وأمثال ذلك من التأويلات الباطلة:
كقول بعضهم في معنى قوله: «عامَلَ رسولُ الله - ﷺ - أهلَ خيبرَ على شَطرِ ما يخرج منها مِن ثمرٍ وزرعٍ» (^١): إن معناه ضرَبَ عليهم الجزيةَ. وهذا كذبٌ على اللفظ، وكذبٌ على الرسول؛ فإنه ليس ذلك معنى اللفظ، وأهلُ خيبر لم يضرب عليهم الجزيةَ؛ لأنه صالَحَهم وفتحَها قبل نزول فرْضِ الجزية.
وكتأويل بعضهم قولَه - ﷺ -: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» (^٢) أن المراد به الْتِقامُ الثدي من غير ارتضاع اللبن ودخوله إلى جوفه.
إلى أضعافِ أضعافِ ذلك من التأويلات الباطلة التي يعلم السامعُ قطعًا أنها لم تُرَد بالخطاب بقصد المتكلم لها بتلك الألفاظ الدالة على نقيضها من كل وجهٍ لا يجامع (^٣) قصدَ البيان والدلالة (^٤).
قال شيخ الإسلام (^٥): «إن كان الحقُّ فيما يقوله هؤلاء النُّفاة الذين لا يُوجد ما يقولونه في الكتاب والسُّنَّة، وكلام القرون الثلاثة المعظَّمة على سائر القرون، ولا في كلام أحدٍ من أئمة الإسلام المقتدَى بهم؛ بل ما في الكتاب والسُّنَّة وكلام السلف والأئمة يوجد دالًّا (^٦) على خلاف الحق عندهم، إمَّا نصًّا وإمَّا ظاهرًا، بل دالًّا عندهم على الكفر والضلال = لَزِمَ من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٢٨) ومسلم (١٥٥١) عن عبد الله بن عمر - ﵄ -.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٥٠) عن أم المؤمنين عائشة - ﵂ -.
(٣) كذا في «ح»، والسياق غير بينٍ، فلعله قد سقط شيء.
(٤) «ح»: «والدالة».
(٥) لم أقف على هذا الكلام الرائع لشيخ الإسلام في كتبه التي تحت يدي.
(٦) «ح»: «وإلا».
[ ١ / ١٢٥ ]
ذلك لوازمُ باطلة:
منها: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسُنة نبيه من هذه الألفاظ ما يُضِلُّهم ظاهرُه ويُوقِعهم في التشبيه والتمثيل.
ومنها: أن يكون قد ترك (^١) بيانَ الحق والصواب لهم، ولم يفصح به، بل رمزَ إليه رمزًا وألغزه إلغازًا، لا يُفهم منه ذلك إلَّا بعد الجهد الجَهِيد.
ومنها: أن يكون قد كلَّف عبادَه ألَّا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلَّفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تُفهِم ذلك.
ومنها: أن يكون دائمًا متكلمًا في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب، تارةً بأنه استوى على عرشه، وتارةً بأنه فوق عباده، وتارةً بأنه العلِيُّ الأعلى، وتارةً بأن الملائكة تعرُجُ إليه، وتارةً بأن الأعمال الصالحة تُرفع إليه، وتارةً بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفلَ تنزل مِن عنده، وتارةً بأنه رفيع الدرجات، وتارةً بأنه في السماء، وتارةً بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، وتارةً بأنه فوق [ق ١٤ أ] سماواته على عرشه، وتارةً بأن الكتاب نزل من عنده، وتارةً بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وتارةً بأنه يُرى بالأبصار عيانًا يراه المؤمنون فوق رؤوسهم، إلى غير ذلك مِن تنوُّع الدلالات على ذلك، ولا يتكلم فيه بكلمةٍ واحدةٍ تُوافق ما يقوله النفاة، ولا يقول في مقامٍ واحدٍ قطُّ ما هو الصوابُ فيه لا نصًّا ولا ظاهرًا، ولا يُبَيِّنه (^٢).
_________________
(١) «ح»: «نزل». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «يبينوه». والمثبت من «م».
[ ١ / ١٢٦ ]
ومنها: أن يكون أفضلُ الأُمة وخير القرون قد أمسكوا مِن أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا النبأ (^١) العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان، وذلك إمَّا جهلٌ ينافي العلمَ، وإمَّا كتمانٌ ينافي البيانَ، ولقد أساء الظن بخيار الأُمة مَن نسبَهم إلى ذلك.
ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلمُ بالباطل والسكوت عن بيان الحق تولَّدَ مِن بينهما جهل الحق وإضلال الخلق. ولهذا لمَّا اعتقد النفاة التعطيل صاروا يأتون من العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصًّا وظاهرًا، ولا يتكلمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصًّا ولا ظاهرًا، وإذا وردَ عليهم من النصوص ما هو صريحٌ أو ظاهر في الإثبات حرَّفوه أنواعَ التحريفات، وطلبوا له مُستكرَه التأويلات.
