وما ليس عليه دليل فليس عليه تعويل.
وقد جاء في عدة أحاديث صحيحة أن الشمس تدني من الأرض يوم القيامة. وفي بعضها أنها تكون من الناس بقدر ميل. وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث مع الأدلة على ثابت الأرض فلتراجع ففيها إبطال لما زعمه المطيعي وسلفه أهل الهيئة الجديدة من جاذبية الشمس للأرض.
ولو فرضنا أن بين الأرض والشمس جاذبية لكانت للأرض لا للشمس لأن الشمس هي التي تجري وتدور على الأرض. وإذا كان يوم القيامة أدنيت من الأرض حتى تكون من الناس بقدر ميل ثم تكور هي والقمر ويرمى بهما في البحر كما تقدم ذلك في حديث ابن عباس ﵁ والله أعلم.
ثم قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي.
(قوله) وبذلك تبين أن هذه الآيات بظاهرها تدل على أن الأرض ليست منقادة إلى حركة رحوية بها تدور على محورها ويتكون منها تعاقب الليل والنهار فقط بل تتحرك أيضا حركة أخرى حول الشمس تتكون منها السنة وفصولها.
(غير صحيح) لأن الآيات التي ذكرها لم تدل بظاهرها ولا بباطنها ولم تشعر مطلق إشعار بأن الأرض تتحرك على محورها ويتعاقب الليل والنهار بسبب تلك الحركة.
[ ٧٧ ]
ومن باب أولى في عدم دلالتها على حركة الأرض حول الشمس وإنما هي دعوى ادعاها على الآيات وهي بريئة من دعواه.
قلت وذلك من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم. عن مواضعه.
(قوله) وقد جاء الضمير في قوله (يسبحون) جمعا فكان مرجعه جمعا.
(غير صحيح) بل المرجع مثنى لا غير وهو الشمس والقمر وإطلاق الجمع على المثنى والمثنى على الجمع والمفرد عليهما وهما على المفرد سائغ في لغة العرب.
وبعضهم اعتبر المرجع جمعا بزيادة النجوم على الشمس والقمر ولا قائل برجوعه إلى الأرض.
قلت وقد اعتبر بعضهم المرجع جمعا بزيادة الليل والنهار مع الشمس والقمر. قال ابن جرير في تفسير سورة يس وقوله (وكل في فلك يسبحون) يقول وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ثم روى بإسناده عن مجاهد أنه قال يجري كل واحد منهما يعني الليل والنهار (في فلك يسبحون) يجرون.
وقال ابن كثير في تفسير سورة يس. وقوله ﵎ (وكل في فلك يسبحون) يعني الليل والنهار والشمس والقمر كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني انتهى.
وهذا هو الظاهر من سياق الآيات من سورة الأنبياء وسورة يس حيث ذكر ﵎ الليل والنهار والشمس والقمر ثم قال (وكل في فلك يسبحون).
وقد قرر هذا شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال في جوابه له.
وقوله (كل في فلك يسبحون) يتناول الليل والنهار والشمس والقمر كما بين ذلك في سورة الأنبياء وكذلك في سورة يس (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد
[ ٧٨ ]
كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) فتناول قوله (وكل في فلك يسبحون) ما تقدم الليل والنهار والشمس والقمر كما ذكر في سورة الأنبياء.
وقال الشيخ أيضا في جواب آخر والله سبحانه قد أخبر بأن الشمس والقمر والليل والنهار كل ذلك يسبح في الفلك فقال تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) وقال تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) والفلك هو المستدير كما ذكر ذلك من ذكره من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين. والمستدير يظهر شيئا بعد شيء فيراه القريب منه قبل البعيد عنه انتهى.
وأما إعادة الضمير في قوله تعالى (وكل في فلك يسبحون) إلى الأرض مع الشمس والقمر فهو من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه ولا يقول بذلك إلا المفتونون بزخارف الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة كالمطيعي وأشباهه من العصريين الذين يتمسكون بأقوال أعداء الله تعالى ويقدمونها على نصوص الكتاب والسنة ويتأولون القرآن على غير تأويله.
ثم قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي.
(قوله) وعلى هذا اتفق المفسرون غير أنهم أولوا ذلك بتآويل شتى.
