فصل
وأما قول الملحد:" فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون من الصالحين أحياء وأمواتا أشياء لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، والقرينة عليه صدوره من موحد، ويدلك على ذلك أنك إذا استفسرت العامي عند نطقه بهذه الألفاظ الموهمة يبين لك معتقده بأن الله هو الفاعل للأشياء ولا مشارك له في إيجاد شيء".
فالجواب أن نقول: الكلام على هذا من وجوه:
الأول: أن طلب بعض العوام، أو بعض الخواص من أهل القبور المعروفين بالصلاح من الأحياء والأموات، واعتقاد أنهم يقدرون على ما لا يقدر١عليه إلا الله ﷿، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ﷿، حتى نطقت ألسنتهم بما
_________________
(١) ١ سقطت اللام من الأصل وطبعة الرياض.
[ ١٣٤ ]
انطوت عليه قلوبهم، وصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالا، ويصرخون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعا زائدا على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي الله ﷿ في الدعاء: هو اعتقاد كفار قريش الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ وقاتلهم عليه ليكون الدين كله لله، وأن يخلصوا العبادة له، ويخلعوا الأنداد المدعوة من دونه، فمن طلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق فقد أشرك ذلك المخلوق في عبادة الله، سواء كان المدعو نبيا أو ملكا أو رجلا صالحا أو غير ذلك.
الثاني: أن مجرد عدم التأثير والخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر إلا لله١ لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم أيضا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار، بل لا بد فيه من إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والطلب منه والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له وعنه، لا بغيره ولا من غيره، وكذلك النذر والذبح والسجدة كلها يكون لله.
الثالث: أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئا، وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون
_________________
(١) ١ في الأصل وطبعة الرياض" إلا الله".
[ ١٣٥ ]
الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام، حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز١التوسل بالأموات، مع أن العرف المعروف من لغة العرب في معنى التوسل بالأحياء التوسل بدعائهم، وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بالأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن، وأما التوسل في عرف هؤلاء فهو دعاؤهم والاستغاثة بهم والالتجاء إليهم، وهذا شرك وكفر وخروج من الدين بإجماع المسلمين المحكمين الكتاب والسنة.
وأما قول الملحد: " فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي".
فالجواب من وجوه:
الأول: أن تلك الألفاظ دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير من غير الله تعالى فما معنى الإيهام؟
والثاني: لو سلم هذا الحمل لاستحال٢ الارتداد وانسد باب الردة الذي يعقده الفقهاء في كل مصنف وكتاب من كتب أهل المذاهب الأربعة وغيرها فإن المسلم الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز٣.
_________________
(١) ١ في طبعة الرياض " من جواز التوسل بالأحياء والأموات". ٢ في طبعة الرياض" لا ستحل" ٣ قوله: " فإن المسلم الموحد متى صدر إلخ" هذا لازم مذهب هذا الملحد.
[ ١٣٦ ]
والثالث: أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام؛ لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناه١الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي أي التكرم مثلا، فما هو جوابكم فهو جوابنا؟
والرابع: أنكم هؤلاء أوّلتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله والاستغاثة والنذر والذبح، فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركا، سواء اعتقد ذلك الغير مؤثرا أم لا. انتهى.
فإذا عرفت أن هذا هو اعتقاد كفار قريش وغيرهم من العرب، فإنهم كانوا معترفين بأن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في٢إيجاد شيء، ولا أدخلهم ذلك في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله واستحل دماءهم وأموالهم، إلى أن يخلصوا العبادة لله، ولا يشركوا في عبادته أحدا سواه كان دعوى٣هؤلاء أن هذا من الألفاظ الموهمة، من الأوهام الموبقة.
_________________
(١) ١ لعلها" معناها". ٢ في طبعة الرياض" فما". ٣ في طبعة الرياض" كأن دعوى" والصواب ما في الأصل وهو متعلق بقوله:=
[ ١٣٧ ]
قال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي ﵀ في كتابه: " في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة" هذا وقد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على١أن ذلك منهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور.
قال وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفته لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: آية١٥٥] إلى أن قال: وأما القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾
_________________
(١) =" فإذا عرفت أن هذا هو اعتقاد كفار قريش كان دعوى هؤلاء أن هذا من الألفاظ ". ١ " على " ليست في الأصل ولا طبعة الرياض.
[ ١٣٨ ]
[الزمر: آية٣٠] . ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: آية٤٢] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: آية٣٨] وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" الحديث١فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان، فدل ذلك على أن ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلعة متصرفة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾ [البقرة: آية١٤٠] قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين بحسب الأفعال الظاهرة، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه، فمن
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه٣/١٢٥٥ - كتاب الوصية ـ، وأبوداود في سننه٣/٣٠٠ - كتاب الوصايا ـ، والترمذي في سننه ٣/٦٥١ - كتاب الأحكام - باب الوقف، والنسائي في سننه٦/٢٥١ - كتاب الوصاياـ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
[ ١٣٩ ]
خصائص الله لا يطلب فيها غيره، انتهى.
والمقصود أن أهل العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور الشركية التي عمت بها البلوى، واعتقدها أهل الأهواء، فلو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال الجواب، والبصير النبيل يدرك الحق من أول دليل، ومن قال قولا بلا برهان فقوله ظاهر البطلان، مخالف ما عليه أهل الحق والإيمان المتمسكين بحكم القرآن، المستجيبين لداعي الحق والإيمان، والله المستعان وعليه التكلان.
[ ١٤٠ ]