وقد تقدم التنبيه على هذا الخطأ الكبير عند قول الصواف أن لونا (٩) أرسلت صورا تلفزيونية إلى الكوكب الأرضي فليراجع.
وإذا كان حاصل الهيئة الجديدة ما ذكرنا من هذه الأمثلة فكيف يقال إنها قويمة البرهان وإن القرآن يعضدها. هذا قول باطل مردود. والصواب أنها عديمة البرهان. والقرآن شاهد ببطلانها.
الأمر الثالث من أخطاء الصواف زعمه أن أهل الهيئة الجديدة مسلمون عرف أكثرهم بالتقوى والصلاح.
والجواب أن يقال هذا تمويه وتلبيس على الجهلة الأغبياء وليس الأمر كما زعمه الصواف. فإن أهل الهيئة الجديدة ليسوا من المسلمين وإنما هم من فلاسفة الإفرنج.
وقد صرح الألوسي في صفحة ٢٣ من كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) أنهم هرشل الإنكليزي وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد وأنهم هم الذين تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة وقالوا بأن الشمس مركز وأن الأرض والنجوم دائرة حولها.
وذكرهم أيضًا في صفحة ٣٣ و٤٦ و٥٩ و٩٥ وأشار إليهم في مواضع كثيرة سوى هذا الموضع وسمى منهم هرشل في صفحة ٢٣ و٣٤ و٤٥ وسمى منهم أيضا في صفحة ٣٣ و٣٤ أولبوس وهاردنق وبياظي وسمى منهم محمد رشيد رضا وستروف. وقد ذكر محمد فريد وجدي في دائرة المعارف منهم كوبرنيك البولوني وتيخو براهي الدانماركي وكبلر وغاليليه ونيوتين الإنجليزي وهرشل الإنجليزي. ومنهم أيضا داروين الإنجليزي. فهولآء الفلاسفة كلهم من الإفرنج وهم أساطين الهيئة الجديدة. وأقوالهم هي التي أودعها الألوسي في كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) فهل يقول الصواف إنهم مسلمون معروفون بالتقوى والصلاح. أما ذا يجيب به عن قوله الذي لم يتبين فيه وفيما يترتب عليه من الحكم لأعداء الله تعالى بالإسلام والتقوى والصلاح.
فإن ادعى أنهم غير هؤلاء الذين سماهم الألوسي وغيره فالجواب أن يقال أنت إنما اعتمدت على كتاب الألوسي وما نقله عن علماء الهيئة الجديدة. والألوسي لم
[ ١٧٣ ]
ينقل عن أحد من علماء المسلمين في أمر الهيئة الجديدة شيئا ولا ادعى أن علماء الهيئة الجديدة مسلمون. وقد صرح في صفحة ٢٣ أن هرشل الفيلسوف وأتباعه هم أصحاب الرصد والزيج الجديدة وأنهم هم الذين تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة وقالوا بأن الشمس مركز وأن الأرض والنجوم دائرة حولها. وهذا صريح في تعيين أهل الهيئة الجديدة وأنهم من الإفرنج لا من المسلمين.
وفيه إبطال لما يدعي به الصواف في غيرهم إن ادعى ذلك.
ولو فرضنا أن أهل الهيئة الجديدة مسلمون ومعروفون بالتقوى والصلاح كما زعمه الصواف لما كانت ظنونهم وتخرصاتهم في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم مقبولة من أجل إسلامهم وتقواهم وصلاحهم. وإنما هي مردودة عليهم لمخالفتها لمدلول الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
وقد ذكرت تسعة عشر مثالا مما نقله الألوسي من الأقوال الباطلة ونبهت على بطلانها فليراجع.
الأمر الرابع قوله إن رأي الألوسي هو الكفاية في رد الأمر إلى نصابه وبيان الحق الصراح وصوابه.
والجواب أن يقال ليست الكفاية في أقوال الرجال وآرائهم وإنما الكافية في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فهما الميزان العدل الذي توزن به أقوال الرجال وآرائهم فما وافقهما فهو حق مقبول وما خالفهما فهو باطل مردود.
وقد اضطرب قول الألوسي فيما نقله عن أهل الهيئة الجديدة. ففي بعض المواضع يوافقهم ويتعسف في تطبيق الآيات على ما يوافق أقوالهم. وفي بعض المواضع يذكر أقوالهم ويسكت وفي بعض المواضع يخالفهم ويقول إنه يجب الرجوع في هذا إلى ما دل عليه الكتاب والسنة وأنه لا يسلم لهم إلا ما لم يلزم منه محذور في الدين. وهذه المواضع التي خالفهم فيها وقال إنه يجب الرجوع إلى ما دل عليه الكتاب والسنة هي التي رد الأمر فيها إلى نصابه وأتى ببيان الحق وصوابه. وما سواها فهو باطل مردود لمخالفته لمدلول الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
وقد ذكرت كثيرا من أخطائه في أول هذا الفصل ونبهت على بطلانها فلتراجع.
