وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة:
السبب الأول: ألَّا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يُكلَّف أن يكون عالمًا بموجَبه، فإذا لم يبلغه وقد قال في تلك النازلة بموجب ظاهر آية أو حديث آخر، أو بموجب قياس أو استصحاب، فقد يوافق الحديث المتروك تارةً، ويخالفه أخرى. وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث، فإن الإحاطة بحديث رسول الله - ﷺ - لم تكن لأحدٍ من الأئمة. واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين (^١) هم أعلم الأمة بأمور رسول الله - ﷺ - وسُننه وأحواله، خصوصًا (^٢) الصدِّيق الذي لم يكن يفارقه حَضَرًا ولا سفرًا (^٣)، وكان عنده غالب الأوقات حتى كان يَسمُر عنده بالليل، وكان - ﷺ - كثيرًا ما يقول: «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (^٤)» (^٥).
ثم مع ذلك الاختصاص خفي عن أبي بكر ميراث الجدة، وكان عِلْمُه عند المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة (^٦) وعمران بن حصين (^٧)، وليس
_________________
(١) «الذين» ليس في «ح».
(٢) «ب»: «وخصوصا».
(٣) «ح»: «لا سفرًا ولا حضرًا».
(٤) «وعمر» سقط من «ب».
(٥) أخرجه البخاري (٣٦٨٥) ومسلم (٢٣٨٩) عن علي - ﵁ -.
(٦) أخرجه أحمد (١٨٤٦٥) وأبو داود (٢٨٩٤) والترمذي (٢١٠٠، ٢١٠١) وابن ماجه (٢٧٢٤) وابن حبان (٦٠٣١) والحاكم (٤/ ٣٧٦). وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣١٩٥٢) والدارمي في «السنن» (٢٩٨٠) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٢٦) عن عمران أنه كان يورث الجدة وابنها حي. وصححها البيهقي عنه.
[ ١ / ٢٨١ ]
هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر، ولا قريبًا منه في العلم.
وخفي على عمر سُنة الاستئذان (^١)، وتوريث المرأة من دِيَة زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي - أميرٌ لرسول الله - ﷺ - على بعض البوادي - «أن رسول الله - ﷺ - وَرَّث امرأة أشيم الضبابي [ق ٣٢ أ] من دِيَة زوجها» (^٢). فترك رأيه لذلك، وقال: لو لم نسمع (^٣) هذا لقضينا بخلافه.
وخفي عليه حكم المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - قال: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (^٤).
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (١٦١٥٨) وأبو داود (٢٩٢٧) والترمذي (١٤١٥، ٢١١٠) وابن ماجه (٢٦٤٢) والضياء في «المختارة» (٨/ ٨٥) عن سعيد بن المسيب عن عمر - ﵁ -، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٢/ ١١٦): «وهو صحيح عن سعيد بن المسيب، ورواية سعيد عن عمر تجري مجرى المتصل، وجائز الاحتجاج بها عندهم، وهذا الحديث عند جماعة أهل العلم صحيح معمول به، غير مختلف فيه».
(٣) «ح»: «أسمع».
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٢٧٨) والشافعي في «المسند» (١٧٧٣) وعبد الرزاق في «المصنف» (١٠٠٢٥) وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٠٨٧٠) والبزار في «المسند» (٣/ ٢٦٤) عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه. وقال البزار: «والحديث مرسل، ولا نعلم أحدًا قال: عن جعفر عن أبيه عن جده إلا أبو علي الحنفي عن مالك». وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ١١٦): وهو مع هذا كله منقطع، ولكن معناه متصل من وجوه حسان». وينظر: «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٢٦١). ومن شواهده ما رواه البخاري (٣١٥٦) عن بجالة «أن عمر لم يكن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - أخذها من مجوس هجر».
[ ١ / ٢٨٢ ]
وخفي عليه أمر (^١) الطاعون حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» (^٢).
وتذاكر هو وابن عباس أمر الذي شكَّ في صلاته، فلم يكن قد بَلَغَتْه السُّنَّة في ذلك حتى حدَّثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي - ﷺ - أنه يطرح الشكَّ، ويبني على ما استيقن (^٣).
وكان مرةً في السفر فهاجت ريحٌ، فجعل يقول: من يحدثنا عن الريح؟ قال أبو هريرة: فبلغني ذلك وأنا في أُخريات الناس، فحثثت راحلتي حتى أدركته، فحدثته بما أمر به النبي - ﷺ - عند هبوب الريح (^٤).
فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلَّغه إياها مَنْ عُمَر أعلمُ منه بكثيرٍ.
