في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم على أصلٍ واحدٍ وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسُنَّة رسوله
ذكر الحميدي في هذا فصلًا من كلام أبي محمد بن حزم - وهو من أحسن كلامه - فرأينا سياقَه بلفظه، قال الحميدي (^١):
«قال لنا الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد اليزيدي الفارسي في بيان أصل الاختلاف الشرعي وأسبابه:
تَطَلَّعَتِ النفسُ بعد تيقُّنها أن الأصل المتفَق عليه (^٢) المرجوع إليه أصلٌ واحدٌ لا يَختلِف - وهو ما جاء عن صاحب الشرع؛ إمَّا في القرآن، وإمَّا من فِعْله أو قوله الذي لا ينطق عن الهوى فيه - لمَّا رأتْ (^٣) وشاهدتْ من اختلاف علماء الأُمة فيما سبيله [ق ٣١ أ] واحدٌ وأصله غير مختلف، فبحثتْ عن السبب الموجِب للاختلاف، ولِتَرْكِ مَن ترك كثيرًا ممَّا صحَّ من السُّنن، فوضح لها بعد التفتيش والبحث أن كل واحدٍ من العلماء بشرٌ ينسى كما ينسى البشر، وقد يحفظ الرجل الحديث ولا يحضره ذكره، فيُفتي بخلافه. وقد يَعرض هذا في آي القرآن، ألا ترى أن عمر - ﵁ - أَمَرَ على المنبر ألَّا يُزاد مهور النساء على عَدَدٍ ذَكَرَه ميلًا إلى أن النبي - ﷺ - لم يَزِدْ على ذلك العدد
_________________
(١) «الجمع بين الصحيحين» (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٨). وأصله في «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٢/ ١٢٤ - ١٣٠).
(٢) «عليه» سقط من «ح».
(٣) في النسختين: «رأيت». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
[ ١ / ٢٧٠ ]
في مهور نسائه، حتى ذكَّرته امرأةٌ من جانب المسجد بقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] فترك قولَه، وقال: «كلُّ أحدٍ (^١) أعلم منك حتى النساء» (^٢)
ـ وفي رواية أخرى: «امرأةٌ أصابت، ورجلٌ أخطأ» (^٣) - علمًا منه - ﵁ - بأن النبي - ﷺ - وإن كان لم يَزِدْ في مهور النساء على عددٍ ما؛ فإنه لم يمنع ممَّا (^٤) سواه، والآية أعمُّ.
_________________
(١) «ح»: «واحد».
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٥٩٨) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٣٣) من طريق مجالد عن الشعبي بنحوه، وقال البيهقي: هذا منقطع. ورواه أبو يعلى - كما في «مسند الفاروق» (٨٠٩) و«المطالب العالية» (١٥٦٦) - من طريق مجالد عن الشعبي عن مسروق، وجوَّد إسناده ابن كثير في «مسند الفاروق» والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٩٣). وقال الهيثمي في «المجمع» (٧٥٠٢): «رواه أبو يعلى في «الكبير» وفيه مجالد بن سعيد، وفيه ضعف، وقد وثق». وقد رُويت القصة عن عمر - ﵁ - من وجوهٍ كثيرةٍ، ينظر: «تخريج الكشاف» للزيلعي (١/ ٢٩٤ - ٢٩٧) و«المقاصد الحسنة» للسخاوي (٨١٤) و«الدر المنثور» للسيوطي (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤) .. وقد رُوي نهي عمر - ﵁ - عن المغالاة في المهور دون مراجعة من أحد عن أبي العجفاء السلمي عنه، رواه أحمد (٢٩١) وأبو داود (٢١٠٦) والترمذي (١١١٤) وابن ماجه (١٨٨٧) وابن حبان (٤٦٢٠) والحاكم (٢/ ١٧٥). وقال الدارقطني في «العلل» (١/ ٢٤٦): «ولا يصح هذا الحديث إلا عن أبي العجفاء». وينظر: «إرواء الغليل» (١٩٢٧).
(٣) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٨٦٤) عن عبد الله بن مصعب عن عمر - ﵁ -، قال الحافظ ابن كثير في «التفسير» (٢/ ٢٤٤) وفي «مسند الفاروق» (٢/ ٥٠٥): «فيها انقطاع».
