وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز).
فصل
وقد صرح بعض المحققين بتكفير من يقول بحركة الأرض وسيرها. قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه «المسائل الكافية. في بيان وجوب صدق خبر رب البرية» بعد الخطبة ما ملخصه:
أما بعد فيقول أسير ذنبه المفتقر لعفو ربه محمد بن يوسف المعروف بالكافي إنه ضمنا مجلس في منزل الفاضل شيخ القراء الشيخ محمد سليم الحلواني يوم الأضحى من سنة ١٣٥١ المنصرمة فسألني بعض الحاضرين عن حكم من يقول بحركة الأرض وسيرها فأجبته بأنه كافر فقال لي وبماذا تكفره فقلت له لتكذيبه الله تعالى في خبره لأن الله ﷾ أخبر في عدة آيات بعدم تحركها والله ﷾ يستحيل عليه الكذب وما في معناه.
فاستعظم الحاضرون مني ذلك وقالوا التكفير بعيد لأنه يلزم عليه تكفير كثير من الناس.
وكان من جملة الحاضرين شيخ كبير فقال التكفير دونه خرط القتاد. والذي يظهر لي أنه تلفظ بهذه الجملة ولم يفقه معناها فخطر ببالي بعد انصرام المجلس أن أجمع مسائل رأيت بعضها منصوصًا وسمعت البعض الآخر وكلها على خلاف عقائد المسلمين من حيث إن فيها تكذيب خبر رب العالمين تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. وأن أبين الحق فيها الذي يجب اعتقاده. وذكرت قبل المسائل تتمات يحتاج إليها الناظر في المسائل. ثم قال:
(التتمة الأولى) متعلقة بالقرآن العظيم من حيث إنه قرآن عربي غير ذي عوج فلا يعدل في بيان مفرداته وجمله عما يقتضيه لسان العرب فمن عدل به عن ذلك فقد ألحد في آيات ربه.
[ ٦١ ]
(التتمة الثانية) أن ما أكتبه هو نقل صريح بحت لا دخل للعقل فيه ولا للتخمين أيضًا فمن كان له ساعد قوي وأراد معارضتي في شيء مما أكتبه فليعارضني بنقل صريح من مادة ما أنقله. أعني إذا ذكرت آية أو حديثًا أو قول بعض العلماء. فليعارضني بآية أو حديث أو قول بعض العلماء على سبيل اللف والنشر المرتب.
وأما إذا ذكرت آية أو حديثًا وعارضني بقول أحد العلماء مجردًا عما يعضده من آية أو حديث فمعارضته مردودة عليه لا يصغى إليها ولا ينظر فيها.
(التتمة الثالثة) أن مرادي بما أكتبه هو تنبيه وإيقاظ من يكون في اعتقاده شك أو ريب فيما يعتقده المسلمون. والحال أن أصوله مسلمون ولكن لتربيته على يد غير المسلمين أو لمطالعته كتب غير المسلمين اكتسب هذا الاعتقاد المخرج له عن دائرة الإسلام فلعله إذا اطلع على ما أنقله وأسطره يرجع إلى حوزة الإسلام ويكون فردًا من أفراد المسلمين وما ذلك على الله بعزيز.
(التتمة الرابعة) اتفق العلماء على أن من قال قولا أو اعتقد اعتقادًا يوجب تكذيب الله تعالى في خبره كحركة الأرض وسيرها المخبر الله تعالى بعدم حركتها أو قال أو اعتقد أن السماء جو وفضاء لا بناء المخبر الله تعالى بأنها بناء شديد وسقف محفوظ لا يحكم عليه بالكفر بمجرد ذلك بل يحكم عليه إذا وقف على عقيدة المسلمين في تلك العقيدة أو العقائد وعاند ولم يرجع إلى معتقد المسلمين.