[ ١٧٤ ]
الأمر الخامس قوله إن علماء الإسلام قد نطقوا بما نقله الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة قبل أن يكون للكفار والمشركين علم فلك ولا نظر في النجوم.
والجواب أن يقال ليس هذا بصحيح وإنما هو في الحقيقة مكابرة وتمويه على ضعفاء البصيرة. إذ من المعلوم أن أول من تكلم في علم الهيئة والنجوم هم فلاسفة اليونان وكانوا قبل زمان المسيح بدهر طويل وكانوا مشركين يعبدون الكواكب والأصنام ولم ينقل عن أحد من سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان أنهم تكلموا في علم الهيئة بشيء حتى عربت كتب اليونان في زمن المأمون فظهر الكلام في علم الفلك والنجوم منذ ذلك الزمان ولم يكن يعاينه ويشتغل به إلا الفلاسفة والمنجمون الذين هم من أقل الناس حظا في الإسلام. وكثير منهم يظهرون الإسلام نفاقا وتقية.
ومنهم من هو أضر الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى كنصير الشرك الطوسي وابن سينا وأمثالهما من رؤساء الفلاسفة الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم في غاية البعد عنه.
ولم يذكر عن أحد من علماء المسلمين ولا الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام أنهم قالوا بشيء من أقوال أهل الهيئة الجديدة سوى القول بكروية الأرض. وليس أهل الهيئة الجديدة أول من قال بذلك حتى ينسب القول به إليهم. وإنما هو مأثور عن علماء المسلمين. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في ذلك. وما ذكره من الاتفاق على ذلك في أول الكتاب مع الأدلة على سكون الأرض واستقرارها وكذلك ما نقله عن أبي الحسين بن المنادي أنه حكى الإجماع على ذلك فليراجع.
وقد كان القول بسكون الأرض واستقرارها وجريان الشمس والقمر والنجوم هو المعروف عند المسلمين.
وقد حكى القرطبي إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك.
وأول من قال بخلاف هذا هو كوبرنيك البولوني وأتباعه من الإفرنج. ذكره عنهم محمد فريد وجدي في كتابه دائرة المعارف. ثم قال به هرشل الإنكليزي وأتباعه من الإفرنج كما صرح بذلك الألوسي في صفحة ٢٣ من كتابه الذي كان الصواف ينقل منه ويعتمد عليه.
وكان كوبرنيك في آخر القرن العاشر من الهجرة وكان مولد هرشل في سنة ١٧٣٨ ميلادية ومات في سنة ١٨٢٢.
[ ١٧٥ ]
وهرشل وأتباعه هم الذين كان الألوسي ينقل عنهم ويتعسف في تطبيق الآيات على ما يوافق أقوالهم. وليسوا من علماء الإسلام كما قد زعمه الصواف وإنما هم من أعداء الإسلام. ولا يخلو الصواف في زعمه فيهم من أحد أمرين: إما إرادة التمويه والتلبيس على الجهلة الأغبياء بما لا حقيقة له في نفس الأمر. وإما شدة الغباوة فيه حيث نبا فهمه عما صرح به الألوسي في صفحة ٢٣ و٣٣ و٣٤ و٣٦ و٥٩ و٩٥ من كون أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج.
الأمر السادس ما نقله الصواف عن الألوسي بما ذكره عن أهل الهيئة الجديدة أنهم قالوا إن الأرض جرم من الأجرام السماوية وإنها تابعة للشمس ودائرة حولها وأن النجوم الثوابت أنظمة مستقلة ترى منها شمسنا كما ترى هي من عندنا أي نقطا لامعة نيرة في القبة الزرقاء. وأن الأرض كروية الشكل وأنها سابحة في الفضاء وأن لها حركة يومية على محورها وحركة سنوية على الشمس. وأن القرآن لم يذكر فيه شيء مما يخالف ما عليه أهل الهيئة اليوم.
والجواب أن يقال كل ما ذكره ههنا باطل سوى القول بكروية الأرض. وقد تقدم الرد عليه في مواضع كثيرة فأغنى عن إعادته ههنا.
الأمر السابع ما نقله الصواف عن الألوسي أنه قال: وفي الخبر «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت» الحديث قال الألوسي وهذا لا ينافي حركة الأرض اليومية والسنوية التي قال بها أهل الهيئة فإن الله تعالى لو لم يخلق في الأرض الجبال لمادت فما ألقى فيها الرواسي وهي الجبال انتفى ذلك. ووجه كون الإلقاء مانعًا من اضطراب الأرض أنها كسفينة على وجه الماء والسفينة إذا لم يكن فيها أجرام ثقيلة تضطرب وتميل من جانب إلى جانب، وإن وضعت فيها أجرام ثقيلة تستقر فكذا الأرض لو لم يكن عليها هذه الجبال لاضطربت فالجبال بالنسبة إليها كالأجرام الثقيلة الموضوعة في السفينة بالنسبة إليها، والمقصود أن جعل الرواسي فيها لا يعارض حركتها بوجه من الوجوه كما أن السفينة إذا كان فيها أجرام ثقيلة تمنع اضطرابها وميلها من جانب إلى جانب لا ينافي حركتها.