(صحيح) غير أنهم لم يخرجوا بتأويلهم عما يقتضيه لسان العرب والقرآن العظيم الذي نزل بلغتهم فهم سادة يمدحون.
(قوله) ما دعاهم لارتكابها إلا اعتقاد ما قاله البطليموسية من اليونان من أن الأرض ساكنة.
(غير صحيح) ودعواه عليهم تقليد البطليموسية فرية بلا مرية بل إنما اتبعوا القرآن وما ثبت من الأقوال عن السلف الصالح حسب ما تقدم وحسب ما يأتي إن شاء الله تعالى.
(قوله) مع أنه لم يقم دليل على سكون الأرض.
(غير صحيح) بل الدليل على سكونها قائم من القرآن وغيره كما تقدم في المسألة الموفية عشرين وكما يأتي إن شاء الله تعالى.
قلت قد تقدم ذكر المسألة العشرين في أول ما نقلته من كلام الكافي فلتراجع.
[ ٧٩ ]
(قوله) بل الدليل قائم على دورانها.
(غير صحيح) لأنه لم يقم لنا دليلا من القرآن مسلما على دوران الأرض. وأما أنه ثابت عند فيثاغورس التابع له هو فذاك خارج عما ادعاه من إثبات دوران الأرض من القرآن. والمسلمون لم يسلموا دعوى فيثاغورس ومن كان على شاكلته.
(قوله) فلا داعي للتأويل.
(غير صحيح) بل التأويل واقع في محله.
(قوله) بل الواجب أن تبقى الآيتان على ظاهرهما ويعود الضمير على الأجرام الثلاثة التي هي الأرض والشمس والقمر.
(غير صحيح) بل يجب عوده على الشمس والقمر لا غير لأن عوده على الأرض بديه البطلان لأنه لا فلك لها تسبح فيه على فرض سبحها الباطل لأن الأفلاك من العلويات والأرض من العالم السفلي.
قلت الصحيح أن الضمير عائد على الليل والنهار والشمس والقمر وقد تقدم تقرير هذا قريبًا في كلام ابن جرير وأبي العباس ابن تيمية والعماد ابن كثير رحمهم الله تعالى. وقد حكاه ابن جرير عن أهل التأويل. يعني المفسرين. وحكاه ابن كثير عن ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني وبذلك تبقى الآيتان على ظاهرهما ولا يحتاج مع ذلك إلى التأويل. وأما الزيادة على ما أخبر الله به في كتابه كما فعل المطيعي في إدخاله الأرض مع الشمس والقمر فيما أخبر الله به من السبح في الفلك وإعراضه عما أخبر الله به من سبح الليل والنهار فيه فذلك إلحاد في آيات الله تعالى وتحريف للكلم عن مواضعه وليس ذلك من التأويل الجائز في شيء.
ثم قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي.
(قوله) وممن استدل على دوران الأرض إلى قوله النورانية القرآنية.
(لا يفيد شيئًا) لأنه يقال في استدلاله ما قيل في استدلال مفتي مصر سابقًا بلا فرق.
(قوله) وأما قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة) الآية فوجه دلالتها على دوران الأرض أن معناها أنا نرى الجبال نظنها بحسب ما يتراءى لنا ساكنة إلى قوله والجبال تسير وتتحرك تبعًا لها.
[ ٨٠ ]
(غير صحيح) ما أراده من الآية بل المعنى الصحيح للجبال هو أن لها وصفين أحدهما في حال وجود الدنيا هو ثبوتها في نفسها وثبوت الأرض بها كما هو صريح القرآن العظيم. وثانيهما بعد أيام الدنيا وهو مرورها مر السحاب في الواقع ونفس الأمر وجامدة ساكنة بحسب ما يتراءى للناظر إليها.
(وقوله) لأنه لا جائز أن تكون الجبال متحركة هذه الحركة وحدها والأرض ساكنة لأنه لو كان الأمر كذلك لانفصلت الجبال عن الأرض وهو خلاف المشاهد.
(كلام قليل الجدوى) لأن الجبال في حال الدنيا لا تتحرك هذه الحركة لا بنفسها ولا تبعًا للأرض وإنما تتحرك هذه الحركة وحدها يوم القيامة وتنفصل عن الأرض وتبقى الأرض بارزة.
