فصل
وأما قوله: "وروى القشيري عن معروف الكرخي أنه قال لتلامذته: إذا كانت لكم إلى الله حاجة؛ فاقسموا عليه بي؛ فإني الواسطة بينكم وبينه وذلك بحكم الوراثة عن المصطفى ﷺ انتهى".
فالجوال: أن هذا من الكذب المعلوم كذبه بالإضطرار عند من له معرفة بالنقل؛ ومقادير الأئمة الأخيار؛ فإن مثل هذه الحكاية الواهية الساقطة المنتنة المظلمة لا يتصور صدورها عمن هو دون معروف الكرخي فضلا عن ذلك الزاهد الفاضل إلا من هو من أبعد الناس معرفة بحقيقة دين الإسلام؛ فإنه لا يقول هذا ويفتريه على أهل الإسلام والعلماء العاملين إلا أمثال هؤلاء الغلاة المنحرفين الحيارى المفتونين؛ فنعوذ بالله من طمس القلوب؛ ورين الذنوب.
ثم قال هذا الملحد: "وفي الفتوحات ما نصه:- مستمد جميع الأنبياء والمرسلين من روح محمد ﷺ؛ إذ هو قطب الأقطاب؛ فهو ممد لجميع الناس أولا وآخرا؛ فهو ممد كل
[ ٢١٦ ]
نبي وولي؛ سابق على ظهوره حال كونه بالغيب؛ وممد أيضا لكل ولي لا حق فيوصله بذلك إلى مرتبة كماله في حال كونه موجودا في عالم الشهادة؛ وفي حال كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البرزخ والدار الآخرة؛ فإن أنوار رسالته صلى لله عليه وسلم غير منقطعة عن العالم من المتقدمين والمتأخرين؛ فكل نبي تقدم زمان ظهوره فهو نائب عنه في بعثته لتلك الشريعة انتهى".
والجواب أن نقول: ما ذكره هذا الملحد من كلام صاحب الفتوحات كلام باطل؛ فإن مستمد جميع الأنبياء والمرسلين إنما هو الوحي الذي نزل به الأمين من رب العالمين؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: آية ١٦٣] وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: آية ١٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: آية ٢٥] وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: آية ٢٥٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: آية ٩١] وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ [الأعراف: آية ١٤٥] الآية
[ ٢١٧ ]
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا؛ فمستمد جميع الأنبياء والرسل ما أنزل الله عليهم من وحيه؛ فقوله: إن مستمد جميع الأنبياء والمرسلين من روح محمد ﷺ مصادم ومناف لما تقدم من الآيات؛ ولقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: آية ٤٩] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: آية ٥٢] وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: آية ٣] وهذا مبني على أن روح محمد ﷺ مخلوقة قبل جميع المخلوقات؛ وقد تقدم بطلان هذا القول؛ ومخالفته لصريح العقل والنقل في الكلام على ما نقله عن القسطلاني وما ذكره عن المناوي؛ وأن هذا القول مبتدع لم يقل به أحد من الأئمة المقتدى بهم؛ بل هذا مبني على مذهب الفلاسفة القائلين بأن الكتب المنزلة فيض فاض من العقل الفعال؛ على النفس المستعدة الفاضلة الزكية؛ فتصورت تلك المعاني وتشكلت في النفس بحيث يتوهمها أصواتا تخاطبه؛ وربما قوي الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه؛ وربما قوي ذلك ببعض الحاضرين فيرونها ويسمعون خطابها ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج؛ وهذا يكون عندهم بتجرد النفس عن العلائق؛ واتصالها بالمعارفات من العقول والنفوس المجردة؛ وهذه
[ ٢١٨ ]
الحقائق تحصل عندهم بالاكتساب؛ ولهذا طلب النبوة من تصرف على مذهب هؤلاء. فتبين من كلام هذا الملحد أن الأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام- لم ينزل عليهم وحي من الله؛ كما نزل به الروح الأمين على قلب محمدﷺ-؛ وإنما ذلك فيض فاض على أرواح الأنبياء من روح محمدﷺ-؛ واستمدوا من روحه ما أنزل الله عليهم وشرعه لهم من الدين؛ ويزعمون أن الولاية أعظم من النبوة؛ لأن الولي
يأخذ عن الله بغير واسطة؛ والنبي الرسول بواسطة وينشدوان:-
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
ويقولون: إن ولاية النبي أعظم من نبوته؛ ونبوته أعظم من رسالته؛ ثم قد يدعي أحدهم أن ولايته وولاية سائر الأولياء تابعة لولاية خاتم الأولياء؛ وأن جميع الأنبياء والرسل من حيث ولايتهم هي عندهم أعظم من نبوتهم ورسالتهم؛ وإنما يستفيدون العلم بالله الذي هو عندهم القول بوحدة الوجود من مشكاة ١ خاتم الأولياء؛ وشبهتهم في أصل ذلك أن قالوا: الولي يأخذ عن الله بغير واسطة؛ والنبي والرسول بواسطة؛ ولهذا جعلوا ما يفيض في نفوسهم يجعلونه
_________________
(١) ١ في النسختين"شكاة".