والجواب أن يقال إن الخبر الذي ذكره الألوسي حجة عليه فإن فيه أن الأرض
[ ١٧٦ ]
كانت تميد فلما ألقيت الجبال عليها استقرت. وهذا نص في سكون الأرض وثباتها.
والاستقرار ينافي السير والحركة كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة.
وأما تشبيه الأرض بالسفينة على وجه الماء وأنها إذا وضعت فيها أجرام ثقيلة لم تمنع حركتها وسيرها فهو تشبيه غير مطابق لأن الأرض قد أرسيت بالجبال من جميع نواحيها والجبال متوجهة بثقلها نحو المركز الذي هو وسط الأرض فصارت للأرض كالأوتاد التي تمنعها من الحركة ولهذا قال الله تعالى (ألم نجعل الأرض مهادا. والجبال أوتادا) قال ابن منظور في لسان العرب وأوتاد الأرض الجبال لأنها تثبتها انتهى.
وإذا كانت الجبال أوتادًا للأرض فالتشبيه المطابق هو تشبيهها بالسفينة التي قد وضع فيها ما يثقلها وأوتدت بالأوتاد في مرساها فوقفت فيه ولم تتحرك.
وأما قول الألوسي إن السفينة إذا وضعت فيها أجرام ثقيلة تستقر فكذا الأرض لو لم يكن عليها هذه الجبال لاضطربت - إلى أن قال - إن جعل الرواسي فيها لا يعارض حركتها بوجه من الوجوه فجوابه أن يقال إن الاستقرار ينافي السير والحركة كما هو معروف في لغة العرب. قال في القاموس وشرحه قرّ بالمكان يقر بالكسر والفتح قرارًا وقرورًا وقرًا وتقره ثبت وسكن فهو قار كاستقر وتقار وهو مستقر انتهى.
وإذا كان الاستقرار معناه الثبات والسكون فاستقرار الأرض المذكور في الخبر المتقدم معناه سكونها وثباتها وذلك ينافي حركتها وسيرها. وكذلك استقرار السفينة معناه وقوفها وثباتها في مرساها وذلك ينافي حركتها وسيرها.
وأما أن يقال في السفينة السائرة إذا وضعت فيها الأجرام الثقيلة التي تمنع اضطرابها وميلها من جانب إلى جانب أنها مستقرة في حال سيرها وجريانها في الماء فهذا لا يعرف في لغة العرب.
وقد حاول الألوسي الجمع بين استقرار الأرض وحركتها واستقرار السفينة وحركتها وذلك خطأ مردود من وجهين. أحدهما مخالفته لغة العرب. والثاني جمعه بين النقيضين.
الأمر الثامن قوله فهل رأيتم كلامًا أصرح من هذا الكلام في كروية الأرض وحركتها.
[ ١٧٧ ]
والجواب أن يقال أما كروية الأرض فقد تقدم ما هو أصرح منه في كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وما نقله عن أبي الحسين ابن المنادي في ذلك.
وأما حركتها فقد تقدم رده وبيان بطلانه وذكرت هناك الأدلة من الكتاب والسنة على ثبات الأرض واستقرارها. وما حكاه الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي من إجماع أهل السنة على ذلك. وكذلك ما حكاه القرطبي من إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك. فهذا أصرح وأوضح مما ذهب إليه الصواف وجادل به من القول الباطل ليدحض به الحق.
الأمر التاسع قوله أليس هذا من مفاخر علمائنا وتوفيق الله لهم في معرفة العلوم الكونية.
والجواب أن يقال كل ما نقله الصواف عن الألوسي فهو مما نقله الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة وهم كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من فلاسفة الإفرنج. فهؤلاء هم علماء الصواف الذين يفتخر بهم ويثني عليهم وبئس العلماء هؤلاء. وهم في الحقيقة مخذولون وليسوا موفقين.
ويقال أيضًا ليس ما قاله أهل الهيئة الجديدة في العلوم الكونية صوابا وقولا سديدا حتى يفتخر بهم الصواف ويثني عليهم. وإنما هي تخرصات وظنون كاذبة أوحاها الشيطان إليهم وخدعهم بها وخدع بها على أيديهم وأيدي أتباعهم بشرًا كثيرًا فخالفوا لأجلها نصوص الكتاب والسنة على جريان الشمس ووجود السموات السبع. وخالفوا أيضًا الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على ثبات الأرض واستقرارها.
إلى غير ذلك من أقوالهم المخالفة لما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. وقد تقدم التنبيه على ذلك في مواضعه.
ولو فرضنا أن أحدًا من علماء المسلمين سبق أهل الهيئة الجديدة إلى ما قالوه من التخرصات في الأرض والسموات والشمس والقمر والنجوم لكان ذلك عيبًا ونقصًا على من قاله واستحق بذلك الذم والتجدير من قوله. ولم يكن ذلك منقبة وفضيلة يفتخر بها ويثني على صاحبها كما ذهب إليه الصواف.