ثم شرع الشيخ الكافي في ذكر المسائل إلى أن قال:
(المسألة الموفية عشرين) الأرض من حيث حركتها وسكونها عقيدة المسلمين الذين لم تشرب قلوبهم حب أهل الكفر أنها ساكنة وثابتة ومرساة بالجبال كإرساء البيت بالأوتاد وكإرساء السفن في مرساها لربطها بالحبال في الأوتاد أو إنزال المخاطيف الهائلة من الحديد فتنزل في الأرض فتكون لها كالأوتاد للبيت أو يجعل فيها الأجرام الثقيلة لتثقل بها حتى لا تميد في مرساها أي لا تتحرك يمينًا ولا شمالًا ولا أمامًا ولا خلفًا وهذا هو الذي أراد الله تعالى في إرساء الأرض بالجبال بحيث لا تتحرك أصلا أي لا حركة منتظمة ولا غير منتظمة. قال الله تعالى ممتنا على عباده (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) ومعلوم أن القرآن نزل بلسان العرب. وتقدم في التتمات أن من أخرج مفرداته وجمله
[ ٦٢ ]
عما يقتضيه لسانهم فقد ألحد في آيات ربه تعالى في مختار الصحاح ماد تحرك ومادت الأغصان تمايلت وماد الرجل تحرك.
وفي القاموس ماد يميد ميدًا وميدانًا تحرك وزاغ وزكا والسراب اضطرب والرجل تبختر. أ. هـ محل الحاجة منه.
في المختار مار من باب قال تحرك وجاء وذهب ومنه قوله تعالى (يوم تمور السماء مورًا) قال الضحاك تموج موجًا. وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ.
في القاموس والمور الموج والاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك.
في المختار ماج البحر من باب قال اضطربت أمواجه.
في القاموس الموج اضطراب أمواج البحر.
في القاموس واضطرب تحرك وماج.
في المختار رسا الشيء ثبت وبابه عدا ومرسى أيضًا بفتح الميم ورست السفينة وقفت على الانجر وبابه عدا وسما.
قلت قال الأزهري في نجر الأنجر مرساة السفينة وهو اسم عراقي وقوله تعالى (بسم الله مجراها ومرساها) سبق في جرى. والمرساة التي ترسي بها السفينة تسميه الفُرس لنكر. والرواسي من الجبال الثوابت الرواسخ واحدتها راسية.
في القاموس رسا رَسُوا ورُسُوا ثبت كارسي والسفينة وقفت على الانجر وارسيته، وقال والمرساة أنجر السفينة، وقال وألقت السحاب مراسيها استقرت. وقال وقدور راسية لا تبرح مكانها لعظمها أ. هـ.
وقال تعالى (ألم نجعل الأرض مهادًا. والجبال أوتادا) في القاموس الوتد وبالتحريك وككتف ما رز في الأرض أو الحائط من الخشب. وقال وأوتاد الأرض الجبال أ. هـ.
فالسفينة إما جارية وإما راسية ولا واسطة بين الحالتين لها.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في تفسير قوله تعالى (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) الآية. قال كان إذا أراد أن ترسى قال بسم الله فأرست وإذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى (يوم تمور السماء مورًا) أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في
[ ٦٣ ]
قوله تعالى (يوم تمور السماء مورًا) قال تحرك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (يوم تمور السماء مورًا) قال تدور دورًا أ. هـ.
وفي الدر المنثور على قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي) أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد قال إن الله لما خلق الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة ما هذه بمقرة أحدًا على ظهرها فأصبحت صبحًا وفيها رواسيها فلم يدروا من أين خلقت أ. هـ محل الحاجة.
وفيه أيضًا وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى في سورة لقمان (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) قال حتى لا تميد بكم كانوا على الأرض تمور بهم لا يستقر بها فأصبحوا صبحًا وقد جعل الله الجبال وهي الرواسي أوتادًا في الأرض أ. هـ.
في تفسير ابن عباس ﵄ في سورة والنازعات (والجبال أرساها) أوتدها.
وفيه أيضًا في تفسير سورة النبأ (والجبال أوتادًا) لها لكي لا تميد بهم.
وفيه أيضًا في تفسير سورة النحل على قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي) الجبال الثوابت (أن تميد) لكي لا تميد (بكم) الأرض أ. هـ.
