قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم» الحديث. قال الترمذي غريب.
وقد رواه الإمام أحمد بإسناد ضعيف ولفظه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «أتاني جبريل ﵇ فقال يا محمد إن أمتك مختلفة بعدك قال فقلت فأين المخرج يا جبريل قال فقال كتاب الله تعالى به يقصم الله كل جبار من اعتصم به نجا ومن تركه هلك مرتين قول فصل وليس بالهزل لا تختلقه الألسن ولا تفنى أعاجيبه فيه نبأ ما قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما هو كائن بعدكم».
وروى الطبراني من حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ نحو رواية الترمذي وإسناده ضعيف.
وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء» قال أبو الدرداء صدق والله رسول الله ﷺ تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء.
وروى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بنحوه قال المنذري وإسناده حسن.
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث في الحث على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وما فيها من النص على أن من تمسك بهما كان على الهدى ومن تركهما كان على الضلالة. فماذا يقال في الذين يعرضون عن أدلة الكتاب والسنة على جريان الشمس وثبات الأرض واستقرارها ويتمسكون بأقوال أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من ضعفاء البصيرة ويقدمونها على نصوص الكتاب والسنة.
الجواب أن يقال: لا شك أن هذا ضلال عن الصراط المستقيم وقد نهى النبي ﷺ عن سؤال أهل الكتاب كما سيأتي إيراده إن شاء الله تعالى. وغضب صلوات
[ ٤٨ ]
الله وسلامه عليه على عمر ﵁ غضبًا شديدًا لما رأى معه كتابًا استنسخه من بعض أهل الكتاب وكان فيه جوامع من التوراة. وكان عمر ﵁ في خلافته يعاقب من يكتب مما عند أهل الكتاب أشد العقوبة.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى حدثنا سريج بن النعمان أخبرنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال فغضب وقال «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني».
فيه مجالد ضعفه ابن معين ويحيى بن سعيد والدارقطني وغيرهم ووثقه النسائي وغيره وروى له مسلم مقرونًا بغيره وبقية رجاله رجال الصحيح.
وروى البزار عن جابر ﵁ قال نسخ عمر ﵁ كتابًا من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي ﷺ فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغير فقال رجل من الأنصار ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني».
فيه جابر الجعفي تركه يحيى القطان وقال النسائي متروك ووثقه شعبة وسفيان الثوري وقال وكيع ما شككتم في شيء فلا تشكوا أن جابر الجعفي ثقة.
وروى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء ﵁ قال جاء عمر بجوامع من التوراة إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زريق فتغير وجه رسول الله ﷺ فقال عبد الله بن زيد الذي أري الأذان أمسخ الله عقلك ألا ترى الذي بوجه رسول الله ﷺ فقال عمر رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا وبالقرآن إمامًا فسري عن رسول الله ﷺ ثم قال «والذي نفس محمد بيده لو كان موسى بين أظهركم ثم
[ ٤٩ ]
اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالًا بعيدًا أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين» قال الهيثمي فيه أبو عامر القاسم بن محمد الأسدي ولم أر من ترجمه وبقية رجاله موثقون.
وروى الإمام أحمد والطبراني عن عبد الله بن ثابت ﵁ قال جاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني مررت بأخ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك قال فتغير وجه رسول الله ﷺ قال عبد الله يعني ابن ثابت فقلت ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ فقال عمر رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولا قال فسري عن رسول الله ﷺ وقال «والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين».
قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلا أن فيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
قلت قد تقدم عن شعبة والثوري ووكيع أنهم وثقوه.
وروى البزار عن عبد الله بن ثابت الأنصاري ﵁ أن عمر ﵁ نسخ صحيفة من التوراة فقال رسول الله ﷺ «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلا جابر الجعفي.
وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن خالد بن عرفطة قال كنت جالسًا عند عمر ﵁ إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس فقال له عمر أنت فلان بن فلان العبدي قال نعم قال وأنت النازل بالسوس قال نعم فضربه بقناة معه قال فقال الرجل مالي يا أمير المؤمنين فقال له عمر اجلس فجلس فقرأ عليه (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ألر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون. نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) فقرأها عليه ثلاثًا وضربه ثلاثًا فقال له الرجل ما لي يا أمير المؤمنين فقال أنت الذي نسخت كتاب دانيال قال مرني بأمرك أتبعه قال انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحدًا من الناس فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة ثم قال اجلس فجلس بين يديه فقال انطلقت فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب ثم
[ ٥٠ ]
جئت به في أديم فقال لي رسول الله ﷺ «ما هذا في يدك يا عمر» قلت يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علمًا إلى علمنا فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار اغضب نبيكم ﷺ السلاح السلاح فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ فقال «يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارًا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون» قال عمر ﵁ فقمت فقلت رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبك رسولا ثم نزل رسول الله ﷺ. قال الهيثمي فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة.