الأمر العاشر قوله إن في كتاب الألوسي من الكلام الواضح الذي يدل على ما بلغوه من الدرجات العليا في العلوم الكونية وحركات الأفلاك ﵏ وجزاهم عن
[ ١٧٨ ]
الإسلام خير الجزاء.
والجواب أن يقال إن غالب ما ينقله الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وقد تقدم إيضاح ذلك في مواضع كثيرة، وما كان مخالفًا للكتاب والسنة وإجماع المسلمين فهو بعيد من الوضوح غاية البعد وقد بلغ الدركات السفلى في السقوط والتخبيط. فأبعد الله أعداءه من أهل الهيئة الجديد وجزاهم عما أدخلوه على أهل الإسلام من التخرصات والظنون الكاذبة شر الجزاء فقد كانوا كما قال الله تعالى في أسلافهم (قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل).
وبعد فهل تدري أيها الصواف على من تترحم وتسأل الله أن يجزيهم عن الإسلام خير الجزاء إنهم أعداء الله من فلاسفة الفرنج. وأولهم كوبرنيك البولوني ثم أتباعه من الإفرنج ومن أعيانهم تيخو براهي الدانمركي وكبلر وغاليليه ونيوتن الإنجليزي وهرشل الإنجليز وداروين الإنجليزي وأولبوس الإنجليزي» وهارذنق» وبياظي وستروف فهؤلاء كلهم من الإفرنج وهم أساطين الهيئة الجديدة وأقوالهم هي التي أودعها الألوسي في كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك قريبا في الأمر الثالث والأمر الخامس
(فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم).
فصل
قال الصواف: إحاطة السماء بالأرض والقول بالجاذبية. ثم نقل عن الألوسي ما ذكره في صفحة ١٠٩ في تفسير قوله تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره):
وما ذهب إليه أهل الهيئة المتأخرون من أن قيام العالم العلوي والسفلي بالجاذبية لا يخالف الآية الكريمة فالله سبحانه هو الذي أودع تلك الجاذبية وبأمره كانت. وفي الخبر إن الأرض بالنسبة إلى السماء الدنيا كحلقة في فلاة وهما بالنسبة إلى العرش كذلك. ثم قال الصواف فسبحان من لا يحيط بشيء من علمه أحد.
[ ١٧٩ ]
والجواب أن يقال أما ما ذكره الألوسي عن أهل الهيئة المتأخرين من أن قيام العالم العلوي والسفلي بالجاذبية فهذا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، وما لم يكن عليه دليل فليس عليه تعويل. وقد تقدم التنبيه على ذلك قريبًا.
وأما ما ذكره من الخبر في عظم السماء الدنيا بالنسبة إلى الأرض فهو غلط.
ولفظ الحديث عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» رواه ابن مردويه. وقد تقدم التنبيه على ذلك في أول الفصل الذي قبل هذا الفصل.
وأما قوله فسبحان من لا يحيط بشيء من علمه أحد فهو خطأ ظاهر ويلزم على هذا الإطلاق أن يكون بنو آدم كلهم جهالًا الأنبياء فمن دونهم. وكذلك الملائكة ومؤمنو الجن.
والصواب إثبات ما أثبته الله تعالى من إحاطتهم من علمه بما شاء أن يعلموه. قال تعالى (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) فكل ما يعلمه العباد من العلم الصحيح فهو مما أطلعهم الله تعالى عليه من علمه وشاء أن يعلموه. قال الله تعالى (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه) قال ابن كثير أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه وما يكرهه ويأباه وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به انتهى.
وقد قال الله تعالى (ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) وقال تعالى مخبرًا عن الملائكة (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).
وروى الإمام أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط عن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت أبا القاسم رسول الله ﷺ يقول «إن الله ﷿ يقول يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال يا رب كيف هذا لهم ولا حلم
[ ١٨٠ ]
ولا علم قال أعطيهم من حلمي وعلمي» قال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن شوار وأبي حلبس يزيد بن ميسرة وهما ثقتان.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ في قصة موسى والخضر ﵉ قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال الخضر ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
فصل
ونقل الصواف عن الألوسي أنه قال وأما الأرضون السبع فقد حارت فيها عقول المفسرين وذكروا فيها أقوالا كثيرة وقد جعلها الله تعالى مثل السموات والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف. فقال الجمهور المثلية هنا في كونها سبعا وكونها طباقا بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض وفي كل أرض سكان من خلق الله ﷿ لا يعلم حقيقتهم إلا الله تعالى. وورد في بعض الأخبار: في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى. والمراد أن في كل أرض خلقًا يرجعون إلى أصل واحد رجوع بني آدم في أرضنا إلى آدم وفيهم أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم وغيرهما فينا. وقول الجمهور هذا أصح سائر الأقوال وهو أن بين كل أرض وأرض من السبع مسافة عظيمة وفي كل أرض خلق لا يعلم حقيقتهم إلا الله ﷿ ولهم ضياء يستضيئون به. ويجوز أن يكون عندهم ليل ونهار ولا يتعين أن يكون ضياؤهم من هذه الشمس ولا من هذا القمر.