(٤) «ح»: «ما».
[ ١ / ٢٧١ ]
وكذلك «أمر - ﵁ - برَجْم امرأةٍ وَلَدَتْ لستة أشهُرٍ، فذكَّره (^١) علي - ﵁ - بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٤] مع قوله تعالى: ﴿وَاَلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣١] فرجع عن الأمر برَجْمها» (^٢).
وهمَّ أن يسطو (^٣) بعُيينة بن حصن (^٤) إذ جفا عليه حتى ذكَّره الحُرُّ بن قيس بقول الله ﷿: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ اِلْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فأمسك عمر (^٥).
وقال - ﵁ - يوم مات رسول الله - ﷺ -: «والله ما مات رسول الله - ﷺ -، ولا يموت حتى يكون آخرنا. حتى قُرئ عليه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] فرجع عن ذلك» (^٦)، وقد كان عَلِمَ الآية، ولكنه نَسِيَها؛ لعِظَم الخَطْب الوارد عليه.
وقد يَذكُر العالم الآية والسُّنَّة ولكن يتأوَّل فيهما تأويلًا من خصوصٍ أو نسخٍ أو معنًى (^٧) ما، وإن كان كل ذلك يحتاج إلى دليل.
_________________
(١) «ح»: «فذكر».
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١٣٤٤٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٧٢٧).
(٣) سطا به: وثب عليه وبطش به. «أساس البلاغة» (١/ ٤٥٤).
(٤) «ح»: «محصن». «ب»: «حصين». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين». وعيينة بن حصن الفزاري له صحبة، وكان من المؤلَّفة، ترجمته في «الإصابة» (٧/ ٥٩٨).
(٥) أخرجه البخاري (٤٦٤٢) عن عبد الله بن عباس - ﵁ -.
(٦) أخرجه البخاري (٣٦٦٧، ٧٢١٩) عن أم المؤمنين عائشة - ﵂ -.
(٧) «ح»: «تعيين».
[ ١ / ٢٧٢ ]
ولا شك أن الصحابة - ﵃ - كانوا بالمدينة حوله صلوات الله وسلامه عليه مجتمعين، وكانوا ذوي معايش يطلبونها، وفي ضنكٍ من القوت، فمن محترفٍ في الأسواق، ومن قائمٍ على نَخْله، ويَحضُره (^١) - ﷺ - في كل وقتٍ منهم طائفةٌ إذا وجدوا أدنى فراغ ممَّا هم بسبيله. وقد نصَّ على ذلك أبو هريرة فقال: «إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق بالأسواق (^٢)، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على نخلهم (^٣)، وكنت امرأً مسكينًا أَصحَبُ رسول الله - ﷺ - على مِلْء بطني» (^٤).
وقد قال عمر - ﵁ -: «ألهاني الصفق بالأسواق» في حديث استئذان أبي موسى (^٥).
وكان - ﷺ - يُسأل عن المسألة ويحكم بالحكم، ويأمر بالشيء ويفعل الشيء، فيحفظه (^٦) من حضره، ويغيب عمَّن غاب عنه.
فلمَّا مات صلوات الله وسلامه عليه ووليَ أبو بكر كان إذا جاءته القضية ليس عنده فيها نصٌّ سأل من بحضرته من الصحابة عنها، فإن وَجد عندهم (^٧) نصًّا رجع إليه، وإلَّا اجتهد في الحكم فيها. وكان اجتهاده واجتهاد
_________________
(١) «ح»: «وبحضرته».
(٢) الصفق بالأسواق: التصرف في التجارة. «مشارق الأنوار» (٢/ ٥٠).
(٣) «ح»: «عملهم».
(٤) أخرجه البخاري (١١٨) ومسلم (٢٤٩٢).
(٥) أخرجه البخاري (٢٠٦٢) ومسلم (٢١٥٣).
(٦) في النسختين: «فيحضره». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
(٧) في النسختين: «عنهم». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
[ ١ / ٢٧٣ ]
غيره منهم - ﵃ - رجوعهم إلى نصٍّ عامٍّ، أو إلى أصل إباحة متقدِّمة، أو إلى نوعٍ من هذا يرجع إلى أصل. ولا يجوز أن يظن أحدٌ أن اجتهاد أحدٍ منهم هو أن يُشَرِّع شريعة باجتهادٍ ما، أو يَختَرِع حُكمًا لا أصل له، حاشاهم من ذلك.
