في الوظائف الواجبة على المتأوِّل التي (^٢) لا يُقبل منه تأويله إلَّا بها
لمَّا كان الأصل في الكلام هو الحقيقةَ والظاهرَ كان العدول به عن حقيقته وظاهره مُخرجًا له عن (^٣) الأصل، فاحتاج مُدَّعِي ذلك إلى دليلٍ يُسوِّغ له إخراجه عن أصله. فعليه أربعة أمورٍ لا يتم له دعواه إلَّا بها:
الأمر الأول: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوَّله في ذلك التركيب الذي وقع فيه، وإلَّا كان كاذبًا على اللغة مُنشِئًا وضعًا مِن عنده، فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغةً، وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص.
وكثيرٌ من المتأوِّلين لا يبالي إذا تهيأ له (^٤) حملُ اللفظ على ذلك المعنى بأي طريقٍ أمكنه أن يدَّعي حملَه عليه، إذ مقصودُه (^٥) دفع الصائل، فبأي طريقٍ اندفع عنه دفَعَه، والنصوص قد صالت على قواعده الباطلة، فبأي طريقٍ تهيأ له دَفْعُها دَفَعَها (^٦)، ليس مقصودُه أخْذَ الهدى والعلم والإرشاد منها، فإنه قد أصَّلَ أنها أدلةٌ لفظيةٌ لا يُستفاد منها يقينٌ (^٧) ولا علمٌ ولا معرفةٌ
_________________
(١) «ح»: «الثامن».
(٢) «ح»: «الذي».
(٣) «ب»: «من».
(٤) «له» ليس في «ح».
(٥) «ح»: «مقصود».
(٦) «دفعها» ليس في «ح».
(٧) «يقين». سقط من «ح».
[ ١ / ١٠٦ ]
بالحق، وإنما المُعوَّل على آراء الرجال وما تقتضيه عقولها.
وأنت إذا تأملتَ تأويلاتهم رأيت كثيرًا منها لا يحتمله اللفظ في اللغة التي وقع بها التخاطبُ، وإن احتمله لم يحتمله في ذلك التركيب الذي تأوَّلَه. وليس لأحدٍ أن يحمل كلامَ الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة أو الاصطلاح لبعض الشُّعراء أو الخُطباء أو الكُتَّاب أو العامة، إلَّا إذا كان ذلك غيرَ مخالفٍ لِمَا عُلِمَ من وصف الربِّ تعالى وشأنه، وما تضافرت به صفاتُه لنفسه وصفات رسوله له، وكانت إرادةُ ذلك (^١) المعنى بذلك اللفظ ممَّا يجوز ويصلح نسبتها إلى الله ورسوله، لا سيما والمتأوِّل يخبر (^٢) عن مراد الله ورسوله، فإن تأويل كلام (^٣) المتكلم بما يوافق ظاهرَه أو يخالفه (^٤) إنما هو بيان لمراده. فإذا عُلم أن المتكلم لم يُرِدْ هذا (^٥) المعنى، وأنه يمتنع أن يريده، وأن في صفات كماله ونُعوت جلاله ما يمنع من إرادته، وأنه يستحيل عليه من وجوهٍ كثيرةٍ أن يريده = استحال الحُكمُ عليه بإرادته.
فهذا أصلٌ عظيمٌ يجب معرفته، ومَن (^٦) أحاط به معرفةً تبيَّنَ له أن كثيرًا ممَّا (^٧)
_________________
(١) من قوله: «ذلك غير مخالف» إلى هنا سقط من «ح».
(٢) «ب»: «مخبر».
(٣) بعده في «ح» لفظ الجلالة.
(٤) من هنا وقع في «ب» سقطٌ كبير حتى أثناء الفصل الحادي عشر، وسنُنبِّه على انتهائه في محله بإذن الله تعالى.
(٥) «ح»: «لهذا». والمثبت من «م».
(٦) «ح»: «وممن». والمثبت من «م».
(٧) «ح»: «ما». والمثبت من «م».
[ ١ / ١٠٧ ]
يدَّعِيه المحرِّفون من التأويلات ممَّا يُعلَم قطعًا أن المتكلم لا يصلح أن يريده بذلك الكلام، وإن كان ذلك ممَّا يُسوِّغ لبعض الشعراء وكُتَّاب الإنشاء واللغة من القاصدين التعمية لغرض من الأغراض. فلا بد أن يكون المعنى الذي تأوله المتأوِّل ممَّا (^١) يسوغ استعمال اللفظ فيه في تلك اللغة التي وقع بها التخاطب، وأن يكون ذلك المعنى ممَّا يجوز نسبتُه إلى الله، وألَّا يعود على شيءٍ من صفات كماله بالإبطال والتعطيل، وأن يكون معه قرائنُ تحتفُّ به، تُبَيِّن (^٢) أنه مرادٌ باللفظ، وإلَّا كانت دعوى إرادته كذبًا على المتكلم. ونحن نذكر لذلك أمثلة (^٣):
المثال الأول: تأويل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٣] بأنه أقبل على خَلْقه، فهذا إنشاء منهم لوضع لفظ «استوى» على: أقبل على خَلْقِه. وهذا لم يقله أحدٌ من أهل اللغة، فإنهم ذكروا معانيَ «استوى»، ولم يذكر أحدٌ منهم أصلًا في معانيه الإقبال على الخلق. فهذه كتب اللغة طَبَقُ الأرضِ (^٤) هل تجدون أحدًا منهم يحكي ذلك عن (^٥) اللغة؟ وأيضًا فإنَّ استواء الشيء والاستواء إليه وعليه يستلزم وجودَه، ووجودَ ما نسبتَ إليه الاستواء بـ «إلى» أو بـ «على»، فلا يقال: استوى إلى أمرٍ معدومٍ، ولا استوى عليه. فهذا التأويل إنشاءٌ
_________________
(١) «ح»: «ما». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «بين». والمثبت من «م».
(٣) لم يذكر هنا غير مثال واحد فقط.
(٤) يعني: كثرتها وانتشارها.
(٥) «ح»: «على». والمثبت من «م».
[ ١ / ١٠٨ ]