والجواب أن يقال أما كون الأرضين سبعا مثل السموات فقد دل عليه قول الله تعالى (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن).
ودلت على ذلك أيضًا الأحاديث الكثيرة التي فيها إثبات سبع أرضين.
ودل قوله ﷺ «من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه خسف به
[ ١٨١ ]
يوم القيامة إلى سبع أرضين» على أن الأرضين بعضهن فوق بعض. وذكر أبو بكر الأنباري الإجماع على ذلك.
وأما تقدير المسافة بين كل أرضين فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد من حديث قتادة عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أن بين كل أرضين سبعمائة عام، ورواه الترمذي وعنده أن بين كل أرضين خمسمائة سنة. وقال الترمذي حديث غريب. قال ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زايد أنهم قالوا لم يسمع الحسن من أبي هريرة. ورواه ابن جرير من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا. قال ابن كثير ولعل هذا هو المحفوظ.
قلت وهذا الخبر لم يصح إسناده فلا يعتمد عليه في تقدير المسافة بين كل أرضين.
وأما ما فيه من تقدير المسافة بين السماء والأرض بخمسمائة عام فهو ثابت من حديث عبد الله بن عمرو وابن مسعود والعباس وأبي سعيد ﵃ وقد تقدمت أحاديثهم في أول الكتاب.
وأما قوله وفي كل أرض سكان من خلق الله ﷿ لا يعلم حقيقتهم إلا الله تعالى فجوابه أن يقال إثبات السكان في كل أرض غير الأرض العليا يحتاج إلى دليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ولا دليل على ذلك.
وأما الأثر المروي في ذلك من طريق أبي الضحى عن ابن عباس ﵄ أنه قال في كل أرض نبي كنبيكم إلى آخره. فهو أثر منكر جدا. قال البيهقي هو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا. وقد ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية وقال إنه محمول إن صح نقله عن ابن عباس ﵄ على أنه أخذه من الإسرائيليات.
قلت ومثله لا يثبت به شيء والله أعلم.
وأما قوله ولهم ضياء يستضيئون به ويجوز أن يكون عندهم ليل ونهار ولا يتعين أن يكون ضياؤهم من هذه الشمس ولا من هذا القمر.
فجوابه أن يقال كل هذه تخرصات لا دليل عليها من كتاب ولا سنة وما لم يكن عليه
[ ١٨٢ ]
دليل فليس عليه تعويل. وقد قال الله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).
فصل
قال الصواف لقد رصد أسلافنا القمر قبل أهل الشرق والغرب واهتموا اهتماما عجيبا بتحقيق الأمر فيه. ويظهر لي أنه لو كانت لهم من الوسائل ما لعلماء الفلك في هذا العصر لحاولوا الصعود إليه لكشف أمره وتحقيق الحكم فيه. وقد جاء في كتاب (مادل عليه القرآن) صفحة ١٢٩ وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار ويزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه. هذا ما قاله مؤلف الكتاب قبل ما يقرب من خمسين سنة ونقله عن علماء مسلمين قالوه قبل مئات السنين. وأرجو أن يلفت القارئ إلى عبارتين وردتا في هذه الفقرة التي نقلتها من الكتاب. الأولى أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار وأنهم أحسوا بها في مراصدهم. والثانية قوله وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه. ألا تدل هاتان العبارتان على العجب العجاب الذي وصل إليه علماء المسلمين منذ قرون. أما كان الواجب علينا أن نتمم ما بدأوه من بحوثهم العلمية المستفيضة في علوم الكون والفلك وغيرهما. وهل سار علماؤنا في هذا الطريق إلا بأمر من الله ووحي من فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. والله ﵎ حينما يقول وهو يخاطب رسوله ليخاطب الناس (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) فهل المراد مجرد النظر للتفرج والتفكه والتسلي أم هو النظر للبحث والعلم والتحقيق والاعتبار والادكار.
والجواب أن يقال لم يكن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان ولا أئمة العلم والهدى من بعدهم يرصدون القمر ويرجمون بالغيب عما فيه وحاشاهم من التخرصات واتباع الظنون الكاذبة .. ولو كان رصد القمر والبحث عما فيه
[ ١٨٣ ]
خيرًا لكان الصحابة رضوان الله عليهم أسبق إلى ذلك من غيرهم. وكذلك التابعون وأئمة العلم والهدي من بعدهم.
وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة إلى آخر كلامه. وذكر الألوسي أيضا في صفحة ١٠١ و١٠٢ أن أهل الأرصاد اليوم كشفوا في القمر جبالا ووهادا وأودية وهكذا الشمس وسائر السيارات وظنوا أن فيها مخلوقات نحو سكنة الأرض وزعموا أن فيها بحارًا وأنهارًا. وصرح الألوسي أيضًا في عدة مواضع من كتابه أن أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. وصرح في صفحة ٢٣ أنهم هرشل وأتباعه.
