في أن قصْدَ المتكلم من المخاطب حملَ كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصدَ البيان والإرشاد والهدى، وأن القصدين يتنافيان (^٢)، وأنَّ تركَه بدون ذلك الخطاب خيرٌ له وأقرب إلى الهدى
لمَّا كان المقصود بالخطاب دلالة السَّامع وإفهامه مرادَ المتكلم بكلامه، وتبيينه له ما في نفسه من المعاني ودلالته عليها بأقرب الطرق، كان ذلك موقوفًا (^٣) على أمرين: بيان المتكلم، وتمكُّن السامع من الفهم.
فإن لم يحصل البيانُ من المتكلم، أو حصل ولم يتمكن السامع من الفهم، لم يحصل مراد المتكلم. فإذا بيَّنَ المتكلم مرادَه بالألفاظ الدالة على مراده، ولم يعلم السامع معانيَ تلك الألفاظ، لم يحصل له البيان. فلا بد مِن تمكُّن السامع من الفهم، وحصول الإفهام من المتكلم.
فحينئذٍ لو أراد اللهُ ورسوله من كلامه خلافَ حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب لَكان قد كلَّفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده، وأراد منه فَهْمَ النفي بما يدل على غاية الإثبات، وفَهْمَ الشيء بما يدل على ضدِّه، وأراد منه أن يفهم أنه ليس فوق العرش إلهٌ يُعبَد، ولا إله يُصَلَّى له (^٤) ويُسجَد، وأنه لا داخلَ العالَم ولا خارجَه ولا فوقه
_________________
(١) في «ح»: «العاشر». والمثبت من الفهرس المتقدم في مقدمة الكتاب.
(٢) «ح»: «ينافيان». والمثبت من «م».
(٣) «ح»: «مرفوعًا». والمثبت من «م».
(٤) «ح»: «إليه».
[ ١ / ١٢٣ ]
ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه، بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ٩]. وأراد النبي - ﷺ - إفهامَ أُمته هذا المعنى بقوله: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بن مَتَّى» (^١).
وأراد إفهامَ كَوْنه خَلَقَ آدم بقدرته ومشيئته بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٤].
وأراد إفهام تخريب السماوات والأرض وإعادتها إلى العدم بقوله: «يَقْبِضُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ» (^٢).
وأراد إفهام معنى: مَنْ ربُّك؟ ومَنْ تعبد؟ بقوله: «أَيْنَ اللهُ؟» (^٣) وأشار بإصبعه إلى السماء مستشهِدًا بربه (^٤)، وليس هناك ربٌّ ولا إلهٌ، وإنما أراد إفهام السامعين أن الله قد سمع قولَه وقولهم، فأراد بالإشارة بإصبعه بيان كَوْنه قد سمع قولهم.
_________________
(١) أخرج البخاري (٣٢١٥) ومسلم (٢٣٧٦) عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «لا يَنبغِي لِعبدٍ أن يقولَ: أنا خيرٌ مِن يُونُسَ بن مَتَّى». ولم نقف عليه باللفظ الذي ذكره المصنِّف - ﵀ - إلَّا في «الشفاء» للقاضي عياض (١/ ٢٦٥) دون سند، وتبعه غير واحد، وقال السيوطي في «مناهل الصفا» (ص ٧٥): «لم أقف عليه بهذا اللفظ». وقال السخاوي في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٤٢٩) نحوه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم (٥٣٧) عن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ -.
(٤) أخرجه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله - ﵄ - في حديث حجة الوداع الطويل.
[ ١ / ١٢٤ ]