في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان (^١) الذي علَّمه الله الإنسان وفَطَره على قبوله
التأويل يجري مَجرى مخالفة (^٢) الطبيعة الإنسانية والفطرة التي فَطَر عليها العبد، فإنه ردُّ الفهم من جريانه مع الأمر المعتاد المألوف إلى الأمر الذي لم يُعهَد ولم يُؤلف. وما كان هذا سبيلَه فإن الطباع السليمة لا تتقاضاه بل تنفر منه وتأباه، فلذلك وضع له أربابُه أصولًا ومهَّدوا له أسبابًا تدعو إلى قبوله، وهي أنواع (^٣):
السبب الأول: أن يأتي به صاحبه مموَّهًا مُزخرَف الألفاظ مُلفَّق المعاني، مكسوًّا حُلَّةَ الفصاحة والعبارة الرشيقة، فتسرع العقولُ الضعيفة إلى قبوله واستحسانه، وتبادر إلى اعتقاده وتقليده. ويكون حاله في ذلك حال من يعرض سلعةً مموَّهةً مغشوشةً على من لا بصيرةَ له بباطنها وحقيقتها، فيُحسِّنها في عينه، ويُحبِّبها إلى نفسه. وهذا الذي يعتمده (^٤) كلُّ مَن أراد ترويج باطلٍ؛ فإنه لا يتم له ذلك إلَّا بتمويهه وزخرفته وإلقائه إلى جاهلٍ بحقيقته.
قال الله (^٥) تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ اَلْإِنسِ وَاَلْجِنِّ
_________________
(١) «للبيان» ليس في «ح».
(٢) «ب»: «مخالفته».
(٣) «أنواع» ليس في «ح».
(٤) «ح»: «يعتمد».
(٥) لفظ الجلالة ليس في «ب».
[ ١ / ٢١١ ]
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]، فذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء بما يُزخرفه بعضُهم لبعضٍ من القول، فيغترُّ به الأَغْمارُ (^١) وضعفاء العقول، فذكر السببَ الفاعل والقابل. ثم ذكر سبحانه انفعال هذه النفوس الجاهلة عنه بصَغْوِها وميلها إليه (^٢) ورضاها به؛ لِمَا كُسِيَ من الزُّخرف الذي يغرُّ السامعَ. فلمَّا أصغت إليه ورَضِيَتْه اقترفت ما تدعو إليه من الباطل قولًا وعملًا. فتأمَّلْ هذه الآيات وما تحتها من هذا المعنى العظيم القدْر الذي فيه بيان أصول الباطل، والتنبيه [ق ٢٤ أ] على مواقع الحذر منها وعدم الاغترار بها.
وإذا تأملتَ مقالات أهل الباطل رأيتَهم قد كسَوْها من العبارات المُستحسنة، وتخيروا لها من الألفاظ الرائقة ما يُسرِع إلى قَبوله كل مَن ليس له بصيرةٌ نافذةٌ، وأكثر الخلق كذلك، حتى إن (^٣) الفُجَّار (^٤) ليُسمُّون أعظم أنواع الفجور بأسماء لا ينبو عنها السمع، ويميل إليها الطبع، فيُسمُّون أم الخبائث: أم الأفراح، ويُسمون اللقمة الملعونة (^٥): لُقيمة الذِّكر والفكر التي تُثير (^٦) العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، ويُسمُّون مجالس الفجور
_________________
(١) الأغمار: جمع غُمْر بالضم، وهو الجاهل الغِرُّ الذي لم يجرب الأمور. «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٣/ ٣٨٥).
(٢) «إليه» ليس في «ب».
(٣) «ح»: «جيران».
(٤) «الفجار» ليس في «ح».
(٥) «ح»: «الكفرية». وهذه اللقمة الملعونة هي الحشيشة، كما في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢١٠).
(٦) «ح»: «الذي يثير».
[ ١ / ٢١٢ ]