الوجه السابع أن إطلاق اسم الكوكب على الأرض خطأ وضلال. والذين أطلقوا عليها اسم الكوكب هم الذين زعموا أنها تسير كما تسير الكواكب وتدور على الشمس وهم أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من جهال المسلمين.
وهذا خلاف ما سماها الله بها في كتابه وما سماها به رسول الله ﷺ وجميع المسلمين سوى الأغبياء المقلدين لأهل الهيئة الجديدة.
ولازم هذا القول أن تكون الأرض من جملة الزينة التي زين الله بها السماء الدنيا وجعلها رجومًا للشياطين. لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظًا من كل شيطان مارد) وقال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين) وقال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم).
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث.
وإذا كان بين السماء والأرض هذا البعد الشاسع فكيف يقال إن الأرض كوكب من جملة الكواكب التي جعلها الله زينة للسماء الدنيا. هذا من أبطل الباطل ولا يقوله من له أدنى مسكة من العقل.
وأيضًا فقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أنه جعل الأرض فراشًا والسماء بناء. وأخبر في آية أخرى أنه جعل السماء سقفًا محفوظًا. وقال تعالى في آية أخرى (والسقف المرفوع) فدل القرآن على أن الأرض هي أسفل البناء والسماء سقفه.
وما كان أساس البناء وأسفله كيف يقال إنه كوكب من جملة زينة سقفه المرفوع. هذا تخبيط لا يقوله من يعلم ما يقول.
وقد قال الراغب الأصفهاني الأرض الجرم المقابل للسماء ويعبر بها عن أسفل الشيء كما يعبر بالسماء عن أعلاه.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي في تفسيره إنما سميت الأرض أرضًا لسعتها. وقيل لانحطاطها عن السماء وكل ما سفل فهو أرض وسميت السماء سماء لعلوها.
وقال القرطبي في تفسيره السماء للأرض كالسقف للبناء. ولهذا قال تعالى وقوله
[ ١١٦ ]
الحق (وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا) وكل ما علا وأظل قيل سماء.
وقيل أيضًا والسماء ما علا والأرض ما سفل.
وقال الجوهري وغيره من أئمة اللغة كل ما سفل فهو أرض.
وروى ابن جرير في تفسيره من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (والسماء بناء) فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة وهي سقف على الأرض وإذا كانت الأرض سافلة والسماء عالية عليها وسقفًا فوقها فلا يقول إن الأرض كوكب من جملة الكواكب التي قد جعلت زينة للسماء إلا من هو من أجهل الناس.
وبعد تحرير هذا الموضع وقفت على كلام للشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي رد به على من زعم أن الأرض كوكب من جملة الكواكب التي تدور حول الشمس، وقد رأيت أن أسوقه ههنا لما فيه من تحقيق الحق وإبطال الباطل.
قال في كتابه «المسائل الكافية، في بيان وجوب صدق خبر رب البرية» ما نصه:
(المسألة التاسعة والتسعون) في الجزء المذكور يعني الجزء الرابع عشر من مجموعة مجلة المنار - صفحة ٥٧٨ قال بعض أشياع محمد عبده مع مشاركة الشيخ رشيد رضا في بعض كلامه. ما هذه الأرض التي نعيش عليها. هي كوكب من الكواكب التي تدور بمركز الشمس وتسمى بالسيارات.
قال الشيخ الكافي في الرد عليه.
(قوله) هي كوكب. كذَب وافترى على الله تعالى من سماها كوكبًا لأن الله تعالى الذي خلقها سماها أرضًا.
والكوكب هو النجم ومحله العلو.
والكوكب من وصفه الإضاءة والإشراق والطلوع والأفول والأرض بخلاف ذلك.
وقوله من الكواكب التي تدور بمركز الشمس ممنوع لأنه تقدم أن الأرض ساكنة لا متحركة فارجع إليه إن شئت انتهى.
وكلامه الذي أشار إليه هنا وأنه قد تقدم قد ذكرته مستوفي مع الكلام على تكفير من يقول بحركة الأرض وسرها فليراجع هناك.
[ ١١٧ ]