[ ٢١٩ ]
من باب المخاطبات الإلهية؛ والمكاشفات الربانية أعظم من تكليم موسى بن عمران؛ وهو في الحقيقية إيحاءات شيطانية؛ ووساوس نفسانية؛ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم.
وأما قوله: "وفي حال كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البرزخ والدار الآخرة. فإن أنوار رسالته ﷺ غير منقطعة عن العالم من المتقدمين والمتأخرين".
فالجواب أن يقال: إن كان أراد إنه ﷺ له قدرة على إيصال الخيرات؛ ورفع المضرات بعد الممات؛ فقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: آية ١٨٨] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: آية ١٠٧] فإذا كان هذا حاله في الحياة فما الظن به أو بغيره بعد الممات؟.
وإن كان أراد أن الخلق يستمدون منه أي مما جاء به من توحيد الله؛ وعبادته وحده لا شريك له؛ وترك عبادة ما سواه كائنا من كان؛ والعمل بسنته؛ والاهتداء بهديه؛ وترك ما نها عنه؛ فقد قال ﷺ في خطبته يوم عرفة:"وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله" الحديث ١. وقال ﷺ: "تركتكم على الحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ
_________________
(١) ١ تقدم الكلام عليه.
[ ٢٢٠ ]
عنها بعدي إلا هالك" ١ وقال ﷺ: "إنها ستكون فتن"٢ فقلنا له ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم؛ وخبر ما بعدكم؛ وحكم ما بينكم؛ هو الفصل ليس بالهزل؛ من بركه من جبار قصمه الله؛ ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله؛ هو حبل الله المتين؛ وهو الذكر الحكيم؛ وهو الصراط المستقيم؛ هو الذي لا تزيغ به الأهواء؛ ولا تلتبس به الألسنة؛ ولا تشبع منه العلماء؛ ولا يخلق عن كثرة الرد؛ ولا تنقضي عجائبه؛ هو الذي لم تنته الجن إذ ٣ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: آيات١-٢] من قال به صدق؛ ومن عمل به أجر؛ ومن حكم به عدل؛ ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم"
رواه الترمذي وقال غريب ٤.
_________________
(١) ١ تقدم الكلام عليه. ٢ في النسختين"فتنا" وما أثبت من سنن الترمذي. ٣ ذي النسختين"إذا " وما أثبت من سنن الترمذي. ٤ أخرجه الترمذي في سننه- كتاب فضائل القرآن- ٥/١٧٢-١٧٣من جهة حمزة الزيات عن أبي المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعود عن الحارث عن علي.. به مرفوعا. وقال عقبة: هذا حديث [غريب] لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ وإسناده مجهول؛ وفي الحارث مقال. اهـ. وتعقبه ابن كثير فقال في فضائل القرآن ص ٧:- قلت: لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات؛ بل رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور. فبرىء حمزة من عهدته. على أنه وإن كان =
[ ٢٢١ ]
فإذا عرفت هذا فلا يكون الاستمداد منه حال كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البزرخ والدار الآخرة، ولكن بما ترك فينا من كتاب الله وسنة رسوله، لأن أنوار رسالته ﷺ لا تنقطع ما عمل بالكتاب والسنة.
وأما قوله: "فكل نبي تقدم على زمان ظهوره فهو نائب عنه في بعثته لتلك الشريعة".
فالجواب أن نقول: هذا كلام باطل مصادم لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: آية ٤٨] ولقوله ﷺ: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات" الحديث ١، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ
_________________
(١) = ضعيف الحديث فإنه إمام في القراءة. والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا والله أعلم. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود، ﵁ عن النبي ﷺ إلخ اهـ. ١ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء من صحيحه ٦/٤٧٧-٤٧٨ باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ . ومسلم في كتاب الفضائل من صحيح ٤/٨٣٧، [باب فضائل عيسى ﵇] عن أبي هريرة.
[ ٢٢٢ ]
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧] ومن المعلوم بالضرورة أن الأغلال والآصار التي كانت عليهم وفي شريعتهم من قتل أنفسهم وغير ذلك من الأغلال، لم يكن موسى ﵇ نائبا عن نبينا في بعثته لتلك الشريعة من التكاليف الشاقة، من الآصار والأغلال التي كانت عليهم، بل من بركة هذا النبي الكريم، وأن الله أرسله رحمة للعالمين وضع عنهم الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وأحل لهم الطيبات مما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم، ويحرم عليهم الخبائث كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا، فكان من المعلوم أن لكل رسول أرسله الله إلى أمته شريعة ومنهاجا، وأما الأصل الذي هو دين الإسلام فجميع الرسل والأنبياء فيه على طريقة واحدة كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: آية ١٣] ولا حاجة بنا إلى الكلام إلى استقصاء الكلام ١ على ما ذكره من كلام صاحب الفتوحات لسقوطه وتهافته، ومخالفته لصريح الكتاب والسنة، فلا نطيل برد كلام، لكن هذا على سبيل التنبية والإشارة، ثم كيف يستجيز من يؤمن بالله واليوم
_________________
(١) ١ الكلام مكرر في النسختين.