فلمَّا وليَ عمر - ﵁ - فُتحت الأمصار، وتفرَّقت الصحابة في الأقطار، فكانت الحكومة تنزل بمكة أو بغيرها من البلاد، فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها نصٌّ حُكِمَ به، وإلَّا اجتهدوا في ذلك، وقد يكون في تلك القضية نصٌّ موجودٌ عند صاحبٍ آخر في بلدٍ آخر.
وقد حضر المدني ما لم يحضر المصري، وحضر المصري ما لم يحضر الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضر البصري، والبصري ما لم يحضر الكوفي، والكوفي ما لم يحضر البصري، والمدني ما لم يحضر الكوفي والبصري، كل هذا موجودٌ في الآثار، وتقتضيه الحالة التي ذَكَرْنا من مَغِيب بعضهم عن مجلسه (^١) في بعض الأوقات، وحضور غيره، ثم مغيب (^٢) الذي حضر وحضور الذي غاب، فيدري كل واحدٍ منهم ما حضره، ويفوته ما غاب عنه، هذا أمرٌ مُشاهَدٌ.
وقد كان عِلْمُ التيمم عند عمار وغيره، وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا: «لا يتيمم الجُنُب، ولو لم يجد الماء شهرين» (^٣).
_________________
(١) «ح»: «محله».
(٢) في النسختين: «يغيب». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨). وذِكْرُ الشهرين ورد في رواية أحمد (١٩٣٩٥) وأبي داود (٣٢٢) والنسائي (٣١٦) وابن حبان (١٣٠٥).
[ ١ / ٢٧٤ ]
وكان حكم المسح على الخفين عند علي (^١) وحذيفة (^٢)، ولم تَعلَمْه عائشة (^٣) ولا عمر (^٤) ولا أبو هريرة (^٥)، على أنهم مدنيون.
وكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود، وغاب ذلك عن أبي موسى (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٦) عن عائشة - ﵂ - وفيه أنها أحالت مَنْ سألها عن المسح على الخف إلى علي - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٣).
(٣) روى أبو عبيد في «الطهور» (٣٩٤) وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٩٥٦، ١٩٦٥) عن عائشة قالت: «لأن أحزهما بالسكاكين أحب إلي أن أمسح عليهما». وصححه الدارقطني في «العلل» (٣٥٨٢). وقال أبو عبيد: «على أن بعض أصحاب الحديث كان يتأوله في المسح على القدمين، ويُصدِّق ذلك حديثها عن النبي - ﷺ -: «ويل للأعقاب من النار». فهل يكون هذا إلا على الأقدام، وهي كانت أعلم بمعنى حديثها». وقد تقدم أنها أحالت في المسح على الخفين على علي - ﵁ -. وينظر: «السنن الكبرى للبيهقي» (١/ ٢٧٢).
(٤) أخرجه البخاري (٢٠٢).
(٥) روى ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٩٦٤) عن أبي رزين عنه - ﵁ - قال: «ما أبالي على ظهر خُفِّي مسحت أو على ظهر حمار». وصححه مسلم في «التمييز» (ص ٢٠٩) وروى عن أبي زرعة عنه معناه، وصحَّحه أيضًا. وقد روى ابن ماجه (٥٥٥) وابن حبان (١٣٣٤) عنه جوازَ المسح على الخفين مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، وقال الإمام أحمد: «هذا حديث منكَر، وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - في المسح». «علل الدارقطني» (٨/ ٢٧٦) وكذا ضعفها البخاري ومسلم والدارقطني. ينظر: «التمييز» (ص ٢٠٨ - ٢٠٩) و«علل الترمذي» (٦١) و«علل الدارقطني» (١٥٦٣).
(٦) أخرجه البخاري (٦٧٣٦).
[ ١ / ٢٧٥ ]
وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وأبي سعيد الخدري وأُبي (^١)، وغاب عن عمر (^٢).
وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر قبل أن تطوف عند ابن عباس (^٣) وأم سليم (^٤)، ولم يعلمه ابن (^٥) عمر (^٦) وزيد بن ثابت (^٧).
وكان حكم المتعة والحُمُر الأهلية عند عليٍّ (^٨) وغيره، ولم يعلمه (^٩) ابن عباس (^١٠).
وكان حكم الصَّرف (^١١) عند عمر (^١٢) وأبي سعيد (^١٣) وغيرهما، وغاب ذلك عن طلحة (^١٤) وابن عباس وابن عمر (^١٥).
_________________
(١) «وأبي» ليس في «ح».
(٢) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (١٧٦٠) ومسلم (١٣٢٨).
(٤) أخرجه البخاري (١٧٥٨).
(٥) «ابن» ليس في «ب».
(٦) أخرجه البخاري (١٧٦١) وفيه: «أنه بلغه بعدُ أنه رُخِّصَ لهن».
(٧) أخرجه مسلم (١٣٢٨) وفيه: «أنه رجع بعدُ لقول ابن عباس - ﵄ -».
(٨) أخرجه البخاري (٥١١٥) ومسلم (١٤٠٧).
(٩) «ح»: «يقله».
(١٠) أخرجه البخاري (١٧٦١) ومسلم (١٩٣٩).
(١١) الصرف: بيع الدراهم بالذهب أو عكسه.
(١٢) أخرجه البخاري (٢١٧٤) ومسلم (١٥٨٦).
(١٣) أخرجه مسلم (١٥٩٤) وأصله في البخاري (٢٣١٢).
(١٤) كان طلحة - ﵁ - هو صاحب القصة في حديث عمر - ﵁ - المتقدم تخريجه.
(١٥) وهو في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وقد تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وكذلك حكم إجلاء أهل الذمة من بلاد العرب كان عند ابن عباس (^١) وعمر (^٢)، فنسيه عمر سنين (^٣)، فتركهم، حتى ذُكِّر بذلك فذكره (^٤)؛ فأجلاهم (^٥).
ومثل هذا كثيرٌ.
فمضى الصحابة على هذا، ثم خَلَفَ [ق ٣١ ب] بعدهم التابعون الآخذون عنهم، وكل طبقةٍ من التابعين في البلاد التي ذكرنا فإنما تفقَّهوا بمن كان عندهم من الصحابة، وكانوا (^٦) لا يَتَعَدَّوْن فتاويهم، لا تقليدًا لهم؛ ولكن لأنهم أخذوا ورووا عنهم، إلَّا اليسير ممَّا بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة - ﵃ -، كاتِّباع أهل المدينة في الأكثر فتاوى ابن عمر، واتباع أهل مكة في الأكثر فتاوى ابن عباس، واتباع أهل الكوفة في الأكثر (^٧) فتاوى ابن مسعود.
ثم أتى من بعد التابعين فقهاءُ الأمصار كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جُريج بمكة، ومالك وابن المَاجِشُون بالمدينة، وعثمان
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٦٨) ومسلم (١٦٣٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٦٧).
(٣) في النسختين: «سنتين». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
(٤) «ح»: «فذكرهم».
(٥) أخرجه البخاري (٢٧٣٠) وفيه: «أظننت أني نسيت».
(٦) «ب»: «فكانوا».
(٧) من قوله «فتاوى ابن عباس» إلى هنا سقط من «ح».
[ ١ / ٢٧٧ ]
البَتِّيِّ وسَوَّار (^١) بالبصرة، والأوزاعي بالشام، والليث بمصر، فجَرَوْا على تلك الطريقة من أَخْذ كل واحدٍ منهم عن التابعين من أهل بلده وتابعيهم (^٢) عن الصحابة فيما كان عندهم، وفي اجتهادهم فيما ليس عندهم، وهو موجود عند غيرهم، ولا يُكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها.
وكل من ذكرنا مأجورٌ على ما أصاب فيه أجرين، ومأجورٌ فيما خفي عنه ولم يبلغه أجرًا واحدًا، قال تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ٢٠].