قلت وقد روى له شاهد من وجه آخر عن سليم بن عامر أن جبير بن نفير حدثهم أن رجلين تحابا في الله بحمص في خلافة عمر ﵁ وكانا قد اكتتبا من اليهود ملء صفنين فأخذاهما معهما يستفتيان فيهما أمير المؤمنين وكان أرسل إليهما عمر ﵁ فيمن أرسل إليه من أهل حمص فقالا يا أمير المؤمنين إنا بأرض أهل الكتابين وإنا نسمع منهم كلامًا تقشعر منه جلودنا أفنأخذه منهم أم نترك قال لعلكما اكتتبتما منه شيئًا فقالا لا قال سأحدثكما إني انطلقت في حياة النبي ﷺ حتى أتيت خيبر فوجدت يهوديًا يقول قولا أعجبني فقلت هل أنت مكتبي مما تقول قال نعم قال فأتيته بأديم ثنية أو جذعة فأخذ يملي علي حتى كتبت في الأكرع رغبة في قوله فلما رجعت قلت يا رسول الله إني لقيت يهوديًا يقول قولا لم أسمع مثله بعدك قال لعلك كتبت منه قلت نعم قال ائتني به فانطلقت ارغب عن المشي رجاء أن أكون جئت نبي الله ﷺ ببعض ما يحبه فلما أتيت به قال اجلس فاقرأ علي فقرأت ساعة ثم نظرت إلى وجهه فإذا هو يتلون فتحيرت من الفرق فما استطعت أجيز منه حرفًا فلما رأى الذي بي رفعه ثم جعل يتتبعه رسمًا رسمًا فيمحوه بريقه وهو يقول «لا تتبعوا هؤلاء فإنهم قد هوكو وتهوكوا» حتى محا آخره حرفًا. قال عمر ﵁ فلو أعلم أنكما اكتتبتما منهم شيئًا جعلتكما نكالا لهذه الأمة قالا والله لا نكتب منهم شيئًا أبدًا فخرجا بصفنيهما فحفرا لهما من الأرض فلم يألوا أن يعمقا ودفناهما فكان آخر العهد منهما رواه الإسماعيلي
[ ٥١ ]
والطبراني وأبو نعيم في الحلية من طريقه. قال الجوهري الصفن خريطة الراعي فيها طعامه وزناده وكذا ذكر ابن منظور في لسان العرب عن أبي عمرو أنه قال الصفن بالضم خريطة تكون للراعي فيها طعامه وزناده وما يحتاج إليه. قال ابن منظور وقيل هي السفرة التي تجمع بالخيط وتضم صادها وتفتح.
ونقل عن أبي عبيد أنه قال سمعت من يقول الصفن بفتح الصاد والصفنة أيضًا بالتأنيث. وعن ابن الأعرابي الصفنة بفتح الصاد هي السفرة التي تجمع بالخيط ومنه يقال صفن ثيابه في سرجه إذا جمعها. وقال أبو عبيد الصفنة كالعيبة يكون فيها متاع الرجل وأداته فإذا طرحت الهاء ضممت الصاد وقلت صفن.
وأما التهوك فقال الجوهري هو التحير قال والتهوك أيضًا مثل التهور وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة.
وقال ابن الأثير التهوك كالتهور وهو الوقوع في الأمر بغير روية والمتهوك الذي يقع في كل أمر وقيل هو التحير.
وقال ابن منظور التهوك السقوط في هوة الردى وإنه لمتهوك لما هو فيه أي يركب الذنوب والخطايا والمتهوك الذي يقع في كل أمر.
وروى الإسماعيلي وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال كان ناس من أصحاب النبي ﷺ يكتبون من التوراة فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «إن أحمق الحمق وأضل الضلالة قوم رغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى نبي غير نبيهم وإلى أمة غير أمتهم» ثم أنزل الله تعالى (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون).
وإذا كان هذا قوله ﷺ للذين كتبوا جوامع من التوراة مع ما ذكرنا عنه ﷺ من الغضب على عمر ﵁ لما رأى معه الكتاب الذي استنسخه من بعض أهل الكتاب ليزداد به علمًا فكيف لو رأى الذين يرغبون عن نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بجريان الشمس وفيما يتعلق بغيرها من الأجرام العلوية وبالسموات والأرض ويقدمون عليها أقوال الفلاسفة الدهريين مثل كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من أهل الهيئة الجديدة الذين لا يعتمدون في أقوالهم على
[ ٥٢ ]
كتاب من الكتب المنزلة من السماء وإنما يعتمدون على أرصادهم وآرائهم وتخرصاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان. وما أكثر الذين يميلون إلى أقوالهم الباطلة في زماننا ويتلقونها بالقبول والتسليم ويرون أنها هي العلم الصحيح وما خالفها فهو عندهم مردود ولو كان من نصوص الكتاب والسنة وكأنهم يرون أن القرآن إنما أنزل لمجرد التلاوة لا للعمل به واعتقاد ما جاء فيه. ولو أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى أمثال هؤلاء لما كان يكتفي في عقوبتهم بالضرب فقط بل كان يقتلهم كما قتل الذي لم يرض بالتحاكم إلى رسول الله ﷺ.
ومن أين لنا الآن مثل عمر ﵁ الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم.
وخلاصة القول أنه يجب على المسلم أن يتمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ويعض عليهما بالنواجذ ويقدمهما على ما سواهما ولا يقدم عليهما شيئًا البتة. وأن يكتفي بهما وبما عند المسلمين من العلوم النافعة المستفادة منهما، ومن لم يكتف بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما عند المسلمين من العلوم المستفادة منهما بل ذهب يطلب غير ذلك من أقوال الكفار والمنافقين وآرائهم وتخرصاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان فأبعده الله وأسحقه.
فصل