ومنها: أنهم التزموا لذلك تجهيلَ السَّلف، وأنهم كانوا أُمِّيين مُقبِلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل، ولم تكن الحقائق من شأنهم.
ومنها: أنَّ ترْكَ الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفعَ لهم وأقربَ إلى الصواب، فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرُّض للضلال، ولم يستفيدوا منها يقينًا ولا علمًا بما يجب لله ويمتنع عليه، إذ ذاك إنما يُستفاد من عقول الرجال وآرائها.
فإن قيل: استفدنا منها الثوابَ على تلاوتها وانعقادَ الصلاة بها.
قيل: هذا تابعٌ للمقصود بها بالقصد الأول، وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات حقائقها ومعانيها والإيمان بها؛ فإن القرآن لم ينزل
_________________
(١) «ح»: «الثنا». والمثبت من «م».
[ ١ / ١٢٧ ]
لمجرد التلاوة وانعقاد الصلاة عليه، بل أُنزل ليُتدبَّر ويُعقَل، ويُهتدى (^١) به علمًا وعملًا، ويُبصِّر من العمى، ويُرشِد من الغي، ويُعلِّم من الجهل، ويَشفِي من العِيِّ (^٢)، ويهدي إلى صراط مستقيم. وهذا القصدُ ينافي قصدَ تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرَهة، التي هي مِن جنس الألغاز والأحاجي، فلا يجتمع قصدُ الهدى والبيان وقصدُ ما يضاده أبدًا، وبالله التوفيق» (^٣).
وممَّا (^٤) يُبَيِّنُ ذلك أنَّ الله تعالى وصف كتابَه بأوضح البيان وأحسن التفسير، فقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ اُلَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. فأين بيانُ المختلَف فيه والهدى والرحمة في ألفاظٍ ظاهرها باطلٌ، والمراد منها يُطلب بأنواع التأويلات المستنكَرة المستكرَهة لها، التي (^٥) لا تُفهَم منها بل (^٦) يُفهَم منها ضدُّها.
وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]؟ فأين بيَّن (^٧) الرسولُ ما يقوله النُّفاة والمتأوِّلون؟
_________________
(١) «ح»: «يهدى». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «الغي». والمثبت من «م».
(٣) آخر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فيما يبدو.
(٤) «ح»: «وما». والمثبت من «م».
(٥) «ح»: «الذي». والمثبت من «م».
(٦) «تفهم منها بل» سقط من «ح». وأثبته من «م».
(٧) «ح»: «يبين». والمثبت من «م».
[ ١ / ١٢٨ ]
وقد قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَقُولُ اُلْحَقَّ وَهْوَ يَهْدِي اِلسَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، فأخبر أنه يقول الحقَّ ويهدي السبيل بقوله، وعند النُّفاة إنما (^١) حصلت الهداية بأبكار أفكارهم، ونتائج آرائهم وعقولهم.
وقال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اَللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٥]. وعند النُّفاة المُخرِجين لنصوص الوحي عن إفادة اليقين إنَّما حصل (^٢) الإيمانُ بالحديث الذي أسَّسه الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فبه آمنوا وبه اهتدوا، وبه عرفوا الحقَّ من الباطل، وبه صحَّت عقولهم ومعارفهم.
وقال تعالى (^٣): ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اِللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨١]. وأنت لا تجد الاختلاف في شيءٍ أكثرَ منه في آراء المتأولين وسوانح أفكارهم وزبالة أذهانهم (^٤)، التي يُسمونها قواطع عقلية وبراهين يقينية، وهي عند (^٥) التحقيق خيالاتٌ وهمية وقوادحُ فكرية، نبذوا بها القرآن والسُّنَّة وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٣) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا
_________________
(١) «ح»: «إذا». والمثبت من «م».
(٢) بعده في «ح»: «له». وليست في «م».
(٣) عند قوله تعالى ﴿وَلَوْ﴾ انتهى السقط الطويل الواقع في «ب»، الذي بدأ في أثناء الفصل التاسع.
(٤) «ح»: «رذالة أوهامهم».
(٥) «ب»: «عين».
[ ١ / ١٢٩ ]
مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (١١٤) أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهْوَ اَلَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ اُلْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اُلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنزَلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ (١١٥) وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهْوَ اَلسَّمِيعُ اُلْعَلِيمُ (١١٦) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي اِلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اِللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا اَلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٧) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهْوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٣ - ١١٨].
* * * * *
[ ١ / ١٣٠ ]