وقد يَبلُغ الرجلَ ممَّن ذكرنا نصَّان ظاهرهما التعارض، فيميل إلى أحدهما بضربٍ من الترجيحات، ويميل غيره إلى النصِّ الآخر - الذي تركه - بضربٍ آخر من الترجيحات، كما روى (^٣) عثمان بن عفان في الجمع بين الأختين: «أحلتهما آية، وحرمتهما آية» (^٤). وكما مال ابن عمر إلى تحريم نساء أهل الكتاب جملةً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا اُلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقال: «لا أعلم شركًا أعظم من قول المرأة: إن عيسى ربها» (^٥). وغلَّبَ ذلك على الإباحة المنصوصة في الآية الأخرى. ومثل هذا كثير.
_________________
(١) هو سوار بن عبد الله بن قدامة بن عنزة التميمي العنبري أبو عبد الله البصري القاضي، توفي سنة ست وخمسين ومائة. ترجمته في «تهذيب التهذيب» (٤/ ٢٩٦).
(٢) في النسختين: «وتابعوهم». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
(٣) «ب»: «روي عن».
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٥٢٠) والشافعي في «الأم» (٥/ ٣) وعبد الرزاق في «المصنف» (١٢٧٣٢) وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٦٥١٢) والدارقطني في «السنن» (٣/ ٢٨١) وهو في الجمع بين الأختين في ملك اليمين.
(٥) أخرجه البخاري (٥٢٨٥).
[ ١ / ٢٧٨ ]
فعلى هذه الوجوه تَرَكَ بعض العلماء ما تركوا (^١) من الحديث ومن الآيات، وعلى هذه الوجوه خالفهم نظراؤهم، فأخذ هؤلاء ما ترك أولئك، وأخذ أولئك ما ترك هؤلاء، لا (^٢) قصدًا إلى خلاف النصوص، ولا تركًا لطاعتها؛ ولكن لأحد الأعذار التي ذَكَرْنا، إمَّا من نسيان، وإمَّا أنها لم تبلغهم، وإمَّا لتأويلٍ (^٣) ما، وإمَّا لأخذٍ (^٤) بخبرٍ ضعيفٍ لم يَعلَم الآخذُ به ضَعْفَ رواته، وعَلِمَه غيره، فأخذ بخبرٍ آخر أصحَّ منه، أو بظاهر آية. وقد يتنبَّه بعضهم في النصوص الواردة إلى معنًى ويَلُوح منه حُكْمٌ بدليل ما، ويغيب عن غيره.
وقد كَثُرت الرِّحَل إلى الآفاق، وتداخل الناس، وانتدب أقوام لجَمْع حديث النبي - ﷺ - وضمِّه وتقييده، ووصل من البلاد البعيدة إلى من لم يكن عنده، وقامت الحجة على من بلغه شيءٌ منه، وجُمعت الأحاديث المبيِّنة (^٥) لصحة أحد (^٦) التأويلات المتأوَّلة في الحديث، وعُرف الصحيح من السقيم، وزُيف (^٧) الاجتهاد المؤدِّي إلى خلاف كلام رسول الله - ﷺ - وإلى ترك عمله، وسقط العذر عمَّن خالف ما بلغه من السُّنن ببلوغها إليه وقيام الحجة بها
_________________
(١) «ما تركوا» ليس في «ح».
(٢) «لا» سقط من «ح».
(٣) «ح»: «التأويل».
(٤) «ح»: «الأخذ».
(٥) في النسختين: «المثبتة». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
(٦) في النسختين: «أخذ». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
(٧) «ب»: «وزاف». «ح»: «راق». وفي «الجمع بين الصحيحين»: «وزلف». والمثبت من «الإحكام».
[ ١ / ٢٧٩ ]
عليه، ولم يبق إلَّا العناد والتقليد.
وعلى هذه الطريقة كان الصحابة - ﵃ - وكثيرٌ من التابعين يرحلون في طلب الحديث الأيام الكثيرة طلبًا للسُّنن، والتزامًا لها.
وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر في حديثٍ واحدٍ إلى عقبة بن عامر (^١)، ورحل علقمة والأسود إلى عائشة وابن (^٢) عمر (^٣)، ورحل علقمة إلى أبي الدرداء بالشام (^٤)، وكتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة (^٥): اكتب إليَّ بما (^٦) سمعته من رسول الله - ﷺ - (^٧). ومثل هذا كثير». انتهى كلامه.