[ ٢٢٣ ]
الآخر النقل في هذه المباحث وغيرها عن ابن عربي صاحب "الفصوص" و"الفتوحات" الذي هو من أكفر خلق الله، وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم، ويعد من العلماء العاملين؟..
وإذا أردت حقيقة ما قلنا فانظر إلى ما قاله في"الفصوص" قال في الإدريسة: ومن أسمائه الحسنى العلي، على من وما ثم إلا ١ هو، فهو العلي لذاته أو عن ماذا، وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها، وليست إلا هو- إلى أن قال-: فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره، ومن ثم من يبطن عنه فهو الظاهر لنفسه باطن عنه، وهو المسمى أبو سعيد الحزاز، وغير ذلك من أسماء المحدثات- إلى أن قال-: ومن عرف ما قررناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه، وإن كان قد تميز الخلق من الخالق فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة، وهو العيون الكثيرة ﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: آية ١٠٢] والولد عين أبيه فما رأى٢ يذبح سوى نفسه، وفداه بذبح عظيم، فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان، فظهر بصورة لا بحكم ولد من
_________________
(١) ١ في "ط الرياض" "إلى". ٢ في النستختين "راء".
[ ٢٢٤ ]
هو عين الوالد، وخلق منها زوجها فما نكح سوى نفسه- إلى أن قال-: فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، بحيث لا يمكن أن يفوقه نعت منها، وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا، أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا، وليس ذلك إلا لمسمى ١ الله خاصة.
فصرح عدو الله بأن الحق المنزه هو الخلق المشبه، وصرح بأنه المنعوت بكل نعت مذموم ومحمود، وصرح بأنه أبو سعيد الخزاز وغيره من المحدثات، كما صرح بأن المسمى محدثات هي العلية لذاتها، وليست إلا هو. وقال أيضا: ولما كان فرعون في منصب التحكم، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جاز في العرف الناموسي لذلك قال: "أنا ربكم الأعلى" أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم عيهم، ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه، وأقروا له بذلك، وقالوا له: "إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض"، فالدولة لك فصح قوله: "أنا ربكم الأعلى"، وإن كان عين الحق. إلى أمثال هذه الكفريات، والله در الأمير محمد بن إسماعيل حيث يقول:-
وأكفر خلق الله من قال: إنه إله فإن الله جل عن الند
_________________
(١) ١ في"ط الرياض" "إلا المسمى".
[ ٢٢٥ ]
مسماه كل الكائنات بأسرها من الكلب والخنزير والقرد والفهد
وأن عذاب النار عذب لأهلها سواء عذاب النار أو جنة الخلد
وينشدنا عنه نصوص فصوصه ينادي خذوا في النظم مكنون ما عندي
"وكنت امرأ من جند إبليس فارتمى
بي الدهر حتى صار إبليس من جندي!! "
فلو مات قبلي كنت أدركت بعده دقائق كفر ليس يدركها بعد
فمن كان بهذه المثابة كيف يستجيز من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يذكر كلامه في جملة العلماء العاملين، أو يصغي إلى شبهات هؤلاء الغالين.
وأما دعوى هؤلاء الملاحدة أن خاتم الأولياء هو أفضلهم، كما أن خاتم الرسل أفضلهم، بل يزعم ابن عربي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الرسل، لأن خاتم لأولياء يأخذ عن الله بلا واسطة، وخاتم الرسل إنما يأخذ عن الملك، فقد ذكر شيخ الإسلام أن خاتم الأولياء كلمة لا حقيقة لفضلها ومرتبتها، وإنما تكلم أبو عبد الله الترمذي بشيء من ذلك ولم يستند فيه إلى شيء، ومسمى هذا اللفظ هو آخر مؤمن يبقى، ويكون بذلك خاتم الأولياء، وليس ذلك أفضل الأولياء باتفاق
[ ٢٢٦ ]
المسلمين، بل أفضل الأولياء سابقهم، وأقربهم إلى الرسول، وهو أبو بكر، ثم عمر، إذ الأولياء يستفيدون من الأنبياء فأقربهم إلى الرسول أفضل، بخلاف خاتم الرسل فإن الله أكرمه بالرسالة ولم يحله على غيره، فقياس أحد اللفظين على الآخر في وجوب كونه أفضل من أفسد القياس.
[ ٢٢٧ ]