«لا نُزيل (^١) عن الله صفةً من صفاته لأجل شناعة المشنِّعين».
ولمَّا أراد المتأولون المعطِّلون تمام هذا الغرض اخترعوا لأهل السُّنَّة الألقاب القبيحة، فسموهم: حَشْوية، ونوابت، ونواصب، ومُجبِرة، ومجسِّمة، ومشبِّهة، ونحو ذلك (^٢).
فتولَّد (^٣) مِن بين (^٤) تسميتهم لصفات الربِّ تعالى وأفعاله ووجهه ويديه وحكمته بتلك الأسماء، وتلقيب من أثبتها له بهذه الألقاب: لعنةُ أهل الإثبات والسُّنَّة وتبديعهم وتضليلهم وتكفيرهم وعقوبتهم، ولَقُوا منهم ما لقي الأنبياء وأتباعهم من أعدائهم. وهذا الأمر لا يزال في الأرض إلى أن يرثها الله ومَن عليها.
فصل
السبب الثالث: أن يعزو المتأوِّل تأويله وبدعته إلى جليل القدْر نبيه الذِّكر من العقلاء، أو مِن آل البيت النَّبويِّ، أو مَن حلَّ (^٥) له في الأُمة ثناءٌ جميلٌ ولسان صدقٍ؛ ليُحليه بذلك في قلوب الأغمار والجُهَّال. فإنه من شأن الناس تعظيم كلام مَن يَعظُم قدْرُه في نفوسهم، وأن يتلقوه بالقبول والميل إليه، وكلما كان ذلك القائل أعظمَ في نفوسهم كان قبولهم لكلامه أتمَّ، حتى
_________________
(١) «ح»: «يزال».
(٢) أفرد المصنِّف في «النونية» (٢/ ٥٧٣ - ٥٨١، ٦١٠ - ٦١١) فصلين في الرد على من سمَّى أهل السنة بهذه الأسماء القبيحة وبيَّن أنهم أحق بها.
(٣) «ح»: «فيتولد».
(٤) «بين» ليس في «ح».
(٥) «م»: «حصل».
[ ١ / ٢١٥ ]
إنهم لَيقدمونه على كلام الله ورسوله، ويقولون: هو أعلم بالله ورسوله منَّا.
[ق ٢٤ ب] وبهذه الطريق توصَّل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنُّصَيْرية (^١) إلى تنفيق باطلهم وتأويلاتهم، حتى أضافوها إلى أهل بيت رسول الله - ﷺ - - لمَّا علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم وموالاتهم وإجلالهم - فانتموا إليهم (^٢) وأظهروا من محبتهم وموالاتهم، واللَّهَج بذِكرهم وذِكر مناقبهم، ما خيَّل إلى السامع أنهم أولياؤهم وأَوْلى الناس بهم، ثم (^٣) نفَّقوا باطلهم وإفكَهم بنسبته إليهم.
فلا إله إلَّا الله، كم مِن زندقةٍ وإلحادٍ وبدعةٍ وضلالةٍ قد نَفَقَت في الوجود بنسبتها إليهم، وهم بَرَاء منها براءة الأنبياء من التجهم والتعطيل، وبراءةَ المسيح من عبادة الصليب والتثليث، وبراءةَ رسول الله - ﷺ - من البدع والضلالات.
وإذا تأملتَ هذا السبب رأيتَه هو الغالبَ على أكثر النفوس، وليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل، بلا برهانٍ من الله، ولا حُجةٍ قادتهم (^٤) إلى ذلك. وهذا ميراث بالتعصيب من الذين عارضوا دِين الرُّسل بما كان عليه الآباء
_________________
(١) «ب»: «البصرية». وهو تصحيف، والنُّصيرية: بضم النون وفتح الصاد المهملة وسكون الياء المنقوطة باثنتين بعدها راء مهملة، طائفة من غلاة الشيعة، كانوا يزعمون أن علي بن أبي طالب هو الله، وهؤلاء شر الشيعة. «الأنساب» للسمعاني (١٣/ ١٢١).
(٢) «ح»: «لهم».
(٣) «ثم» ليس في «ح».
(٤) «ح»: «قادهم».
[ ١ / ٢١٦ ]