فصل
وأما قوله "وأما الذين أجمعوا من المسلمين على التوسل إلى الله بالأنبياء والمرسلين لا يقصدون بذلك تأثير شيء بإيجاد نفع، أو دفع ضرر، ولا يعتقدون ذلك ألبته. جميع المسلمين يعتقدون أن الله تعالى هو المنفرد بالإيجاد والإعدام والنفع والضر، فلا يعدون من توسل بالنبي ﷺ أو بالملائكة أنهم اتخذوهم أولياء من دون الله فكيف يتجرؤن على الاستشهاد على مذهبهم بقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: آية ٨٠] .
فالجواب أن نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، لقد والله أمكنت الرامي ١ من سواء الثغرة. فإن قولك هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ فإنهم كانوا يدعون الأنبياء والملائكة والأولياء والصالحين، ويلتجؤون ٢ إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم
_________________
(١) ١ في طبعة الرياض"الرمي". ٢ في طبعة الرياض"وليجيؤن".
[ ١٢٧ ]
ليقربوهم ١ إلى كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: آية ١٨] .وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: آية ٣] .وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: آية ٢٨]
ومن المعلوم أن الكفار الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ وقاتلهم واستحل دماءهم وأموالهم كانوا مقرين أن الله هو الخالق الرزاق المحيي المميت النافع الضار الذي يدبر جميع الأمور، ويعتقدون أن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء وإعدامه، وأن النفع والضر بيده وأنه هو رب كل شيء ومليكه، ولا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: آية ٣٨] فهم
_________________
(١) ١ في طبعة الرياض"ليقربوا".
[ ١٢٨ ]
معترفون بهذا، ومقرون به لا ينازعون فيه. ولكن لم يدخلهم ذلك في الإسلام، وقاتلهم رسول الله ﷺ إلى أن يكون الدين كله لله.
فإذا عرفت أن هذا لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبي عن الإقرار به المشركون هو توحيد الله تعالى، وأفعال العبد الصادرة منه كالدعاء والحب والخوف والرجاء والخضوع والخشوع والإنابة والتوكل والاستقامة والاستعانة والخضوع والتذرع والالتجاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله بها دون من سواه، وأن من صرف منها شيئا لغيره، كان مشركا سواء اعتقد التأثير ممن يدعوه ويرجوه، أو لم يعتقد. فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة المتقدم ذكرها، فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية ١ فعله ذلك تألها ٢ وعبادة وشركا. ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلا وتشفعا، وتعظيما للصالحين وتوقيرا، فالاعتبار بحقائق الأمور، لا بالأسماء والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة لا مع الأسماء.
_________________
(١) ١ في طبعة الرياض"تسميته". ٢ في طبعة الرياض"تأدبا".
[ ١٢٩ ]
إذا عرفت هذا فمن أنواع هذا الشرك الذي يسميه هؤلاء توسلا وتشفعا بجاه النبي ﷺ أو بحقه، وغير ذلك من الألفاظ، أو بجاه غير النبي كالملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، أن يعتقد الإنسان في غير الله أنه يقدر بذاته على جلب منفعة لمن دعاه أو استغاث به، أو دفع مضرة. قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الآية [فاطر: آية ٢] . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: آية ١٠٧] فإذا ثبت في القلب أن الله ﷿ بهذه الصفات فوجب أن لا يستغاث إلا به، ولا يدعى إلا هو، ولا يخاف ولا يرجى إلا هو، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: آية ٥١] فقال تعالى توبيخا لأهل الكتاب الذين يستغيثون بعيسى وأمه وعزير ﵈ لما أنزل الله عليهم القحط والجدب: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: آية ٥٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية [الكهف: آية ١١٠] وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: آية ٤٩] .
ومن أنواع هذا الشرك التوكل والصلاة والنذر والذبح لغير الله. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: آية ١٢٣] .
[ ١٣٠ ]
وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: آية ٥٨] . وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: آية ٢٣] . وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ والدَّمُ - إلى قوله- وَمَا ذُبِحَ﴾ [المائدة: آية ٣] . وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: آية ٢] . وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: آيات ١٦٢، ١٦٣] .
