في بيان أنه مع كمال عِلم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلافَ ظاهره وحقيقته وعدمُ البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
نكتفي من هذا الفصل بذِكْر مناظرةٍ جرَتْ بين جهميٍّ معطِّلٍ وسُنِّيٍّ مُثبِتٍ، حدثني بمضمونها شيخُنا عبد الله بن تيمية - ﵀ -، أنه جمعَه وبعضَ الجهمية مجلسٌ (^٢)، فقال الشيخ: قد تطابقت نصوص الكتاب والسُّنَّة والآثار على إثبات الصِّفات [ق ١٤ ب] لله، وتنوعت دلالتها عليها أنواعًا تُوجِب العلم الضروري بثبوتها، وإرادة المتكلم اعتقادَ ما دلَّت عليه. والقرآن مملوءٌ مِن ذِكر الصِّفات، والسُّنَّة ناطقةٌ بمثل (^٣) ما نطق به القرآن، مقرِّرةٌ له مصدِّقةٌ له، مشتمِلة على زيادة في الإثبات. فتارةً بذكر الاسم المشتمِل على الصِّفة، كالسميع البصير العليم القدير العزيز الحكيم، وتارةً بذكر المصدر، وهو الوصف الذي اشتُقَّت منه تلك الصفة، كقوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله: ﴿إِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلرَّزَّاقُ ذُو اُلْقُوَّةِ اِلْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقوله: ﴿إِنِّيَ اَصْطَفَيْتُكَ عَلَى اَلنَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وقوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨١].
وقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ
_________________
(١) «ح»: «الحادي».
(٢) في النسختين: «مجلسًا». وكذا في «م».
(٣) «ح»: «على».
[ ١ / ١٣١ ]
سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^١).
وقوله في دعاء الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» (^٢).
وقوله: «أَسْأَلُكَ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ» (^٣).
وقول عائشة: «الحمد لله الذي (^٤) وَسِعَ سمعُه الأصواتَ» (^٥).
ونحوه.
وتارةً يذكر (^٦) حُكم تلك الصفة، كقوله: ﴿قَد سَّمِعَ اَللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] و﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٥]، وقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ اَلْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، وقوله: ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٦] ونظائر ذلك.
ويُصرِّح في الفوقية بلفظها الخاص، وبلفظ العلوِّ والاستواء، وأنه في
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٩) عن أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٨٢) عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.
(٣) أخرجه الإمام أحمد (١٨٦١٥) والنسائي (١٣٠٥) وابن حبان (١٩٧١) والحاكم (١/ ٥٢٤) عن عمار بن ياسر - ﵄ -، وقال الحاكم: «حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».
(٤) «الذي» ليس في «ب».
(٥) علقه البخاري في «صحيحه» (٩/ ١١٧) ووصله الإمام أحمد (٢٤٨٣٢) والنسائي (٣٤٦٠) وابن ماجه (١٨٨) وصححه ابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٣٩).
(٦) «يذكر» سقط من «ح».
[ ١ / ١٣٢ ]
السماء، وأنه ذو المعارج، وأنه رفيع الدرجات، وأنه تعرُجُ إليه الملائكةُ وتنزل مِن عنده، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عيانًا مِن فوقهم، إلى أضعاف أضعاف (^١) ذلك، ممَّا لو جُمعت النصوصُ والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام وآثارها.
ومن أَبْيَنِ المحال وأوضح الضلال حملُ ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره، ودعوى المجاز فيه والاستعارة، وأن الحق في أقوال النُّفاة المعطِّلين، وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص؛ إذ يلزم من (^٢) ذلك أحدُ محاذيرَ ثلاثةٍ، لا بد منها أو من بعضها، وهي: القدحُ في علم المتكلم بها، أو في بيانه، أو في نُصحه.
وتقرير ذلك أنه يقال: إمَّا أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالمًا أن الحق في تأويلات النُّفاة المعطِّلين أو لا يعلم ذلك. فإن لم يعلم ذلك - والحقُّ فيها (^٣) - كان ذلك قدحًا (^٤) في علمه. وإن كان عالمًا أن الحق فيها فلا يخلو؛ إمَّا أن يكون قادرًا على التعبير بعباراتهم - التي هي تنزيهٌ لله بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم، وأنه لا يعرف اللهَ مَن لم ينزِّهه بها - أو (^٥) لا يكون قادرًا على تلك العبارات. فإن لم يكن قادرًا على التعبير بذلك لزم القدحُ في فصاحته، وكان ورثةُ الصابئة وأفراخ الفلاسفة وأوقاح المعتزلة
_________________
(١) «أضعاف» ليس في «ب».