وذكر محمد فريد وجدي في دائرة المعارف أن غاليليه هو الذي اخترع المنظار الفلكي فرصد به القمر فرأى فيه الجبال والأودية والظلال الكثيفة الممتدة على سهوله.
قلت وكان غاليليه في القرن الحادي عشر من الهجرة وهو الذي نشر أقوال كوبرنيك البولوني.
فهؤلآء هم أسلاف الصواف الذين رصدوا القمر واهتموا بتحقيق الأمر فيه. وبئس ما رضي الصواف لنفسه حيث جعل كوبرنيك وغاليليه وهرشل وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج سلفًا له.
وأما قوله وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار ويزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه.
فجوابه أن يقال ما ذكره الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة كله تخرص ورجم بالغيب.
ومن أين لهم اكتشاف القمر وتحقيق الأمر فيه وهو في السماء بنص القرآن وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فقدرتهم عاجزة عن اكتشافه من هذا البعد الشاسع وتحقيق الأمر فيه.
وقد أنفق بعض كبار الدول في زماننا أموالا كثيرة وبذلوا غاية الجهد في محاولة الوصول إلى القمر وتحقيق الأمر فيه فما استطاعوا ذلك ولن يستطيعوه أبدًا. وقد صرح بعض الأذكياء من علمائهم المختصين بمعرفة الأرصاد أنهم لن يستطيعوا الوصول إلى القمر.
[ ١٨٤ ]
وأما إطلاقه وصف الحكمة على فلاسفة الإفرنج فهو خطأ ظاهر والصواب أنهم أهل الغباوة والجهل الكثيف، وقد تقدم التنبيه على هذا مع ذكر أخطاء الألوسي.
وأما قوله ونقله عن علماء مسلمين قالوه قبل مئات السنين.
فجوابه أن يقال هذا غلط فاحش لأن الذين نقل عنهم الألوسي في شأن القمر ما نقل ليسوا بمسلمين وإنما هم أهل الهيئة الجديدة، وقد ذكرت مرارًا أن الألوسي صرح في عدة مواضع من كتابه أن أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. وصرح في صفحة ٢٣ أنهم هرشل وأتباعه.
وقول الصواف أنهم قالوه قبل مئات السنين ليس بصحيح لأن هرشل وأتباعه إنما كان زمانهم من نحو مائتي سنة فأقل. وإنا نتحدى الصواف أن يسمي لنا علماء المسلمين الذين نقل عنهم الألوسي في شأن القمر ما نقل. وأن يذكر كتبهم التي ذكروا فيها ذلك إن كان صادقًا. وما أبعده من الصدق.
وأما قوله وأرجو أن يلفت القارئ إلى عبارتين: الأولى أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار وأنهم أحسوا بها في مراصدهم. والثانية قوله وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه.
فجوابه أن يقال وهل ظننت أيها الصواف أن هاتين العبارتين من كتاب الله تعالى أو مما صح عن رسول الله ﷺ حتى ترجو من القراء أن يلفتوا نظرهم إليهما. وأي فائدة للقراء في تخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة وما أوحاه الشيطان إليهم حتى يلفتوا نظرهم إلى ذلك بل الحق أنه ينبغي للقراء الذين عافاهم الله تعالى من اتباع الظنون الكاذبة إذا وقفوا على مثل هاتين العبارتين أن يحمدوا الله الذي عافاهم مما ابتلى به المتخرصين المتكلفين ما لا علم لهم به وما ابتلى به أتباعهم من جهال المسلمين المفتونين بزخارفهم وهذيانهم.
وأما قوله ألا تدل هاتان العبارتان على العجب العجاب الذي وصل إليه علماء المسلمين منذ قرون.
فجوابه أن يقال قد ذكرنا أن الذين تخرصوا في القمر وزعموا فيه ما زعموا ليسوا بمسلمين وإنما هم من فلاسفة الإفرنج وهم أهل الهيئة الجديدة ومن أولهم كوبرنيك البولوني وكان في القرن العاشر من الهجرة. ثم كان بعده كبلر وغاليليه وكانا في
[ ١٨٥ ]
القرن الحادي عشر من الهجرة ثم هرشل الإنكليزي وأتباعه وكانوا في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر من الهجرة. ولو فرضنا أن أحدًا من المسلمين تخرص في القمر منذ قرون وقال فيه بما قاله أهل الهيئة الجديدة فيه لما كان تخرصه فيه مقبولا من أجل إسلامه بل ذلك مردود لما فيه من الرجم بالغيب واتباع الظن. وأي فائدة للمسلمين في التخرصات والظنون التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ويقال أيضًا ليس العجب العجاب من كفار يتخرصون في القمر ويرجمون بالغيب عما فيه فما هم عليه من الكفر بالله تعالى أعظم من تخرصاتهم وظنونهم في القمر. وإنما العجب العجاب من رجل مسلم ينتسب إلى العلم ويتصدر للتدريس والإرشاد وهو مع هذا يصدق أعداء الله في تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة ولا يتورع عن الافتراء لتأييد القول الباطل الذي هو مفتون به. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
وأما قوله أما كان الواجب علينا أن نتمم ما بدأوه من بحوثهم العلمية في علوم الكون والفلك.