(قوله) فتبين أن حركتها إنما هي بالتبعية لحركة الأرض (غير صحيح) لأنه لم يتبين شيء بل المتبين في نظر الناظر وفي الواقع ونفس الأمر سكونهما معًا في هذه الدار.
(قوله) ولا جائز أن يكون ما نراه على الوجه الذي جاءت به الآية وقت النفخة الأولى أو النفخة الثانية كما قيل بذلك (يقال للمفتي) هو الجائز والواقع والقول بوقوع ذلك بعد النفخة الثانية أرجح في النظر وما تستند إليه مما يقوي قولك التابع فيه لفيثاغورس ويضعف قول من يقول بسيرها بعد وقوع النفخة الأولى أو النفخة الثانية سنرده إن شاء الله تعالى ردًا يفقهه من له أدنى إلمام بالعلم.
(قوله) لأنه في كل من الوقتين لا يكون هناك بقاء ولا وجود للجبال على الأرض على الوجه الذي يلائمه قوله تعالى في الآية (صنع الله الذي أتقن كل شيء).
(حق وصدق) بالنسبة لعدم بقاء ووجود الجبال على وجه الأرض.
(وغير حق وصدق) بالنسبة لعدم ملائمة ذلك للآية بل هو ملائم للآية تمام الملاءمة. وذلك أن تسيير الجبال الراسيات الشامخات تسييرا في الجو حثيثًا ويظن الناظر إليها أنها جامدة أي ثابتة في مكانها والحال أنها تمر مر السحاب هو صنع الله المتقن وكل أفعال الله متقنة فهو ﷾ أرسى بها الأرض في الدار الأولى فأتقن إرساءها وسيرها في الدار الآخرة فأتقن تسييرها.
(قوله) لأن يوم النفختين هو اليوم الذي ترجف فيه الجبال وتكون كثيبًا مهيلًا وهو اليوم الذي ينسف الله فيه الجبال نسفًا - إلى قوله - من الأحوال والأهوال.
[ ٨١ ]
(صحيح) غير أنه ترك من أوصافها أن الناظر إليها يخيل لها أنها جامدة أي ثابتة في أماكنها والواقع أنها تمر مر السحاب (قوله) التي لا تناسب أن يقال ويخاطب كل من يصح منه الرؤية (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء).
(غير صحيح) بل لا يناسب إلا هو لأن أصل الخطاب لبيان هول وشدة ذلك اليوم لا غير ومن ادعى خلاف هذا فلم يمعن النظر في سابق (وترى الجبال) وهو (وإذا وقع القول) (ويوم ينفخ في الصور) ولو أمعن لما تفوه بما قال إلا إذا رسخ في ذهنه مذهب فيثاغورس وأهل الهيئة الحديثة.
(قوله) لأن مثل هذا القول إنما يقال لحض الناس المخاطبين على النظر في ذلك الصنع المتقن والتفكر فيما اشتمل عليه من الحكم ليزدادوا إيمانًا ويقينًا.
(غير صحيح) لأن الخطاب هنا ليس لحظ المخاطبين إلى آخر ما قال. بل هو لبيان هول ذلك اليوم كما تقدم وكما يأتي في كلام الراسخين في العلم. وإنما جاء الخطاب للناس ليتفكروا في نصب الجبال على الأرض المشاهد لهم في قوله تعالى في سورة الغاشية (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت). وأما أنهم يتذكرون ويزدادون إيمانًا ويقينًا بشيء لم يشاهدوه ولم يخطر ببالهم فهذا مما لا يساعده عقل ولا نقل.
(قوله) وليس يوم النفختين صالحًا لمثل هذا.
(صحيح في حد ذاته) لأنه لبيان هول ذلك اليوم لا للتذكير والوعظ (قوله) إذا علمت ما قلنا في خلق السماوات والأرض تعلم أن العاقل المنصف إذا نظر في هذه اللطائف التي اشتملت عليها تلك الآيات القرآنية - إلى قوله العمرانية والكونية.
(غير صحيح) بالنسبة لما قرره في دوران الأرض وإنه لم يأت بلطيفة واحدة تذكر إلا بلطيفة وهي مخالفته لصريح نص القرآن وهجرانه لما قرره علماء المسلمين من الصدر الأول إلى وقتنا هذا واعتناقه مذهب فيثاغورس ومن كان على شاكلته. والقرآن تنزه ساحته عن مثل هذا اللغو.