والعرب لا تفهم من الأوتاد إلا ثبوت ما ربط بها ولا من الإرساء إلا ثبوت المرسى بها.
وسأذكر عقيدة داروين في الأرض وفي آدم ﵊. قال أبو السعود على قوله تعالى (وجعل فيها رواسي) أي جبالا ثوابت في أحيازها من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة.
وقال في قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي) أي جبالا ثوابت (أن تميد بكم) كراهة أن تميد بكم وتضطرب أو لئلا تميد بكم فإن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة الطبع وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو تتحرك بأدنى سبب محرك فلما خلقت الجبال تفاوتت حافاتها وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد، وقيل لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة ما هي بمقرة أحدًا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال أ. هـ.
[ ٦٤ ]
قال الرازي على قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) أي جبالا راسية أن تميد بكم أي كراهة أن تميد بكم. وقيل المعنى أن لا تميد بكم.
واعلم أن الأرض ثباتها بسبب ثقلها وإلا كانت تزول عن موضعها بسبب الماء والرياح ولو خلقها مثل الرمل لما كانت تثبت للزراعة كما ترى الأرض الرملية ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع.
ثم قال تعالى (وبث فيها من كل دابة) أي فلكون الأرض فيها مصلحة حركة الدواب أسكنا الأرض وحركنا الدواب ولو كانت الأرض متزلزلة وبعض الأراضي لا يناسب بعض الحيوانات لكانت الدابة لا تعيش في موضع تقع في ذلك الموضع فيكون فيه هلاك الدواب. أما إذا كانت الأرض ساكنة والحيوانات متحركة تتحرك في المواضع التي تناسبها وترعى فيها وتعيش فيها فلا أ. هـ.
وقال في سورة الأنبياء (المسألة الثانية) الرواسي الجبال والراسي هو الداخل في الأرض.
«المسألة الثالثة» قال ابن عباس ﵄ أن الأرض بسطت على الماء فكانت تتكفأ بأهلها كما تتكفأ السفينة لأنها بسطت على الماء فأرساها الله بالجبال الثقال أ. هـ.
قال مفتي الثقلين في سورة النبأ (ألم نجعل الأرض مهادًا والجبال أوتادًا) لها أرساها بها كما يرسى البيت بالأوتاد أ. هـ.
وقال في سورة والنازعات. والجبال منصوب بمضمر يفسره أرساها أي أثبتها وأثبت بها الأرض أن تميد بأهلها. وهذا تحقيق للحق وتنبيه على أن الرسو المنسوب إليها في مواضع كثيرة من التنزيل بالتعبير عنها بالرواسي ليس من مقتضيات ذواتها بل هو بإرسائه ﷿ ولولاه ما ثبتت في أنفسها فضلا عن إثباتها الأرض أ. هـ.
قال البيضاوي في سورة الرعد (وهو الذي مد الأرض) بسطها طولا وعرضًا تثبت فيها الإقدام وينقلب عليها الحيوان (وجعل فيها رواسي) جبالا ثوابت من رسا الشيء إذا ثبت جمع راسية. وقال في سورة النحل (وألقى في الأرض رواسي) جبالا رواسي (أن تميد بكم) كراهة أن تميد بكم وتضطرب وذلك لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو أن تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها
[ ٦٥ ]
وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة ما هي بمقرة أحدًا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال أ. هـ.
فمن قال واعتقد أنها متحركة وسائرة بانتظام تقليدًا لداروين ولمن كان على مذهبه وتاركًا لعقيدة المسلمين واستمر مصممًا على ذلك يكفر لتكذيبه الله تعالى في خبره (والجبال أرساها) (والجبال أوتادًا).
ثم قال الشيخ الكافي.
(المسألة الحادية والعشرون) أذكر فيها ما كتبته في «الأجوبة الكافية. على الأسئلة الشامية» ورددت به مقالة في منار رشيد رضا وأدرج فيها ما قاله داروين في شأن الأرض وفي شأن آدم ﵊.