فجوابه أن يقال إذا كنت ترى ذلك واجبًا عليك فاذهب إلى القمر وغيره من الأجرام العلوية وتمم ما بدأه أسلافك أهل الهيئة الجديدة من المزاعم الباطلة والظنون الكاذبة فيها. ولا يخفى عليك أن من ترك الواجب عليه فهو آثم أما غيرك فإنهم قد وقفوا حيث وُقِفَ بهم فما جاءهم عن الله تعالى ورسوله ﷺ تلقوه بالقبول والتسليم وما سكت الله ورسوله عنه سكتوا عنه ولم يتكلفوا ما لا علم لهم به لعلمهم أن الله تعالى قد نهى عن ذلك في قوله (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).
وأما قوله وهل سار علماؤنا في هذا الطريق إلا بأمر من الله ووحي من فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فجوابه أن يقال علماؤك من أهل الهيئة الجديدة لم يسيروا فيما زعموه عن القمر وغيره من الأجرام العلوية على أمر من الله تعالى ووحي من فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإنما ساروا على مجرد ظنونهم وأرصادهم التي لا تغني من الحق شيئًا.
[ ١٨٦ ]
وقد صرح الألوسي بذلك في قوله: وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار ويزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم فذكر أنهم ساروا على مجرد الظن وما تقتضيه الأرصاد لا على أمر من الله تعالى ووحي من فهم كتابه وسنة رسوله ﷺ.
وذكر الألوسي أيضًا في صفحة ٢٣ أن هرشل الفيلسوف وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة وقالوا بأن الشمس مركز والأرض وكذا النجوم دائرة حولها.
وهذا صريح في أن أهل الهيئة الجديدة إنما ساروا على مجرد التخيلات وهي التخرصات والظنون الكاذبة. لا على أمر من الله تعالى ووحي من فهم كتابه وسنة رسوله ﷺ. ويلزم على قول الصواف أن يكون الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان قد تركوا العمل بأمر أمر الله به ولم يفهموا ما جاء في الكتاب والسنة عنه. وأن الذين عربوا كتاب اليونان وعملوا رصد الكواكب في زمن المأمون وما بعده هم الذين عملوا بما أهمله الصحابة والتابعون وتابعوهم، وفهموا من الكتاب والسنة ما لم يفهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم. هذا ما يقتضيه كلام الصواف كما لا يخفى على من له أدنى علم وفهم ولا يخفى أيضًا ما يقتضيه كلام الصواف من الإزراء بالصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. وما يقتضيه أيضًا من الثناء على الذين عملوا رصد الكوكب وتخرصوا في الأجرام العلوية وزعموا فيها المزاعم الباطلة.
وما كان مقتضيًا لما ذكرنا فهو قول سيء ينبغي التحذير منه لئلا يغتر به.
وقد ذكرت في أثناء الكتاب كلامًا حسنًا للحافظ أبي عبد الله الذهبي قال فيه إنه لما عربت كتب الأوائل ومنطق اليونان وعمل رصد الكواكب نشأ للناس علم جديد مرد مهلك لا يلائم علم النبوة. ولا يوافق توحيد المؤمنين قد كانت الأمة منه في عافية.
قلت وعن هذا العلم المردي المهلك نجم الكلام في القمر وغيره من الأجرام العلوية والإخبار عما فيها بمجرد التخرصات والظنون الكاذبة.
وعلى هذا العلم المردي المهلك سار علماء الصواف لا على ما زعمه من الأمر والوحي اللذين لا وجود لهما.
[ ١٨٧ ]
وأما قوله: والله ﵎ حينما يقول وهو يخاطب رسوله ليخاطب الناس (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) فهل المراد مجرد النظر للتفرج والتفكه والتسلي أم هو النظر للبحث والعلم والتحقيق والاعتبار والادكار.
فجوابه أن يقال ليس المراد من الأمر بالنظر في ملكوت السموات والأرض مجرد النظر للتفرج والتفكه والتسلي ولا النظر للبحث والكشف عما في الأجرام العلوية من جبال وبحار وغير ذلك مما لم يخبر الله به ولا رسوله ﷺ فإن هذا من الرجم بالغيب والقول بغير علم. وإنما الأمر بالنظر للتفكر والاعتبار والاستدلال على عظمة الخالق ﷻ وكمال قدرته وأنه الإله الواحد الأحد الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده دون من سواه.
والآية إنما سيقت في مخاطبة المشركين ودعائهم إلى الإيمان بالله تعالى. قال البغوي في قوله تعالى (قل انظروا) أي قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا ماذا في السموات والأرض من الآيات والدلائل والعبر ففي السموات الشمس والقمر والنجوم وغيرها وفي الأرض الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها. قلت وتمام الآية دال على أن الخطاب للمشركين ولهذا قال تعالى (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) ونظير هذه الآية قوله تعالى (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) الآية، وقوله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت).
