السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فقدرتهم عاجزة عن اكتشاف القمر وتحقيق الأمر فيه.
وقد أخطأ الألوسي في إطلاقه وصف الحكمة على الهيئة الجديدة ههنا وفي صفحة ١٣٠ والصواب أنها الجهل الكثيف وعين المحادة لله ولرسوله ﷺ.
وقد اختلف العلماء في تفسير الحكمة. فقال السدي هي النبوة. وقال ابن عباس ﵄ وقتادة هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله. وقال الضحاك القرآن والفهم فيه. وقال مجاهد هي القرآن والعلم والفقه. وعنه أيضًا أنه قال هي الإصابة في القول والفعل، وقال أبو العالية الحكمة خشية الله. وعنه أيضًا الحكمة الكتاب والفهم، وقال إبراهيم النخعي الحكمة الفهم. وقال أبو مالك الحكمة السنة. وقال مالك الحكمة الفقه في دين الله.
قال ابن كثير والصحيح أن الحكمة كما قاله الجمهور لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها وأعلاها النبوة والرسالة أخص ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع كما جاء في بعض الأحاديث «من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه» رواه وكيع بن الجراح في تفسيره.
وقال النووي في تفسير الحكمة أقوال كثيرة مضطربة صفا لنا منها أن الحكمة العلم المشتمل على المعرفة بالله مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده والحكيم من حاز ذلك.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد ما ذكر كلام النووي: وقد تطلق الحكمة على القرآن وهو مشتمل على ذلك كله وعلى النبوة كذلك. وقد تطلق على العلم فقط وعلى المعرفة فقط ونحو ذلك.
وقال أيضًا وأصح ما قيل في الحكمة أنها وضع الشيء في محله أو الفهم في كتاب الله فعلى التفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان وقد لا توجد. وعلى الأول فقد يتلازمان لأن الإيمان يدل على الحكمة انتهى.
ومما ذكرنا من أقوال العلماء في الحكمة يتضح لطالب العلم أنه لا حظ لأهل الهيئة الجديدة في الحكمة وأنهم بعيدون منها غاية البعد فهم منها كما قيل:
[ ١٣٦ ]
سارت مشرِّقة وسرت مغرّبًا شتان بين مشرّق ومغرّب
وقد كان مشركو قريش يكنون أبا جهل بأبي الحكم فغيّر النبي ﷺ ذلك وكناه بأبي جهل.
وهكذا يقال في أعداء الله تعالى من أهل الهيئة الجديدة وأشباههم من الفلاسفة المشركين أنهم أهل الجهل لا أهل الحكمة لأن صفة الجهل هي المطابقة لحالهم على الحقيقة فوصفهم بذلك هو الذي يليق بهم كأبي جهل.
وقد قال الله تعالى (ويؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا).
والحكمة هي ما أنزله الله على أنبيائه الكرام من العلم النافع. قال الله تعالى مخاطبا لنبيه محمد ﷺ (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم).
وقال تعالى بعد ذكر الأوامر والنواهي في أول سورة الإسراء: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) قال البغوي وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمة.
وقال تعالى (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة) وآل إبراهيم هم الأنبياء بعده.
وقال تعالى في ذكر عيسى ﵊ (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل).
وإذا كانت الحكمة منزلة على الأنبياء فلورثتهم وهم العلماء العاملون حظ منها كل بحسبه. قال الله تعالى (ولقد آتينا لقمان الحكمة). وفي الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان والنسائي وابن ماجه.
فأما الفلاسفة المشركون فهم أعداء الأنبياء وليس لهم من الحكمة الموروثة عن الأنبياء حظ ولا نصيب البتة وبسبب كفرهم وعنادهم فقد أوتوا شرًا كثيرًا وجهلًا عظيمًا، ومع هذا يزعمون ويزعم المقلدون لهم أنهم من أهل الحكمة ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون.
[ ١٣٧ ]