قال صاحب المنار في صفحة ٥٧٧ من الجزء الرابع عشر «علم الفلك والقرآن. نظرة في السموات والأرض». وفي صفحة ٥٥٨ «ما هي هذه الأرض التي نعيش عليها. هي كوكب من الكواكب التي تدور بمركز الشمس وتسمى بالسيارات.
أقول يعتقد صاحب هذا الكلام أن الأرض متحركة طائفة بمركز الشمس وليست راسية. ومائدة وليست بثابتة. وسابحة وليست موثقة بالجبال. وهذا مذهب داروين الطبيعي ومن تبعه كأصحاب هذه المجلة.
قال داروين في كتاب النشو والارتقاء في صفحة ٢٣٨ أن الأوهام التي تقاضت الإنسان حياته زمنًا طويلا وكانت أعظم أسباب شقائه ودواعي عنائه اثنان عظيمان وهما. أولا اعتقاده القديم في الأرض أنها مركز تدور حوله الأفلاك. وثانيًا اعتقاده في نفسه أنه من أصل سماوي فأهبطه الخالق من فسيح جنانه ولم ذا، وأسكنه ضيق أرضه - إلى أن قال - ومنها أرضنا المتحركة حول مركز الشمس خلافًا لمن يظن أن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها خدمة لها أ. هـ.
واعتقاد المسلمين كافة بأن الأرض ثابتة تبعًا لما امتن الله به علينا بقوله ﷾ في سورة لقمان (خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) أي لئلا تميد بكم.
[ ٦٦ ]
وفي عم يتساءلون (ألم نجعل الأرض مهادًا. والجبال أوتادًا) وفي النازعات (والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها دماءها ومرعاها. والجبال أرساها) وغير ذلك من الآيات الدالة على ثبوت الأرض وعدم تحركها.
في مختار الصحاح ماد الشيء تحرك. وفي القاموس ماد يميد ميدًا وميدانًا تحرك وزاغ. وفيه رسا رسوا ثبت كارسي.
فالله ﷾ أخبر بثبوتها وعدم تحركها وطوافها حول مركز الشمس. وداروين ومن تبعه أخبروا بحركتها وطوافها حول مركز الشمس. فمن هو العالم بوصفها الحقيقي. الجواب. الله (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). فمن الصادق في خبره، الجواب. الله الصادق (ومن أصدق من الله حديثًا).
فإذا ثبت هذا فمن الواجب اتباعه في خبره. الجواب اتباع خبر الله تعالى لأن خبره صدق يستحيل عليه الكذب وما في معناه وطرح خبر الغير وراء الظهر.
ومعتقد خلاف دين المسلمين كافر بلا ريب. ثم اتل قوله ﷾ (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا).
ثم قال الشيخ الكافي:
(المسألة الثانية والعشرون) في تحقيق أن من قال بحركة الأرض يعد مكذبًا الله تعالى في خبره عقلا أيضًا وذلك أن الوصفين إما أن يكون بينهما التماثل كالبياض وبياض آخر. وإما أن يكون بينهما مطلق المغايرة كالقيام والضحك. وإما أن يكون بينهما التضاد. وإما أن يكون بينهما التناقض. فالمثلان لا يحتاجان إلى تعريف. وأما الخلافان فحقيقتهما هما اللذان يجتمعان كأن يكون الشخص قائمًا يضحك. ويرتفعان كأن يكون جالسًا يبكي، وأما الضدان فهما الأمران الوجوديان كالبياض والسواد لا يجتمعان كأن يكون الشيء أبيض أسود في آن واحد، وقد يرتفعان كأن يكون الشيء أصفر أو أخضر مثلًا. وأما النقيضان فهما الأمران الوجوديان اللذان بينهما غاية الخلاف لا يجتمعان ولا يرتفعان بل أحدهما ثابت ولا بد وذلك كزيد قائم، زيد ليس بقائم. أو الأرض ساكنة، الأرض ليست بساكنة. أو الأرض متحركة. الأرض ليست بمتحركة، فإذا صدق
[ ٦٧ ]