(قوله) وأن كل ما قيل غير ذلك فرية بلا مرية.
[ ٨٢ ]
(معكوس) أعني ما قرره هو فرية بلا مرية.
(قوله) كيف وقد دلت على أن الله تعالى حكيم عليم حيث جعل الأرض كرة دائرة لتكون فراشًا ومهدًا وذلولا.
(غير صحيح) بالنسبة لكون الله تعالى جعل الأرض كرة دائرة لأنه لا شيء من القرآن يدل على ذلك البتة كما تقدم. وأما كونه ﷾ حكيمًا مقتدرًا عليمًا فهذا ثابت له بنص الكتاب بقطع النظر عن كون الأرض كرة دائرة أو غير كرة وغير دائرة.
ذكر أقوال بعض علماء المسلمين الذين لمزهم مفتي مصر سابقًا بكونهم ما دعاهم لقولهم بسكون الأرض إلا تقليد البطليموسية من اليونان. وسيحاكمونه يوم القيامة عند الله تعالى.
(قال الشربيني) (وترى الجبال) أي تبصرها وقت النفخة والخطاب للنبي ﷺ لكونه أنفذ الناس بصرًا وأنورهم بصيرة أو لكل أحد (تحسبها) أي تظنها (جامدة) أي قائمة ثابتة في مكانها لا تتحرك لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تتبين حركتها (وهي تمر) أي تسير حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبثوثة ثم تصير كالعهن ثم تصير هباء منثورًا، وأشار تعالى إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثًا بقوله تعالى (مر السحاب) أي مرًا سريعًا لا يدرك على ما هو عليه أ. هـ. باختصار.
(الرازي) قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون). اعلم أن هذا هو العلامة الثالثة لقيام الساعة وهي تسيير الجبال والوجه في حسبانهم أنها جامدة فلأن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر إليها أنها واقفة مع أنها تمر مرًا حثيثًا. أما قوله (صنع الله) فهو من المصادر المؤكدة كقوله تعالى (وعد الله) (وصبغة الله) إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ليوم ينفخ. والمعنى أنه لما قدم ذكر هذه الأمور التي لا يقدر عليها سواه جعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب أ. هـ باختصار.
[ ٨٣ ]
ثم قال الشيخ الكافي:
(قال أبو السعود) على قوله تعالى (وترى الجبال) عطف على ينفخ داخل في حكم التذكير، وقوله ﷿ (تحسبها جامدة) أي ثابتة في أماكنها (وهي تمر مر السحاب) أي تراها رأي العين ساكنة والحال أنها تمر مر السحاب التي تسيرها الرياح سيرًا حثيثًا - إلى أن قال - وهذا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلائق يبدل الله ﷿ الأرض غير الأرض ويغير هيئتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر. وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية أ. هـ باختصار.
(الرازي) عند قوله تعالى (وسيرت الجبال فكانت سرابًا) قال اعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله وهو أن أول أحوالها الاندكاك وهو قوله (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة).
والحالة الثانية لها أن تصير كالعهن المنفوش. وذكر الله ذلك في قوله (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. وتكون الجبال كالعهن المنفوش) وقوله (يوم تكون السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن).
والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله (إذا رجت الأرض رجًا. وبست الجبال بسًا. فكانت هباء منبثًا).
والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله (فقل ينسفها ربي نسفًا).
والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعًا في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها أجسامًا جامدة لتكاثفها وهي في الحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها مندكة متفتتة وهي قوله (وهي تمر مر السحاب). ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره فقال (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة).
والحالة السادسة أن تصير سرابًا بمعنى لا شيء فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا كما أن من يرى السراب من بعد إذا أتى الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئًا والله
[ ٨٤ ]
أعلم واعلم أن الأحوال المذكورة إلى ههنا هي أحوال عامة القيامة أ. هـ المراد منه.