(٢) «من» سقط من النسختين، وأثبته من «م».
(٣) «ب»: «فيهما».
(٤) في «ح»: «قد جاء».
(٥) «ح»: «إذ».
[ ١ / ١٣٣ ]
والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصحَ منه وأحسنَ بيانًا وتعبيرًا عن الحق. وهذا ممَّا يعلم بطلانَه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه، موافقوه ومخالفوه، فإن مخالفيه لم يشكُّوا في أنه أفصح الخلق وأقدرهم على حُسن التعبير بما يُطابق المعنى ويُخلِّصه من اللبس والإشكال.
وإن كان قادرًا على ذلك، ولم يتكلم به، وتكلم دائمًا بخلافه وما يناقضه، كان ذلك قدحًا في نُصحه. وقد وصف الله رسله بكمال النُّصح والبيان، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٥]، وأخبر عن رسله بأنهم أنصحُ الناس لأُممهم. فمع النُّصح والبيان والمعرفة التامة كيف يكون مذهب النُّفاة المعطِّلة أصحاب التحريف هو الصوابَ، وقولُ أهل الإثبات أتباع القرآن والسُّنَّة باطلًا؟! هذا مضمون المناظرة.
فقال له الجهمي: انزل بنا إلى الوطاءة (^١).
قلت له: ما أراد بذلك؟
قال: أراد أنك خاطبتني مِن فوقُ، وتجوَّهْتَ (^٢) عليَّ بجاهٍ لا يمكنني مقاومته، فانزل بنا إلى مباحث الفضلاء وقواعد النُّظار، أو نحو هذا من الكلام.
فليتدبر الناصحُ لنفسه - الموقِن بأن الله (^٣) لا بد سائله عمَّا أجاب به
_________________
(١) لعله من الوطأة التي هي موضع القدم، أراد: لا تتعاظمْ عليَّ وانزِلْ إليَّ. ينظر «تاج العروس» (١/ ٤٩٤ - ٤٩٥).
(٢) أراد: تعاظمت. ينظر «تاج العروس» (٣٦/ ٣٧١).
(٣) «ح»: «بالله».
[ ١ / ١٣٤ ]
رسوله - هذا المقامَ، ولْيتحيَّز بعدُ إلى (^١) أين شاء، فلم يكن الله ليجمعَ بين النُّفاة المعطلين المحرِّفين وبين أنصاره وأنصار رسوله وكتابه (^٢) إلَّا جمعَ امتحانٍ وابتلاء، كما جمع بين الرُّسل وأعدائهم في هذه الدار.
قلت: وقريبٌ من هذه المناظرة ما جرى لي مع بعض علماء أهل الكتاب (^٣)، فإنه جمعَني وإياه مجلسُ خلوةٍ، أفضى بنا (^٤) الكلام إلى أن جرى ذِكر مسبَّة النصارى لربِّ العالمين مسبةً ما سبَّه إيَّاها أحدٌ من البشر، فقلت له: وأنتم بإنكاركم نبوةَ محمدٍ - ﷺ - قد سببتم الربَّ تعالى أعظمَ مسبةً.
قال: وكيف ذلك؟
قلت: لأنكم تزعمون أن محمدًا مَلِكٌ ظالمٌ، ليس برسولٍ صادقٍ، وأنه خرج يستعرض الناس بسيفه، فيستبيح أموالهم ونساءهم وذراريَّهم، ولا يقتصر على ذلك حتى يَكذِبَ على الله ويقولَ: الله أمرني بهذا وأباحه لي. ولم يأمره اللهُ ولا أباح له ذلك. ويقولَ: أُوحِيَ إليَّ. ولم يُوحَ إليه شيءٌ. وينسخَ شرائعَ الأنبياء مِن عنده، ويُبطِلَ منها ما يشاء، ويُبقِيَ منها ما يشاء، ويَنسُبَ ذلك كله إلى الله، ويقتلَ أولياءه وأتباعَ رُسله، ويسترقَّ نساءهم وذُرياتهم. فإمَّا أن يكون الله سبحانه رائيًا لذلك كله عالمًا به مطلعًا عليه أو لا.
فإن قلتم: إن ذلك بغير علمه واطلاعه [ق ١٥ أ] نسبتموه إلى الجهل
_________________
(١) «ح»: «أجدال».