ومن أنواع هذا الشرك العكوف على قبور المشهورين بالنبوة الصلاح ١ والولاية، لأن الناس يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه، فيعكفون على قبره ويقصدون ذلك، فتارة يسألونه، وتارة يسألون الله عند قبره ٢.
ولما كان هذا مبدأ الشرك سد النبي ﷺ هذا الباب ففي الصحيحين أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "يحذر ما صنعوا" قالت عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره. لكن كره أن يتخذ مسجدا ٣، وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" ٣ وقال ﷺ: "لعن الله زائرات القبور
_________________
(١) ١ في الأصل"والصحبة" بدل "الصلاح". ٢ في الأصل"فتارة وتارة يتلون الله عند قبره، وتارة يصلون ويدعون الله عند قبره". ٣ تقدما.
[ ١٣١ ]
المتخذين عليها المساجد والسرج، ١، انتهى.
وأما قوله: "ولا يعدون من توسل بالنبي ﷺ أو بالملائكة أنهم اتخذوهم أربابا من دون الله، فكيف يتجرءون على الاستشهاد على مذهبهم بقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ الآية [آل عمران: آية ٨٠] .
فالجواب أن يقال: إن دعوى من دعا النبي ﷺ واستغاث به ولجأ إليه ودعا الملائكة أنهم لا يتخذوه أربابا من دون الله ولا يعدون ذلك، لا تجدي هذه الدعوى شيئا، فإن الكفار كما تقدم بيان ذلك يزعمون ٢ أن الأنبياء والملائكة استقلوا بشيء من أفعال الربوبية، أو شاركوا الله في إيجاد شيء، أو إعدامه
_________________
(١) ١ أخرج الإمام أحمد في مسنده- ١/٢٢٩، وفي مواضع أخر-، وأبو داود في سننه- كتاب الجنائز- ٣/٥٥٨، والترمذي في سننه- أبواب الصلاة- ٢/١٣٦، والنسائي في سننه- كتاب الجنائز-٤/٩٤، ٩٥. وحسنه الترمذي، وتبعة العلامة الشيخ أحمد شاكر حيث قال في تحقيقه لسنن الترمذي: فهذا الحديث- على أقل حالاته- حسن، ثم الشواهد التي ذكرناها في تأييده ترفعه إلى درجة الصحة لغيره، إن لم يكن صحيحا بصحة إسناده هذا. اهـ. وهذا من الشيخ مبني على توثيقه لأبي صالح باذام مولى أم هانىء وإثبات سماعة من ابن عباس لورود هذا الحديث من طريقه عن ابن عباس. والذي عليه المحققون من المحدثين ضعفه وعدم سماعة من ابن عباس. جزم بذلك شيخ الإسلام وعلم الأعلام أبو العباس ابن تيمية في كتابه "الرد على البكري- ص١٧. ط السلفية بمصر"وقد تقدم بحث هذا الحديث في هذه السلسلة. ٢ كذا في النسختين ولعلها "لم يزعموا ".
[ ١٣٢ ]
أو ساووهم بالله في التدبير والنفع والضر والتأثير، ولكن لما أشركوهم مع الله في عبادته بالحب والخوف والتعظيم والرجاء والتوكل والاستغاثة والالتجاء والذبح والنذر وغير ذلك، كان ذلك كفرا وشركا بالله، فإن من أشرك مع الله في عبادة غيره فقد اتخذه ١ ربا وإلها، ولذلك يحتج عليهم سبحانه بما أقروا به من توحيد الربوبية على ما جحده من توحيد الإلهية.
ولما قالﷺ-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال عدي بن حاتم ﵁: إنهم لا يعبدوهم. قال: أليسوا يحلون ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون ما أحل الله فيحرمونه. قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم ٢ فجعل ﷺ طاعتهم في التحليل والتحريم التي هي أفعالهم بتعظيم- أحبارهم ورهبانهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله- عبادة لهم مع الله.
ولهذا اجترأ الوهابية على تكفير من دعا غير الله، واستغاث به، ولجأ إليه، وصرف له شيئا من خالص حق الله، لأنه قد اتخذه ربا ومعبودا، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: آية ٨٠] كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
_________________
(١) ١ في طبعة الرياض"اتخذوا ". ٢ تقدم الحديث في الرسالة الأولى. وقد حسنه شيخ الإسلام في كتابه "الإيمان".
[ ١٣٣ ]