_________________
(١) من قوله: «المجوس حتى» إلى هنا سقط من «ح».
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٢٩) ومسلم (٢٢١٩) عن عبد الله بن عباس - ﵄ -.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٣٤٧٦) وأحمد في «المسند» (١٦٧٨) والدارقطني في «السنن» (٢/ ٢١٣) والحديث دون القصة أخرجه البخاري (٤٠١) ومسلم (٥٧١) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٤) أخرجه أحمد في «المسند» (٧٨٤٦، ٩٥٣٧، ١٠٩٩٩) وأبو يعلى في «المسند» (٦١٤٢) والحاكم (٤/ ٢٨٥). والحديث عند أبي داود (٥٠٩٧) دون ذكر قصة عمر مع أبي هريرة.
[ ١ / ٢٨٣ ]
ومواضع أُخر لم يَبلُغه ما فيها من السُّنَّة؛ فقضى (^١) وأفتى بغيرها، كما قضى في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها (^٢)، وقد كان عند أبي موسى (^٣) وابن عباس (^٤) - وهما دونه في العلم - أن النبي - ﷺ - قال: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ». فبلغت هذه السُّنَّة معاويةَ في إمارته، فقضى بها، ولم يجد المسلمون بُدًّا من اتِّباع ذلك (^٥).
وكان عمر ينهى المُحْرم عن التَّطيُّب قبل الإحرام وقبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي الجمرة (^٦)، هو وابنه عبد الله (^٧) وغيرهما من أهل العلم، ولم
_________________
(١) «فقضى» ليس في «ح».
(٢) أخرجه الشافعي في «مسنده» (١٦٦١) وعبد الرزاق في «المصنف» (١٧٦٩٨) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٧٥٥٢) عن سعيد بن المسيب عن عمر - ﵁ -. وحسنه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٤٥١).
(٣) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٠٠٧٧، ٢٠٠٨٤) وابن ماجه (٢٦٥٤) وأبو داود (٤٥٥٦) والنسائي (٤٨٤٤) وابن حبان (٦٠١٣).
(٤) أخرجه البخاري (٦٨٩٥).
(٥) لم نقف على اختلاف معاوية وعمر - ﵄ - في الأصابع، والمشهور هو خلافهما في الأضراس، روى مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٦١) وعبد الرزاق في «المصنف» (١٧٥٠٧) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٧٥٣٢) عن ابن المسيب «أن عمر قضى في الأضراس ببعير بعير، ولما كان معاوية وسقطت أضراسه قضى فيه خمس فرائض». وقال الخطابي في «معالم السنن» (٤/ ٢٨): «واتفق عامة أهل العلم على ترك التفضيل، وأن في كل سن خمسة أبعرة، وفي كل إصبع عشرًا من الإبل».
(٦) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٢٩) وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣٦٧٤) عن أسلم مولى عمر عنه. ورواه الإمام أحمد في «المسند» (٢٤٥١٦) عن سليمان بن يسار عنه.
(٧) أخرجه البخاري (٢٧٠) ومسلم (١١٩٢).
[ ١ / ٢٨٤ ]
يبلغهم حديثُ عائشة - ﵂ -: «طَيَّبْتُ رسول الله - ﷺ - لحُرْمه قبل أن يحرم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت» (^١).
وكان أمر (^٢) لابس الخُفِّ أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير توقيت (^٣)، واتَّبعه على ذلك طائفة من السَّلف، ولم يبلغهم أحاديث التوقيت التي صَحَّتْ عند مَنْ عُمَر أعلمُ منه.
وكذلك عثمان لم يكن عنده علمٌ بأن المتوفى (^٤) عنها زوجها (^٥) تعتدُّ في منزل الموت حتى حدَّثته الفريعة بنت مالك - أخت أبي سعيد الخدريِّ - بقصتها لمَّا تُوفي زوجها، وأن النبي - ﷺ - قال لها: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ». فأخذ به عثمان، وترك فتواه (^٦).
وأُهدي له مرَّةً صيدٌ - صِيدَ لأجله - وهو محرمٌ، فهَمَّ بأكله حتى أخبره علي - ﵁ - بأن النبي - ﷺ - ردَّ لحمًا أُهدي له وهو محرمٌ (^٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٧٥٤) ومسلم (١١٨٩).
(٢) «ح»: «يأمر».
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٧٦٣) وأحمد (٢٤٢). وينظر «الإمام» لابن دقيق العيد (٢/ ١٧٢ - ١٩٦) و«نصب الراية» (١/ ١٧٧ - ١٨٠).
