وإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين، ثم ذكر رحمه الله تعالى أن التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين مما يجب القتال عليه.
ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن القول بجريان الشمس في الفلك وإتيانها من المشرق وذهابها نحو المغرب هو الذي كان عليه جماعة المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى زماننا ولا يعرف عن أحد من المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة خلاف في ذلك. وقد تقدمت الأحاديث في ذلك وكذا أقوال المفسرين من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم.
ولما ظهر أهل الهيئة الجديدة في آخر القرن العاشر من الهجرة وما بعده وهم كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من فلاسفة الإفرنج أصحاب الرصد والزيج الجديد أظهروا خلاف ما كان عليه المسلمون فقالوا إن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وإنها مركز العالم وأن الأرض والنجوم تدور عليها وقد قلدهم في ذلك كثير من ضعفاء البصيرة من العصريين فخالفوا ما كان عليه جماعة المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى زماننا.
وهؤلاء ينبغي أن يوضح لهم الحق الذي جاء به القرآن والسنة فمن أصر منهم بعد ذلك على المخالفة فهو كافر حلال الدم والمال لأنه قد عاند الحق على بصيرة وأصر على تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله ﷺ. وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا).
قال الفضل بن زياد القطان سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة.
وقال الفضل أيضًا عن أحمد بن حنبل قال بلغ ابن أبي ذئب أن مالكًا لم يأخذ بحديث «البيعان بالخيار» فقال يستتاب في الخيار فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
[ ٩٨ ]
قال مالك لم يرد الحديث ولكن تأوله على غير ذلك.
وكذا قال إبراهيم بن هانئ النيسابوري سمعت أبا عبد الله يقول بلغ ابن أبي ذئب أن مالك بن أنس قال ليس البيعان بالخيار فقال ابن أبي ذئب يستتاب مالك فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وإذا كان هذا قول ابن أبي ذئب في الإمام مالك من أجل حديث واحد تأوله على غير تأويله فكيف بالذين يردون النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة ويعارضونها بأقوال أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من الأغبياء فهؤلاء أولى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.
الوجه التاسع أن الصواف قد اعترف أن من كذب الله وكتابه ورسوله فهو كافر مرتد ومجرم أثيم. قال وعليه غضب الله ولعنته إلى يوم الدين.
فيقال له التكذيب يكون تارة بالمقال وتارة بالفعل ولسان الحال. ومن التكذيب بالفعل ولسان الحال رد النصوص الدالة على جريان الشمس ودؤبها في ذلك واعتقاد أن الحق ما قاله أهل الهيئة الجديدة من ثباتها واستقرارها. فمن فعل ذلك فقد كذب الله تعالى وكتابه ورسوله ﷺ شآء أم أبى.
وحينئذ فما يؤمن الصواف أن تكون لعنته ودعاؤه بالغضب راجعًا عليه وهو لا يشعر.
الوجه العاشر ما ذكره الصواف في أول كلامه من الخلاف القديم والحديث في جريان الشمس وثبات الأرض فيه إيهام وتمويه على الجهال.
فإن أراد أن الخلاف القديم كان بين المسلمين وهو الظاهر من كلامه فليس ذلك بصحيح فإنه لا خلاف بين المسلمين في جريان الشمس وثبات الأرض.
وقد تقدم ما حكاه الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي من إجماع أهل السنة على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها.
وتقدم أيضًا ما حكاه القرطبي من إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك.
وإن أراد بالخلاف القديم ما كان بين بطليموس وفيثاغورس فهو صحيح ولكن لا ينبغي ذكر مثل هذا الخلاف بدون ذكر الطرفين المختلفين لأن ذكر الخلاف مع الإطلاق يوهم أنه بين المسلمين وليس الأمر كذلك.
[ ٩٩ ]
وأما الخلاف الحديث فهو ما كان بين المتمسكين بالكتاب والسنة وبين أهل الهيئة الجديدة ومقلديهم من العصريين. ولا ينبغي أن يلتفت إلى خلاف أعداء الله ومقلديهم لأنه خلاف في مقابلة النصوص والإجماع فلا يعتد به.
فصل
قال الصواف. ولكن هل من قال بحركة الأرض ودورانها حول الشمس بقدرة الله وبثبوت الشمس حول محورها وحركتها حول نفسها بأمر الله هل يعتبر هذا مكذبا لله ولرسوله ومكذبا لكتاب الله حتى يحكم عليه بالردة والكفر. إنني هنا أتوقف ولا أود أن أتعجل بمثل هذا الحكم في أمور أقل ما يقال فيها أنها ظنية وليست قطعية الدلالة.
والتوقف فيها أو تفويض الأمر فيها إلى الله العلي القدير أسلم وأحكم وأراكم قد تعجلتم في أمر كانت لكم فيه أناة وفي التأويل مندوحة.
والجواب عن هذا من وجوه، أحدها أن يقال من قال بحركة الأرض ودورانها على الشمس فقد خالف الأدلة الكثيرة الدالة على سكونها وثباتها، وخالف أيضا إجماع المسلمين على ذلك.
وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث الدالة على سكون الأرض وثباتها فلتراجع.