وقوله تعالى (وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا وهم عن آياتها معرضون) قال القرطبي في تفسيره (وهم) يعني الكفار (عن آياتها معرضون) بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها من ليلها ونهارها وشمسها وقمرها وأفلاكها ورياحها وسحابها وما فيها من قدرة الله تعالى إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعًا قادرًا واحدًا فيستحيل أن يكون له شريك انتهى.
وأما حمل الآية على ما قاله الصواف من البحث والعلم والتحقيق - يعني البحث عما في الأجرام العلوية من جبال وبحار وسكان وتحقيق ما غلب على ظنون أهل المراصد من ذلك والعلم به - فهو من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه.
[ ١٨٨ ]
فصل
ثم ذكر الصواف ما نقله الألوسي في صفحة ٤٦ و٤٧ عن ابن الهيثم أنه قال في القمر يحتمل أن يكون كرة نصفها مضيء ونصفها مظلم ويتحرك على نفسه فيرى هلالا ثم بدرًا ثم ينمحق وهكذا دائمًا.
والجواب أن يقال هذا الاحتمال بعيد من الصواب، ومن أمعن النظر في القمر ولا سيما من الليلة التاسعة إلى ليلة إحدى وعشرين لم يشك أن وجهه الذي يقابل الأرض لا يزال مقابلا لها وإنما يزداد نوره وينقص بحسب مقابلته للشمس.
وقد روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ (وجعل القمر فيهن نورًا) (قال وجهه إلى العرش وقفاه إلى الأرض قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في تلخيصه على شرط مسلم. وهذا يرد ما قاله ابن الهيثم والله أعلم.
فصل
ثم ذكر الصواف ما نقله الألوسي في صفحة ٤٨ عن ابن قتيبة في ذكر منازل القمر الثمان والعشرين. وعد منها السماك الرامح وليس هو من المنازل. وأسقط سعد السعود وهو من المنازل. وهذا غلط إما من الألوسي أو ممن قبله من النساخ ويبعد أن يكون ذلك من ابن قتيبة.
فصل
وهنا أود أن أتم ما بدأت بنقله حول ما قالوه عن عدد الأرضين حيث قال المؤلف، وقد قالوا أيضًا أن هذه الشمس في عالم هي مركز دائرته وبلقيس مملكته بمعنى أن جميع ما فيه من كواكبه السيارة تدور عليها فيه على وجه مخصوص ونمط مضبوط وقد يقرب إليها فيه ويبعد عنها إلى غاية لا يعلمها إلا الله تعالى كواكب ذوات الأذناب وهي عندهم كثيرة جدًا تتحرك على شكل بيضي. وأن الشمس بعالمها من توابع كوكب آخر
[ ١٨٩ ]
تدور عليه دوران توابعها من السيارات وهو فيما نسمع أحد كواكب النجم ولهم ظن في أن ذلك أيضًا من توابع كوكب آخر وهكذا. وسماء كل عالم كالقمر عندهم ما انتهى إليه هواؤه حتى صار ذلك الجرم في نحو خلاء فيه لا يعارض ولا يضعف حركته شيء. والجسم متى تحرك في خلاء لا يسكن لعدم المعارض فلتكن كل أرض من هذه الأرضين السبع محمولة بيد القدرة بين كل سمائين وهناك ما يستضيء به أهلها سابحًا في فلك بحر قدرة الله ﷿، ونسبة كل أرض إلى سمائها نسبة الحلقة إلى الفلاة وكذا نسبة السماء إلى السماء التي فوقها كما ذكرنا سابقًا. قال ولقد ختم الألوسي قوله في الأرضين بما يأتي وفي الجملة من صدق بسعة ملك الله تعالى وعظيم قدرته لا ينبغي أن يتوقف في وجود سبع أرضين على الوجه الذي قدمناه ويحمل السبع على الأقاليم أو على الطبقات المعدنية والطينية ونحوهما وليس ذلك مما يصادم ضروريًا من الدين أو يخالف قطعيًا من أدلة المسلمين.
والجواب أن يقال كل ما نقله الصواف ههنا عن الألوسي فهو باطل. وقد نبهت على بطلان كل جملة منه في موضعها فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.
فأما ما ذكره عن أهل الهيئة الجديدة أن الشمس هي مركز العالم وأن جميع الكواكب السيارة تدور عليها فقد تقدم بيان بطلانه في أول الكتاب وفي مواضع كثيرة في أثنائه.
وأما قولهم إن الشمس بعالمها من توابع كوكب آخر تدور عليه إلى آخره. فقد تقدم رده مع الأمثلة على نقصان كتاب الألوسي وفي المثال الثامن عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة. وأما قوله إن كل أرض من الأرضين السبع محمولة بيد القدرة بين كل سمائين إلى آخر كلامه. فقد تقدم رد كل جملة منه على حدة مع الأمثلة على نقصان كتاب الألوسي وهذا آخر ما تيسر إيراده، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
وقد وقع الفراغ من تسويد هذه النبذة في يوم الأربعاء الموافق لست مضين من جمادى الثانية سنة ١٣٨٦ هـ على يد جامعها الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله التويجري غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ١٩٠ ]