(٤) من قوله: «أعلم منه» إلى هنا سقط من «ح».
(٥) «زوجها» ليس في «ب».
(٦) أخرجه أحمد (٢٧٨٤٦) وأبو داود (٢٣٠٠) والترمذي (١٢٠٤) والنسائي (٣٥٣٢) وابن حبان (٤٢٩٢) والحاكم (٢/ ٢٠٨) وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وصححه ابن القيم في «زاد المعاد» (٥/ ٦٠٤).
(٧) رواه أحمد (٧٩٤) والبزار (٩١٤) وأبو يعلى (٣٦٥) عن عبد الله بن الحارث بن نوفل. وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٢٢٩): «وفيه علي بن زيد، وفيه كلام كثير، وقد وثق». ورواه أبو داود (١٨٤٩) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٩٤) عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه مختصرًا، وليس في إسنادهما علي بن زيد، وقد صحح إسناده الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٢١). وأثر علي هذا ليس فيه أن عليًا قد جوَّز لحم الصيد للمحرم إذا لم يصد لأجله، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٩٤): «وأما علي وابن عباس - ﵄ - فإنهما ذهبا إلى تحريم أكله على المحرم مطلقًا». وينظر: «معالم السنن» للخطابي (٢/ ١٨٦) و«نصب الراية» للزيلعي (٣/ ١٣٩).
[ ١ / ٢٨٥ ]
وأفتى علي (^١) وابن عباس (^٢) وغيرهما أن المتوفى عنها إذا كانت حاملًا تعتدُّ أقصى الأجلين، ولم يكن قد بلغتهم (^٣) سُنة رسول الله - ﷺ - في سُبيعة الأسلمية أن رسول الله - ﷺ - أفتاها حين وضعت حملها بأنها قد حلَّت للأزواج (^٤).
وأفتى هو (^٥) وزيد بن ثابت (^٦) وابن عمر وغيرهم بأن المفوِّضة إذا
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (١٥١٦) وابن أبي شيبة في المصنف (١٧٣٨٥، ١٧٣٨٦) والطبري في «التفسير» (٢٣/ ٥٦) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٣٠).
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥) عن سليمان بن يسار.
(٣) «ح»: «بلغهم».
(٤) أخرجه البخاري (٣٩٩١) ومسلم (١٤٨٤).
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٩٢٢، ٩٢٤) وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٧٤٠٤، ١٧٤٠٦) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٤٧) عن علي - ﵁ -.
(٦) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٩٢٥) وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٧٤٠٣) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٤٦) عن زيد بن ثابت وابن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ٢٨٦ ]
مات عنها زوجها فلا مهر لها، ولم يكن بلغتهم سُنة رسول الله - ﷺ - في بَرْوَعَ بنت واشق (^١).
وهذا بابٌ واسعٌ. وأمَّا المنقول فيه عمَّن بعد الصحابة والتابعين فأكثر من أن يُحصى.
فإذا خفي على أَعْلَمِ الأُمَّة وأفقهها بعضُ السُّنَّة؛ فما الظنُّ بمَن بعدهم، فمن اعتقد أن كل حديثٍ صحيحٍ قد بلغ كلَّ فردٍ فردٍ من الأئمة أو إمامًا معيَّنًا فقد أخطأ خطأً فاحشًا.
قال أبو عمر: «وليس أحدٌ بعد رسول الله - ﷺ - إلَّا وقد خفيت عليه بعض سُنة رسول الله - ﷺ - من الصحابة فمَن بعدهم» (^٢).
وصدق أبو عمر - ﵁ -؛ فإن (^٣) مجموع سُنة رسول الله - ﷺ - من أقواله وأفعاله وإقراره لا يُوجد عند رجلٍ واحدٍ أبدًا، ولو كان أَعلَمَ أهل الأرض.
فإن قيل: فالسُّنَّة قد دُونت وجُمعت وضُبطت، وصار ما تفرَّق منها عند الفئة الكثيرة مجموعًا عند واحدٍ.
قيل: هذه الدَّواوين المشهورة في السُّنن إنما جُمعت بعد انقراض عصر الأئمة المتبوعين، ومع هذا فلا يجوز أن يُدَّعى انحصار سُنة رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤١٨٠، ٤١٨١) وأبو داود (٢١١٤) والترمذي (١١٤٥) والنسائي (٣٣٥٥) وابن ماجه (١٨٩١) وابن حبان (٤٠٩٨) والحاكم (٢/ ١٨٠) عن معقل بن سنان - ﵁ -، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ في كتب ابن عبد البر.
(٣) «ح»: «إن».
[ ١ / ٢٨٧ ]