وتقدم أيضا ذكر الإجماع على ذلك وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا).
ومن قال بثبات الشمس فهو مكذب لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى ولو قال مع ذلك أن لها حركة على نفسها فإن ذلك لا يفيده شيئا لأن الله تعالى أثبت لها الجريان في عدة آيات من كتابه وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع.
والجريان ضد الثبات والاستقرار كما قال تعالى عن سفينة نوح ﵇ (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) الآية ففرق تعالى بين جري السفينة في الماء وبين رسوها وهو ثباتها واستقرارها على جبل الجودي.
وعلى هذا فمن نفى عن الشمس الجريان في الفلك وأثبت لها السكون والاستقرار
[ ١٠٠ ]
فقد قلب الحقيقة التي أخبر الله بها في كتابه وأخبر بها رسوله ﷺ فيكون مكذبا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى.
والقول بأن الشمس ثابتة حول محورها وأن لها حركة حول نفسها ينافي جريانها في الفلك كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة وأيضا فقد قال الله تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) وقال تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون).
وقد تقدم تفسير السبح في لغة العرب وأنه المر السريع في الماء وفي الهواء. وعلى هذا فمن زعم أن الشمس ثابتة فقد نفى عنها السبح الذي أثبته الله لها فيكون مكذبا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى.
وأيضا فقد قال الله تعالى (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) الآية، والدأب في لغة العرب إدامة السير والمبالغة فيه. وعلى هذا فمن زعم أن الشمس ثابتة لا تسير على الدوام فقد نفى عنها ما أثبته الله لها من الدأب في السير فيكون مكذبا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى.
وأيضا فقد قال الله تعالى (قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) الآية. وهذا نص صريح في أن الشمس تسير فتأتي من المشرق وتذهب نحو المغرب، فمن زعم أنها ثابتة لا تفارق موضعها فهو مكذب لما أخبر الله به في هذه الآية الكريمة، ومكذب لكتاب الله تعالى ولرسوله ﷺ شاء أم أبى.
وأيضا فإن الله تعالى قد أثبت للشمس البزوغ في آية من كتابه والطلوع في آيات أخر وأثبت لها الأفول في آية والغروب في آيات أخر. وأثبت لها أيضا الدلوك والتزاور. وفي كل من هذه الأمور دليل على سيرها. فمن زعم أنها ثابتة فقد نفى عنها ما أثبته الله لها من هذه الأمور فيكون مكذبا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى.
وأيضا فإن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ «أتدرون أين تذهب هذه الشمس قالوا الله ورسوله أعلم قال إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها
[ ١٠١ ]
تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فقال رسول الله ﷺ أتدرون متى ذاكم. ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا» متفق عليه وهذا لفظ مسلم.
وقد أخبر النبي ﷺ عن يوشع بن نون ﵇ أنه قال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه. رواه الإمام أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة ﵁.
وعنه أيضًا ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس» رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط البخاري.
وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار رواه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي وإسناده حسن.
وروى الإمام أحمد وابنه عبد الله وابن خزيمة وأبو يعلى والطبراني بأسانيد جيدة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صدق أمية بن أبي الصلت في قوله:
والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد
تأبى فما تطلع لنا في رسلها إلا معذبة وإلا تجلد
فقال النبي ﷺ «صدق»:
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب».
وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس».
[ ١٠٢ ]
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه رواه أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح.
وروى مالك والشافعي وأحمد والنسائي بأسانيد صحيحة عن عبد الله الصنابحي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم استوت قارنها فإذا زالت فراقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها».
وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال قلت يا رسول الله أي الليل أسمع قال جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح أو رمحين فإنها تطلع بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار ثم صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله ثم أقصر فإن جهنم تسجر وتفتح أبوابها فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي العصر ثم أقصر حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار» وقد رواه الترمذي مختصرًا وقال هذا حديث حسن صحيح غريب.
وفي هذه الأحاديث الصحيحة أوضح دليل على جريان الشمس في الفلك ودورانها على الأرض. فمن نفى ذلك عنها وزعم أنها ثابتة لا تفارق موضعها فهو مكذب لما أخبر به رسول الله ﷺ في هذه الأحاديث شاء أم أبى.
ومن كذب الرسول ﷺ فهو مكذب لله تعالى ولكتابه لأن الرسول ﷺ إنما كان مبلغًا عن الله تعالى. وقد قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) وقال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون).
وإذا علم ما ذكرنا فلا مانع من إطلاق الردة على من علم بهذه الأدلة أو بشيء منها ثم نبذها وراء ظهره وتمسك بما خالفها من أقوال أهل الهيئة الجديدة التي ما أنزل الله بها من سلطان وإنما هي من وحي الشيطان وتضليله.
الوجه الثاني أن القول بثبات الشمس وحركتها على نفسها هو مما تخيله أهل الهيئة
[ ١٠٣ ]
الجديدة وتخرصوه ذكره الألوسي عنهم. وهؤلاء كما قال الله تعالى في أشباههم (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغن من الحق شيئًا. فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) وقال تعالى (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).