(أبو السعود) قال عند قوله تعالى (وسيرت الجبال) أي في الجو على هيئاتها بعد قلعها من مقارها كما يعرب عنه قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) أي تراها رأي العين ساكنة في أماكنها والحال أنها تمر مر السحاب الذي تسيره الرياح سيرًا حثيثًا وذلك أن الأجرام العظام إذا تحركت نحوًا من الأنحاء لا تكاد تتبين حركتها وإن كانت في غاية السرعة لاسيما من بعيد. وقد أدمج في هذا التشبيه تشبيه حال الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما ينطق به قوله تعالى (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) يبدل الله تعالى الأرض ويغير هيئتها ويسير الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النفخة الثانية ليشاهدوها ثم يفرقها في الهواء وذلك قوله تعالى (فكانت سرابًا) أي فصارت بعد تسييرها مثل السراب كقوله تعالى (وبست الجبال بسًا، فكانت هباء منبثًا) أي غبارًا منتشرًا. وهي وإن اندكت وانصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفًا. فيذرها قاعًا صفصفًا. لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، يومئذ يتبعون الداعي) وقوله تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار) فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد الثانية أ. هـ.
قلت وقال ابن جرير في تفسير سورة النمل يقول تعالى ذكره (وترى الجبال) يا محمد (تحسبها جامدة وهي تمر) كالذي حدثني علي قال حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس ﵄ قوله (وترى الجبال تحسبها جامدة) يقول قائمة وإنما قيل وهي تمر مر السحاب لأنها تجمع ثم تسير فيحسب رائيها لكثرتها أنها واقفة وهي تسير سريًا حثيثًا كما قال النابغة الجعدي:
بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاجٍ والركاب تهملج
وقال أبو الفرج ابن الجوزي في تفسيره. قوله تعالى (وترى الجبال) قال ابن قتيبة هذا يكون إذا نفخ في الصور تجمع الجبال وتسير فهي لكثرتها تحسب (جامدة) أي واقفة (وهي تمر) أي تسير سير السحاب. وكذلك كل جيش عظيم يحسبه الناظر من
[ ٨٥ ]
بعيد واقفًا وهو يسير لكثرته - ثم ذكر قول النابغة الجعدي في وصف الجيش وقد تقدم ذكره في كلام ابن جرير - ثم قال وقوله تعالى (صنع الله) قال الزجاج هو منصوب على المصدر لأن قوله (وترى الجبال تحسبها جامدة) دليل على الصنعة فكأنه قال صنع الله ذلك صنعًا.
ويجوز الرفع على معنى ذلك صنع الله، فأما الإتقان فهو في اللغة إحكام الشيء انتهى.
وقال البغوي في تفسيره. قال الله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة) قائمة واقفة (وهي تمر مر السحاب) أي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض فتسوى بها وذلك أن كل شيء عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمها كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر انتهى.
وقال القرطبي في تفسيره. قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) قال ابن عباس أي قائمة وهي تسير سيرًا حثيثًا. قال القتبي وذلك أن الجبال تجمع وتسير فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير وكذلك كل شيء عظيم وجمع كثير يقصر عنه النظر لكثرته وبعد ما بين أطرافه وهو في حسبان الناظر كالواقف وهو يسير - ثم ذكر قول النابغة الجعدي في وصف الجيش العظيم وتقدم ذكره. ثم قال - قال القشيري وهذا يوم القيامة أي هي لكثرتها كأنها جامدة أي واقفة في مرأى العين وإن كانت في أنفسها تسير سير السحاب والسحاب المتراكم يظن أنها واقفة وهي تسير، أي تمر مر السحاب حتى لا يبقى منها شيء. قال الله تعالى (وسيرت الجبال فكانت سرابًا). ويقال إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها وإبراز ما كانت تواريه. فأول الصفات الاندكاك وذلك قبل الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش وذلك إذا صارت السماء كالمهل وقد جمع الله بينهما فقال (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن).
والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن.
والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز. فإذا نسفت فبإرسال الرياح عليها.
والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها على وجه الأرض فتطيرها شعاعًا في الهواء كأنها
[ ٨٦ ]
غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجسامًا جامدة وهي في الحقيقة مارة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة.
