فصل:
قال الملحد: "وذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى "بالصواعق المحرقة لأهل الضلال والزندقة" إن الإمام الشافعي ﵁ توسل بأهل البيت النبوي حيث قال:-
آل النبي ذريعتي وهم إليه وسيلتي
أرجو بهم أعطى غدا بيدي اليمنى صحيفتي
انتهى، من كتاب "خلاصة الكلام" مع بعض تقرير واختصار".
والجواب أن نقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله، وفيه من الكلام كما فيما قبله. وابن حجر المكي - عامله الله بعدله - من الغالين في الصالحين، ومن الثالبين لأئمة المسلمين، الذين جردوا توحيد العبادة لله رب العالمين، وجاهدوا في الله ولله من خرج عن سبيل المؤمنين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: آية ١١٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: آية ٤٠] ومن كانت هذه حاله،
[ ٢٧٧ ]
وهذه أقواله فحقيق أن لا يلتفت إليه. وعلى تقدير ثبوته وصحته إن كان النقل صحيحا أن المضاف هنا مقدر تقديره: إن حب آل محمد، وتعظيمهم، واتباعهم، والصلاة عليهم ذريعتي ووسيلتي، وكان في قوله: أرجو بهم، أي أرجو بحبهم وتعظيمهم واتباعهم.
وأما قول هذا الملحد: "فتحصل لنا من هذا جميعه أنه يجوز التوسل بالنبي ﷺ قبل وجوده وفي حياته وبعد انتقاله، وأنه يصح التوسل بغيره أيضا من الأحياء"
فأقول: أما التوسل به ﷺ قبل وجوده فمسند ١هؤلاء الغلاة فيه على حديث موضوع مكذوب كما بيناه فيما سبق وأما في حياته ﷺ فقد بينا فيما تقدم أن ذلك بدعائه كما ذكرنا كلام أهل العلم بما أغنى عن إعادته. وأما بعد وفاته فقد بينا أنه ليس من هدي الصحابةرضي الله عنهم، وأنهم لم يكونوا يفعلونه، ولا نقل ذلك عنهم أحد من العلماء الذين يعتد بهم.
وإذا علمت هذا فقد قال النبي ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"،وفي رواية "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وما ذكره هؤلاء المشبهون من الأحاديث في جواز ذلك فمنها ما هو موضوع، ومنها ما هو معلول لا تقوم به الحجة، ولا تثبت به الأحكام الشرعية، وكذلك ما ذكر من
_________________
(١) ١ في الأصل، وط: الرياض "ومسند".
[ ٢٧٨ ]
الحكايات التي هي كالخيالات الخرافات التي يوردها أهل الشبهات هي كلها من الموضوعات المكذوبات، والله الهادي إلى الصواب.
وأما قوله:"وقد أجمع من يعتد بإجماعه من المسلمين على ذلك".
فأقول: هذه دعوى مجردة، وقوله: "وهو مذهب الأئمة الأربعة" فأقول: وهذا أيضا أبطل مما قبله، فإنه لم يذكر عن الأئمة الأربعة إلا هذه الحكايات الموضوعة المكذوبة التي وضعها بعض الغلاة في الصالحين.
وقوله:"ومستندهم الكتاب والسنة لما قدمنا، والإجماع حجة قاطعة".
فأقول: هذا قول على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله، وعلى جميع العلماء بغير علم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٣] .
وهذا الملحد لم يذكر من كتاب الله، وسنة رسوله، والإجماع القاطع ما يدل على ما توهمه، بل هو عليه لا له، ولا يعجز كل مبطل عن مثل هذه الدعوى فالله المستعان.
وإذا كان هذا جميع ما تحصل له من ما مر حكايته عنه من
[ ٢٧٩ ]
القول القاسط، والهذيان الساقط، فيتعين أن نذكر من كلام أهل العلم ما يبطل دعواه: إن مستنده كتاب الله، وسنة رسوله، والإجماع القاطع، وما يترتب على ذلك من المفاسد.
[ ٢٨٠ ]