وقد تقدم أن هذا القول ينافي ما أخبر الله به من جريان الشمس في الفلك ودؤبها في السير فيه.
وأهل الهيئة الجديدة هم سلف الصواف وأشباهه من العصريين وعلى أقوالهم الباطلة بنى الصواف تعقيبه على الشيخ ابن باز وبها يجادل ليدحض الحق. وقد قال الله تعالى (والعاقبة للمتقين) وقال تعالى (والعاقبة للتقوى) وقال تعالى (وإن جندنا لهم الغالبون) وقال تعالى (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).
وروى الإمام أحمد وأبو داود والطبراني والحاكم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع».
الوجه الثالث أن الحق في هذا هو ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين من جريان الشمس في الفلك بقدرة الله تعالى وثبات الأرض واستقرارها بأمر الله تعالى. لا ما زعمه الصواف مما هو قلب للحقيقة.
الوجه الرابع من أوابد الصواف وعظيم جراءته زعمه أن النصوص الدالة على جريان الشمس ظنية وليست قطعية الدلالة.
والجواب عن هذا الإفك المبين أن نقول. سبحانك هذا بهتان عظيم.
وفي هذا القول الوخيم دليل على فساد تصور قائله.
وكيف لا يكون كذلك وهو يرى أن نصوص الكتاب والسنة على إثبات جريان الشمس ظنية وليست قطعية الدلالة. وأن الحق فيما تخيله كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهم من أهل الهيئة الجديدة وما تخرصوه من ثبات الشمس واستقرارها
[ ١٠٤ ]
وأن هذا من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان.
يا سبحان الله العظيم، أيكون وحي الرحمن إلى رسوله محمد ﷺ ظنيًا وليس قطعي الدلالة، ويكون وحي الشيطان إلى أوليائه من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان. هذا قول باطل ورعونة وسفه لا يقوله إلا من هو مصاب في دينه وعقله، وقد قيل.
يقضي على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
وأبلغ من هذا قول الله تعالى (ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) وقوله تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) وقوله تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) وقوله تعالى (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد. حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء. أحدهما رد الحق لمخالفته هواك فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأسًا ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك قال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك.
والثاني التهاون بالأمر إذا حضر وقته فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك. قال تعالى (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فلتهنه السلامة انتهى.
الوجه الخامس أن الله تعالى قرن بين الشمس والقمر في مواضع كثيرة من القرآن وذكر عن القمر من الجري والسبح في الفلك والبزوغ والأفول نظير ما ذكره عن الشمس فهل يقول الصواف بثبات القمر حول محوره وحركته حول نفسه وأن الأدلة على جريه
[ ١٠٥ ]
ظنية وليست قطعية الدلالة كما قد قال بذلك في الشمس أم لا. وإن لم يقل بذلك فإنا نطالبه بإبراز نص عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ يثبت للقمر الجري والسبح في الفلك والبزوغ والأفول دون الشمس ولن يجد إلى ذلك سبيلا البتة.
ومن أثبت الجري والسبح في الفلك والبزوغ والأفول للقمر لزمه أن يثبت ذلك للشمس وإن يفعل فقد فرق بين متماثلين وآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض.
الوجه السادس أن التوقف إنما يكون في الأمور التي لم يتبين وجهها. وكذلك التفويض إنما يكون في الأمور التي لا تعلم كيفيتها وجريان الشمس في الفلك ودؤبها في السير ليس من هذا الباب لأن الله تعالى قد نص على جريانها في عدة آيات من كتابه. ونص أيضًا على أنها تسبح في الفلك. ونص أيضًا على أنها بحسبان. ونص أيضًا على دؤبها في السير.
ونص أيضًا على أنه يأتي بها من المشرق. ونص أيضًا على طلوعها ودلوكها وغروبها.
ونص على ذلك رسول الله ﷺ في عدة أحاديث صحيحة فيجب على المسلم أن يعتقد ما جاء في كتاب الله تعالى وما صح عن رسول الله ﷺ في ذلك ولا يتوقف فيه.
ويجب على العلماء أن يبينوا للناس ما خفي عليهم من ذلك ويبينوا حكم من رد النصوص الثابتة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ولا يتوقفوا عن البيان فيلحقهم الوعيد على الكتمان.
والمبادرة إلى البيان أسلم للعلماء وأحكم؛ وتأخير البيان إنما يكون من تثبيط الشيطان وصده عن إظهار الحق.
الوجه السابع أن الصواف قد عاب على الشيخ ابن باز لما بادر إلى بيان الحق الذي يجب عليه وعلى أمثاله أن يبينوه ولا يكتموه. ولم ير هو عيب نفسه في مبادرته إلى نشر الباطل والذب عنه والمجادلة به لإدحاض الحق ولو أنه اشتغل بإصلاح عيبه ولم يشتغل بلوم علماء المسلمين لكان خيرًا له.
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
الوجه الثامن أن قول الصواف ولكن هل من قال بحركة الأرض إلى آخره. وتوقفه فيما توقف فيه وزعمه أن الأدلة على حركة الشمس وسيرها ظنية وليست قطعية الدلالة.
[ ١٠٦ ]