والحالة السادسة أن تكون سرابًا فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئًا منها كالسراب قال مقاتل تقع على الأرض فتسوى بها انتهى. وقال ابن كثير في تفسيره، وقوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) أي تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه وهي تمر مر السحاب أي تزول عن أماكنها كما قال تعالى (يوم تمور السماء مورًا. وتسير الجبال سيرًا) وقال تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفًا. فيذرها قاعًا صفصفًا. لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا) وقال تعالى (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة). وقوله تعالى (صنع الله الذي أتقن كل شيء) أي يفعل ذلك بقدرته العظيمة (الذي أتقن كل شيء) أي أتقن كل ما خلق وأودع فيه من الحكمة ما أودع انتهى.
وكلام المفسرين بنحو ما ذكرنا كثير جدًا وكلهم على خلاف ما ذهب إليه المطيعي وأشباهه من تلامذة الإفرنج ومقلديهم من العصريين.
ثم قال الشيخ الكافي:
(المسألة الثامنة والسبعون) في بيان أن صنع الله تعالى كيف ما وقع لا يكون إلا متقنًا سواء كان قبل النفختين أو بعدهما. وقَصْرُ مفتي مصر سابقًا ذلك على ما قبل النفختين وأن ما بعد النفختين لا ينبغي أن يخاطب به الناس لا ينظر إليه ولا يعول عليه.
(الجلال المحلي) قال في تفسير قوله تعالى (صنع الله) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله أي صنع الله ذلك صنعًا (الذي أتقن) أحكم (كل شيء) صنعه. (العلامة زاده) قوله (صنع الله) مؤكد لمضمون الجملة قبله فإن ما تقدم من نفخ الصور المؤدي إلى الفزع العام وحضور الكل الموقف وما فعل بالجبال إنما هو من صنع الله لا يحتمل غيره.
(قال أبو السعود) على قوله تعالى (صنع الله) مصدر مؤكد لمضمون ما قبله أي صنع الله ذلك صنعًا على أنه عبارة عما ذكر من النفخ في الصور وما ترتب عليه جميعًا قصد به التنبيه على عظم شأن تلك الأفاعيل وتهويل أمرها والإيذان بأنها ليست بطريق
[ ٨٧ ]
إخلال نظام العالم وإفساد أحوال الكائنات بالكلية من غير أن يدعو إليها داعية أو يكون لها عاقبة بل هي من قبيل بدائع صنع الله تعالى المبنية على أساس الحكمة المستتبعة للغايات الجميلة التي لأجلها رتب مقدمات الخلق ومبادئ الإبداع على الوجه المتين والنهج الرصين كما يعرب عنه قوله تعالى (الذي أتقن كل شيء أي أحكم خلقه وسواه على ما تقتضيه الحكمة). وقوله تعالى (إنه خبير بما تفعلون) تعليل لكون ما ذكر صنعًا محكمًا له تعالى ببيان أن علمه تعالى بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها مما يدعو إلى إظهارها وبيان كيفيتها على ما هي عليه من الحسن والسوء وترتيب جزائها عليها بعد بعثهم وحشرهم وجعل السموات والأرض والجبال على وفق ما نطق به التنزيل ليتحققوا بمشاهدة ذلك أن وعد الله حق لا ريب فيه أ. هـ.
كتب الزمخشري على قوله تعالى (صنع الله) من المصادر المؤكدة كقوله وعد الله وصبغة الله إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ليوم ينفخ. والمعنى ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين. ثم قال صنع الله يريد به الإثابة والمعاقبة وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب حيث قال (صنع الله الذي أتقن كل شيء) يعني أن مقابلة الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها وإجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون فيكافيهم على حسب ذلك، ثم لخص ذلك بقوله (من جاء بالحسنة) إلى آخر الآيتين. فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ومكانة إضماده - أي جمعه - ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحجزة بعض كأنما أفرغ إفراغًا واحدًا. ولا مر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق - يعني الخطباء - ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته والمنادي على سداده وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان. ألا ترى إلى قوله صنع الله وصبغة الله ووعد الله وفطرة الله بعد ما وسمه بإضافتها إليه بسمة التعظيم كيف تلاها بقوله (الذي أتقن كل شيء) (ومن أحسن من الله صبغة) (لا يخلف الله الميعاد) (لا تبديل لخلق الله) أ. هـ محل الحاجة منه.
[ ٨٨ ]