في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويلٍ وأصحاب تخييلٍ وأصحاب تجهيلٍ وأصحاب تمثيلٍ (^١) وأصحاب سواء السبيل
هذه خمسة أصناف انقسم الناس إليها في هذا الباب بحسب اعتقادهم ما أُريدَ بالنصوص:
الصنف الأول: أصحاب التأويل، وهم أشد الأصناف (^٢) اضطرابًا، إذ لم يثبت لهم قدمٌ في الفرق بين ما يُتأول وما لا يُتأول، ولا ضابط مطَّرِد منعكس يجب مراعاته ويمنع مخالفته؛ بخلاف سائر الفرق، فإنهم جَرَوْا على ضابطٍ واحدٍ، وإن كان فيهم من هو أشد خطأً من أصحاب التأويل كما سنذكره.
الصنف الثاني: أصحاب التخييل، وهم الذين اعتقدوا أن الرُّسل لم تُفصِحْ للخلق بالحقائق؛ إذ ليس في قُواهم إدراكها، وإنما خَيَّلَت (^٣) لهم، وأبرزت المعقولَ في صورة المحسوس. قالوا: ولو دعتِ الرُّسلُ أُمَمَهم إلى الإقرار بربٍّ لا داخلَ العالم ولا خارجَه ولا مُحايِثًا له ولا مُبايِنًا له (^٤)، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره. لنفرت عقولُهم من ذلك، ولم تصدِّق بإمكان وجود هذا الموجود فضلًا عن وجوب وجوده. وكذلك لو أخبروهم بحقيقة كلامه، وأنه فيضٌ
_________________
(١) قدَّم في «ب» قوله «وأصحاب تمثيل» على قوله «وأصحاب تجهيل».
(٢) «ح»: «الناس».
(٣) «ح»: «حلت».
(٤) «ح»: «به».
[ ١ / ١٩٨ ]
فاضَ من (^١) المبدأ الأول على العقل الفعَّال، ثم فاضَ من ذلك العقل على النفس الناطقة الزكية المستعدة؛ لم يفهموا ذلك. ولو أخبروهم عن المعاد الرُّوحاني بما هو عليه لم يفهموه، فقرَّبوا لهم الحقائقَ المعقولة في إبرازها في الصور المحسوسة، وضربوا لهم الأمثال بقيام الأجساد من القبور في يوم العرض والنشور، ومصيرها إلى جنةٍ فيها أكلٌ وشربٌ ولحمٌ وخمرٌ وجوارٍ حِسانٌ، أو نارٍ فيها أنواع العذاب، تفهيمًا للذة الرُّوحانية بهذه الصورة، والألم الرُّوحاني بهذه الصورة (^٢).
وهكذا فعلوا في وجود الربِّ وصفاته وأفعاله، ضربوا لهم الأمثال بموجودٍ (^٣) عظيمٍ جدًّا أكبر من كل موجودٍ، وله سريرٌ عظيمٌ وهو مستوٍ فوق سريره، يسمع ويبصر ويتكلم، ويأمر وينهى، ويرضى ويغضب، ويأتي ويجيء وينزل، وله يدانِ ووجهٌ، ويفعل بمشيئته وإرادته، وإذا تكلم العبادُ سمع (^٤) كلامَهم، وإذا تحركوا رأى حركاتِهم، وإذا هجسَ في قلب أحدٍ منهم هاجسٌ عَلِمَه، وأنه ينزل كل ليلة إليهم (^٥) إلى سمائهم هذه فيقول: «مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ (^٦) يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (^٧). إلى غير ذلك ممَّا نطقت به الكتبُ الإلهية.
_________________
(١) «من» ليس في النسختين، وأثبته من «م».
(٢) «والألم الروحاني بهذه الصورة» ليس في «ب».
(٣) «ح»: «بوجود».
(٤) «ب»: «يسمع».
(٥) «ح»: «لهم».
(٦) «ب»: «من».
(٧) أخرجه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ١٩٩ ]
قالوا: ولا يحلُّ لأحدٍ أن يتأول ذلك على خلاف ظاهره للجمهور؛ لأنه يُفسِد ما وُضِعت له [ق ٢٢ ب] الشرائع والكتب الإلهية. وأمَّا الخاصة فهم يعلمون أن هذه أمثالٌ مضروبةٌ لأمور عقلية تَعجِزُ عن إدراكها عقولُ الجمهور، فتأويلها جناية على الشريعة والحكمة، وإقرارها (^١) إقرارٌ للشريعة والحكمة. قالوا: وعقول الجمهور بالنسبة إلى هذه الحقائق (^٢) أضعفُ من عقول الصبيان بالنسبة إلى ما يدركه عقلاءُ الرجال وأهل الحِكمة منهم. والحكيم إذا أراد أن يخوِّف الصغير أو يبسط أملَه خوَّفه ورجَّاه بما يناسب فَهمَه وطبعَه.
وحقيقة الأمر عند هذه الطائفة: أن الذي أخبرت به الرُّسلُ عن الله وصفاته وأفعاله وعن اليوم الآخر لا حقيقةَ له تُطابِق ما أخبروا به، ولكنه أمثالٌ وتخييلٌ وتفهيمٌ بضرب الأمثال. وقد ساعدهم أربابُ التأويل على هذا المقصد في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وصرَّحوا في ذلك بمعنى (^٣) ما صرَّح به هؤلاء في باب المَعاد وحشْر الأجساد، بل نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص الاستواء والفَوْقية ونصوص الصِّفات الخبرية. لكن هؤلاء أوجبوا أو سوَّغوا تأويلها بما يُخرِجها عن حقائقها وظواهرها، وظنوا أن الرُّسل قصدت ذلك من المخاطَبين تعريضًا لهم إلى الثواب الجزيل ببذل الجهد (^٤) في تأويلها واستخراج معانٍ تليق بها وحملها عليها؛ وأولئك حرَّموا التأويل،
_________________
(١) «ح»: «والإقرار».
(٢) من قوله: «إقرار للشريعة» إلى هنا ليس في «ح».
(٣) «ح»: «معنى».
(٤) «ح»: «تبدل الجهة».
[ ١ / ٢٠٠ ]