ولو كان الأمر على ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لكان من في المشرق إذا أراد المغرب رفع طائرته في الهواء ثم أمسكها وقتًا يسيرًا حتى تصل إليه أقطار المغرب فينزل فيها.
وأما من في المغرب فلا يمكنه أن يسير إلى المشرق في مركب جوي أبدًا لأنه إذا رفع طائرته عن الأرض فاتته الأرض بسرعة سيرها. هذا على حد زعمهم. وكذلك الذين في الجنوب والشمال لا بد أن تفوتهم الأرض بسرعة سيرها فلا يهتدون إلى موضع قصدوه في مراكبهم الجوية.
ولما كانت هذه التقديرات منتفية وكان السير في الجو من الأقطار المتباينة مقاربًا بعضه بعضًا دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة.
ومن ذلك ما هو مشاهد من نهوض الطيور من أوكارها أو غيرها مما هي واقعة عليه وطيرانها في الهواء وذهابها يمينًا وشمالا ورجوعها إلى أوكارها أو غيرها من الأشجار والمواضع التي تقع عليها كثيرًا وهذا يدل على ثبات الأرض واستقرارها ولو كانت تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما رجعت الطيور إلى أماكنها من الأرض لأن الأرض تفوتها بسرعة سيرها.
ومثل ذلك الطائرات فإنها تطير من المطارات وتذهب نحو المشرق والمغرب والجنوب والشمال وربما عرض لها عارض يمنعها من مواصلة السير إلى المواضع التي يقصدها أهلها فترجع إلى المواضع التي طارت منها بعدما تنأى عنها بمسافة بعيدة، وهذا يدل على ثبات الأرض واستقرارها ولو كانت الأرض تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما رجعت الطائرات إلى مطاراتها أبدًا لأن الأرض تفوتها بسرعة سيرها.
ومن ذلك ما هو مشاهد من رمي الصيد والأهداف وإصابتها ولو كانت الأرض تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما أصاب الرامي صيدًا ولا هدفًا ولاسيما إذا كان الصيد أو الهدف بعيدًا عنه لأنه إذا أطلق السهم أو الرصاص فاتته الأرض بسرعة سيرها فلا يصيب السهم والرصاص ما وجهه الرامي نحوه.
ولما كانت إصابة الصيد والأهداف تقع من كثير من الرماة دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة.
فإن قيل إن الهواء تابع للأرض يسير بسيرها فلا تفوت الأرض إذا شيئًا مما يكون في الهواء فوقها.
فالجواب أن يقال هذا من أبطل الباطل لأن الهواء مستقل بنفسه وليس تابعًا للأرض
[ ٥٦ ]
قال الله تعالى في سورة الم تنزيل السجدة (الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش) الآية. وقال تعالى في سورة ق (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام) الآية. وقال تعالى في سورة الدخان (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين) وقال تعالى في سورة الأنبياء (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) وقال تعالى في سورة ص (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا) الآية. وقال تعالى في سورة الحجر (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) الآية. وقال تعالى في سورة الأحقاف (ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) الآية وقال تعالى في سورة ص (أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما) الآية. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الهواء مستقل بنفسه وليس تابعًا للأرض.
وكما أن كلًا من السماء والأرض مستقلة بنفسها وليست تابعة للأخرى فكذلك الهواء مستقل بنفسه وليس تابعًا للسماء ولا للأرض ولا يتصور أن يكون الهواء تابعًا لغيره إلا فيما يكون محجوزًا بالسقوف والجدر ونحوها كالهواء الذي يكون في داخل الطائرات والسيارات والمراكب ونحوها فإنه يسير بسيرها بخلاف ما يكون فوق سطوحها فإنه لا يكون تابعًا لها ولا يسير بسيرها كما هو معلوم عند كل عاقل. وما على وجه الأرض من الهواء شبيه بما على ظهور الطائرات من الهواء فكما أن ما على ظهور الطائرات من الهواء لا يتبعها ولا يسير بسيرها فكذلك ما على ظهر الأرض من الهواء لا يكون تابعًا لها والله أعلم.
وأيضًا فلو كان الهواء تابعًا للأرض وسائرًا بالسرعة الهائلة التي زعموها في سير الأرض كما ذكرنا قولهم في ذلك قريبًا فإنه لا يستطيع الطير ولا الطائرات أن تسبح فيه وتذهب شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا ثم ترجع إلى مواضعها من الأرض. ولما كان الطير يطير إلى حيث شاء من الجهات ثم يرجع إلى موضعه الذي طار منه وكانت الطائرات تسير على خطوط مستقيمة شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا ثم ترجع إلى المواضع التي طارت منها دل ذلك على أن الهواء ساكن لا يسير ولا يتحرك إلا أن تحركه ريح تهب فيه.
[ ٥٧ ]