عمرو ﵄ مع نصوص الأحاديث التي تأتي ترد هذا الزعم الكاذب.
وأيضًا فلو كانت الشمس قارة ساكنة والأرض تدور عليها لكانت الشمس هي المركز وكانت الأرض أقرب إلى السماء من الشمس وهذا باطل قطعًا لأن الشمس في السماء بنص القرآن قال الله تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا) وقال تعالى مخبرًا عن نوح ﵊ أنه قال لقومه (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا. وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا).
وأما الأرض فبعيدة من السماء كما يدل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي ذكرنا وما يأتي من حديث أبي هريرة وابن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي سعيد الخدري ﵃ في تقدير المسافة بين السماء والأرض بخمسمائة سنة وإذا كانت الشمس في السماء فمحال أن تدور الأرض عليها لأنها لو كانت تدور عليها لكانت تخترق السموات وهذا لا يقوله عاقل.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁ قال بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ «هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم قال هل تدرون ما فوقكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون كم بينكم وبينها قالوا الله ورسوله أعلم قال بينكم وبينها خمسمائة سنة ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن فوق ذلك سمائين ما بينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سموات ما بين كل سمائين كما بين السماء والأرض ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السمائين» الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن أبي حاتم والبزار وقال الترمذي هذا حديث غريب.
الرقيع السماء قال ابن الأثير فيه أنه قال لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعة يعني سبع سموات وكل سماء يقال لها رقيع
[ ٤٠ ]
والجمع أرقعة. وقيل الرقيع اسم سماء الدنيا فأعطى كل سماء اسمها انتهى.
الحديث السابع عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال «ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش ويعلم أعمالكم» رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد بإسناد صحيح على شرط مسلم.
ورواه أيضًا من وجه آخر ولفظه «ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وبصر كل سماء خمسمائة - يعني غلظها -» وذكر بقيته بنحوه.
وقد رواه الطبراني في الكبير بنحو الرواية الأولى قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح.
وهذا الحديث له حكم المرفوع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف.
الحديث الثامن عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله ﷺ «أتدرون ما هذا قال قلنا السحاب قال والمزن قلنا والمزن قال والعنان قال فسكتنا فقال هل تدرون كم بين السماء والأرض قال قلنا الله ورسوله أعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله ﵎ فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء) رواه الإمام أحمد والبغوي بهذا اللفظ.
وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في كتاب التوحيد والحاكم في مستدركه عن العباس ﵁ قال كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال ما تسمون هذه قالوا السحاب قال والمزن قالوا والمزن قال والعنان قالوا والعنان. قال أبو داود لم أتقن العنان جيدًا. قال ﷺ «هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض قالوا لا ندري قال إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك
[ ٤١ ]
حتى عد سبع سموات ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله ﵎ فوق ذلك».
هذا لفظ أبي داود ونحوه رواية الترمذي وابن ماجه. ورواية ابن خزيمة والحاكم مختصرة. وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب.
وهذه الرواية مخالفة لرواية الإمام أحمد والبغوي وما قبلها من حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وابن مسعود ﵃ وما سيأتي من حديث أبي سعيد ﵁ في مقدار المسافة بين السماء والأرض. وقد جمع بين الروايتين غير واحد من العلماء منهم ابن خزيمة في كتاب التوحيد وابن القيم في تهذيب السنن والذهبي.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى وأما اختلاف مقدار المسافة في حديثي العباس وأبي هريرة ﵄ فهو مما يشهد بتصديق كل منهما للآخر فإن المسافة يختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها. فسير البريد مثلا يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات. وهذا معلوم بالواقع فما تسيره الإبل سيرًا قاصدًا في عشرين يومًا يقطعه البريد في ثلاثة فحيث قدر النبي ﷺ بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد وحيث قدر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
وقال الذهبي لا منافاة بينهما لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو على سير القافلة مثلا. ونيف وسبعون سنة على سير البريد لأنه يصح أن يقال بيننا وبين مصر عشرون يومًا باعتبار سير العادة وثلاثة أيام باعتبار سير البريد انتهى.
الحديث التاسع عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى (وفرش مرفوعة) قال «ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام» رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب.
وفي حديث أبي سعيد ﵁ والأحاديث الثلاثة قبله دليل على استقرار
[ ٤٢ ]
الأرض وثباتها وقد تقدم إيضاح ذلك في الكلام على حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وهو الحديث الخامس فليراجع.
الحديث العاشر عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن» الحديث رواه البخاري.
الحديث الحادي عشر عن المقداد بن الأسود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل» الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
الحديث الثاني عشر عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها» الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني. قال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح غير القاسم بن عبد الرحمن وقد وثقه غير واحد.
الحديث الثالث عشر عن عقبة بن عامر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس» الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال الهيثمي إسناد الطبراني جيد.
الحديث الرابع عشر عن المقدام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «تدنو الشمس يوم القيامة حتى تكون من الناس قدر ميل ويزاد في حرها» الحديث رواه الطبراني.
الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس» الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي.
الحديث السادس عشر عن سلمان ﵁ قال «تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس» الحديث رواه الطبراني. قال المنذري وإسناده صحيح وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. قلت وله حكم المرفوع لأن مثله
[ ٤٣ ]
لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف وهذه الأحاديث السبعة وإن كانت من أخبار يوم القيامة ففيها دليل على أن الأرض قارة ثابتة لا تفارق موضعها. ولو كانت الشمس هي القارة الثابتة لكانت الأرض هي التي تدنى منها وهذا خلاف نصوص هذه الأحاديث والله أعلم.
فهذا ما يسره الله تعالى من الآيات والأحاديث الدالة على أن الشمس تسير وتدور على الأرض وإن الأرض قارة ثابتة بخلاف ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة من أن الشمس قارة ثابتة وأن الأرض تدور عليها. وحقيقة قولهم تكذيب الآيات والأحاديث التي ذكرنا واطراحها بالكلية وذلك هو الضلال البعيد. وقد قال الله تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين).
وقول أهل الهيئة الجديدة في الشمس والأرض دائر بين افتراء الكذب والتكذيب بالحق. ومن أعجب العجب أنه قد جعل في زماننا من الفنون المهمة التي تدرس في كثير من المدارس ويعتنى بها في كثير من الأقطار الإسلامية أكثر مما يعتنى بالعلوم الشرعية. وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل» الحديث متفق عليه.
وفي رواية «من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل». ولهما عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى ﵄ قالا قال النبي ﷺ «إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم» الحديث.
وقال الشعبي لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلا والجهل علمًا. رواه ابن أبي شيبة وله حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي ومثله لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف ومن أقبح الجهل وأظلم الظلم تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله ﷺ ومعارضة الآيات والأحاديث الصحيحة بأقوال أعداء الله تعالى وتخرصاتهم الكاذبة وآرائهم الفاسدة وتوهماتهم الخاطئة وتعلم ذلك وتعليمه.
وقد أخبرني غير واحد من الطلبة في بعض المعاهد أن بعض معلميهم من ذوي الجهل المركب صرح عنده بما يعتقده من استقرار الشمس ودوران الأرض حولها. فقال
[ ٤٤ ]