(٢) «ح»: «وكأنه».
(٣) ذكر المصنف - ﵀ - هذه المناظرة أيضًا في «التبيان في أيمان القرآن» (ص ٢٧٠ - ٢٧٤) وفي «هداية الحيارى» (ص ٣٨٤ - ٣٨٥) وبيَّن أنه كانت مع أكبر علماء اليهود.
(٤) «ب»، «ح»: «بيننا». والمثبت من «م».
[ ١ / ١٣٥ ]
والغباوة، وذلك من أقبح السبِّ. وإن كان عالمًا به رائيًا له مشاهدًا لما يفعله فإمَّا أن يَقدِر على الأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا.
فإن قلتم: إنه غير قادرٍ على منعه والأخذ على يده (^١) نسبتموه إلى العجز والضعف.
وإن قلتم: بل هو قادر على منعه ولم يفعل نسبتموه إلى السفه والظلم والجور.
هذا، وهو مِن حين ظهرَ إلى أن توفاه ربُّه يُجيب دعواتِه ويقضي حاجاتِه، ولا يسأله حاجةً إلَّا قضاها له، ولا يدعوه بدعوةٍ إلَّا أجابها له، ولا يقوم له عدوٌّ إلَّا ظفر به، ولا تقوم له رايةٌ إلَّا نصرها، ولا لواء إلَّا رفعه، ولا مَن يُناوِئه ويعاديه إلَّا بتره ووضعَه. فكان أمرُه مِن حين ظهر إلى أن تُوفي يزداد على الأيام والليالي ظهورًا وعلوًّا ورفعةً، وأمرُ مخالفيه لا يزداد إلَّا سُفولًا واضمحلالًا. ومحبتُه في قلوب الخلق تزيد على ممر الأوقات، وربه تعالى يؤيده بأنواع التأييد، ويرفع ذِكره غايةَ الرفع. هذا، وهو عندكم من أعظم أعدائه وأشدهم ضررًا على الناس، فأيُّ (^٢) قدحٍ في ربِّ العالمين، وأيُّ مسبةٍ له، وأيُّ طعنٍ فيه أعظمُ من ذلك!
فأخذ الكلام منه مأخذًا ظهرَ عليه، وقال: حاشَ لله أن نقول فيه هذه المقالة، بل هو نبيٌّ صادقٌ، كلُّ مَنِ اتبعه فهو سعيدٌ، وكلُّ منصِفٍ منَّا يُقرُّ بذلك، ويقول: أتباعه سُعداء في الدارين.
_________________
(١) «والأخذ على يده». في «ح»: «ولم يفعل».
(٢) «ح»: «وأي».
[ ١ / ١٣٦ ]
قلت له: فما يمنعك من الظفر بهذه السعادة (^١)؟
فقال: وأتباع كل نبيٍّ من الأنبياء كذلك، فأتباع موسى أيضًا سُعداء.
قلت له: فإذا أقررتَ أنه نبيٌّ صادقٌ فقد (^٢) كفَّرَ مَن لم يتبعه، واستباح دمه وماله، وحكمَ له بالنار. فإنْ صدَّقتَه في هذا وجب عليك اتباعُه، وإن كذبتَه فيه لم يكن نبيًّا، فكيف يكون أتباعُه سعداءَ؟!
فلم يُحِرْ جوابًا (^٣)، وقال: حدِّثْنا (^٤) في غير هذا.
فانظر هذه الموازنة والمشابهة بين ما لزم الجهمية النُّفاة من القدح والطعن في المتكلم بنصوص الصِّفات، وما لزم منكري نبوةِ محمدٍ - ﷺ - من الطعن والقدح في الربِّ تعالى.
وإذا ضممتَ هذا إلى ما يلزمهم من الطعن في كلامه ولمزه (^٥) واشتماله على ما ظاهرُه كفرٌ وضلالٌ وباطلٌ ومحالٌ علمتَ حقيقةَ الحال، وتبيَّن لك الهدى من الضلال، والله المستعان.
* * * * *
_________________
(١) «السعادة» ليس في «ب».
(٢) «ب»: «فهو».
(٣) أي: لم يرجع ولم يرد. «النهاية في غريب الحديث والأثر» (١/ ٤٥٨).
(٤) «ب»: «خُذ بنا».
(٥) «ح»: «أمره».
[ ١ / ١٣٧ ]