فصل
قال الملحد: "وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال قال رسول الله ﷺ: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، إني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة، وإنما خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك" رواه ابن ماجة ورواه ابن السني بإسناد صحيح عن بلال".
والجواب أن يقال: هذا الحديث ضعيف رواه عطية العوفي وفيه ضعف.
قال شيخ الإسلام: ولكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة له سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، والتوجه، والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته
[ ١٩٠ ]
من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ١.
والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة إلى آخر كلامه ﵀.
فتبين من كلام الشيخ أن السؤال بحق السائلين هو إجابتهم، وسؤاله بحق الطائعين إثابتهم، فيكون السائل بهذين سائلا بصفات الله، فإن الإجابة والإثابة من أفعاله وأقواله ﷾، وسؤال الله بأسمائه وصفاته والتوسل بها ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف١٨٠] وفي الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال: "دعا٢ الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" رواه الترمذي وأبو داود٣ إلى غير ذلك من الأحاديث، وكذلك
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم عن عائشة - كتاب الصلاة - ١/٣٥٢. ٢ في طبعة الرياض"ادع". ٣ أخرجه أبو داود ٢/١٦٦عن مسدد حدثنا يحيى عن مالك بن مغول حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: "اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فقال: "لقد سألت الله بالاسم الذي إذا=
[ ١٩١ ]
التوسل بالأعمال الصالحة كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة، كما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها" الحديث متفق عليه.
فليس في حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على ما ادعوه من التوسل بذوات الأنبياء والأولياء والصالحين، فضلا عن دعائهم والاستغاثة بهم والإلتجاء إليهم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأما قوله: "ومما جاء عنه ﷺ من التوسل قوله: "اغفر لأمي فاطمة بنت أسد" ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي" إلى آخره.
_________________
(١) = سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب". حدثنا عبد الرحمن بن خالد الرقي حدثنا زيد بن الحباب حدثنا مالك بن مغول - بهذا الحديث - قال فيه: "لقد سأل الله ﷿ باسمه الأعظم"، وأخرجه الترمذي في الدعوات من جامعه٥/٥١٥ من جهة زيد بن الحباب عن زهير بن معاوية عن مالك..به بلفظ أبي داود الثاني إلا أنه قال: "والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسم الأعظم " وأخرجه ابن ماجة ٢/١٢٦٧ من جهة مالك..به وفيه "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد " وبهذا اللفظ أخرجه أحمد ٥/٣٦٠.
[ ١٩٢ ]
فالجواب أن هذا من نمط ما قبله، وقد تقدم الكلام على جنسه، وفي سند روح بن صلاح المصري ضعفه ابن عدي، وتصحيح الحاكم لن١ يجدي شيئا٢، وقد تقدم عن أهل العلم أنه لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل والموضوعة جملة كثيرة، وقد روى فيه لجماعة من المجروحين في كتابه في الضعفاء انتهى.
وأما رواية الطبراني له، فيقال لهذا الملحد: كم في الطبراني من حديث يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته وإنابة الوجوه إليه؟ فما أعمى عينك عنها! هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى؟ وقد تكلم
_________________
(١) ١ في الأصل، وطبعة الرياض "لان". ٢ هذا الحديث رواه الطبراني في الكبير ٢٤/٣٥١-٣٥٢، والأوسط من جهة روح بن صلاح ثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال: "رحمك الله يا أمي " وذكر القصة. قال الطبراني: لم يروه عن عاصم إلا الثوري، تفرد به روح بن صلاح اهـ. وقال الهيثمي في المجمع٩/٢٥٧: "وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح" اهـ. فتبين أن الحديث معلول بروح ولا عبرة بتوثيق ابن حبان والحاكم لما علم من تساهلهما لذا عقب الهيثمي كلامهما بحكمه في الرجل فقال: "وفيه ضعف" وإضافة إلى ضعفه فإن قد تفرد به من بين أصحاب الثوري.
[ ١٩٣ ]
في هذا الحديث غير واحد.
وقال شيخ الإسلام: قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحدا قال بجوازه، إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، أترى هذا الحديث خفي على علماء الأمة لم يعلموا ما دل عليه، ثم لو سلمنا صحته أو حسنه ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد بدعاء نبيك إلى آخره، وأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم، وخرج عما جاؤوا به من التوحيد والشرع.
قال شيخ الإسلام: فإذ قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان لم يدع له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص أو محبته وطاعته، بل بنفس ذاته، وما جعله له ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب انتهى.
[ ١٩٤ ]