في جنايات التأويل على أديان الرُّسل
وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدِّين بسبب فتح باب التأويل
إذا تأمل المتأمِّل فساد العالَم، وما وقع فيه من التفرق (^٢) والاختلاف، وما دُفِع إليه أهل الإسلام، وجده ناشئًا من جهة التأويلات المختلفة المستعملة في آيات القرآن وأخبار الرسول صلوات الله وسلامه عليه، التي تعلق بها المختلفون على اختلاف أصنافهم في أصول الدِّين وفروعه، فإنها أوجبت ما أوجبت من التباين والتحارب، وتفرُّق الكلمة، وتشتُّت (^٣) الأهواء، وتصدُّع الشمل، وانقطاع الحبْل، وفساد ذات البَيْن، حتى صار يُكفِّر ويلعن بعضُهم بعضًا، وترى طوائف منهم تسفِكُ دماء الآخرين، وتستحلُّ منهم في (^٤) أنفسهم وحُرمهم وأموالهم ما هو أعظم ممَّا يرصدهم به أهل دار الحرب من المنابِذين لهم.
فالآفات التي جَنَتْها وتجنيها (^٥) كل وقتٍ أصحابُها على الملة والأُمة من التأويلات الفاسدة أكثرُ من أن تُحصَى أو يبلغها وصفُ واصفٍ، أو يحيط بها ذِكْر ذاكرٍ، ولكنها في جملة القول أصل كل فسادٍ وفتنةٍ، وأساس كل
_________________
(١) «ح»: «الرابع».
(٢) «ح»: «التفريق».
(٣) «ح»: «وتشتيت».
(٤) «في» ليس في «ب».
(٥) «ب»: «ويجنيها».
[ ١ / ١٥١ ]
ضلالٍ وبدعةٍ، والمولِّدة لكل اختلافٍ وفُرقةٍ، والناتِجة أسبابَ كلِّ تباينٍ وعداوةٍ وبغضة.
ومن عظيم آفاتها ومصيبة الأُمة بها أن الأهواء المضِلة والآراء المهلِكة التي تتولد مِن قِبَلها لا تزال تنمو وتتزايد على ممرِّ الأيام وتعاقُب الأزمنة. وليست الحال في الضلالات التي حدثت مِن قبل أصول الأديان الفاسدة كذلك؛ فإن فساد تلك معلومٌ عند الأُمة، وأصحابها لا يطمعون في إدخالها في دين الإسلام، فلا يطمع أهل الملة اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ولا الثانوية ونحوهم أن يُدخِلوا أصول مللهم (^١) في الإسلام، ولا يدعوا مسلمًا إليه، ولا يدخلوه إليهم من بابه أبدًا، بخلاف فرقة التأويل، فإنهم يدعون المسلم من باب القرآن والسُّنَّة وتعظيمهما، وأن لنصوصهما تأويلًا لا يُوجد إلَّا عند خواص أهل العلم والتحقيق، وأن العامة في عمًى عنه؛ فضرر هذه الفرقة على الإسلام وأهله أعظم من ضرر أعدائه المنابذين له. ومثلهم ومثل أولئك كمثل قومٍ في حصنٍ حاربهم عدوٌّ لهم فلم يطمعوا (^٢) في فتح حصنهم والدخول عليهم، فعمَدَ جماعةٌ من أهل الحصن ففتحوه له، وسلَّطُوه على الدخول إليه، فكان مُصاب أهل الحصن مِن قِبَلهم.
وبالجملة، فالأهواء المتولِّدة من قبل التأويلات الباطلة فغير محصورة ولا متناهية، بل هي متزايدة نامية بحسب سوانح المتأولين وخواطرهم، وما تُخرِجهم إليه ظنونهم وأوهامهم. ولذلك لا يزال المستقصي عند نفسه في البحث عن المقالات وتتبُّعِها يهجم على أقوال من مذاهب أهل التأويل لم
_________________
(١) «ح»: «ملتهم».
(٢) «ح»: «يطيعوا».
[ ١ / ١٥٢ ]
تكن تخطر له على بالٍ، ولا تدور له في خيال، ويرى أمواجًا من زَبَد الصدور تتلاطم، ليس لها ضابط إلَّا سوانحُ وخواطر وهوسٌ تقذف به النفوس التي لم يؤيِّدها الله بروح الحق، ولا (^١) أشرقت عليها شمسُ الهداية، ولا باشرت حقيقةَ الإيمان، فخواطرُها وهوسُها لا غايةَ له يقف عندها. فإن أردت الإشراف على ذلك فتأمَّلْ كُتب المقالات والآراء والدِّيانات، تجدْ كل ما يخطر ببالك قد ذهب إليه ذاهبون، وصار إليه صائرون، ووراء ذلك ما لم يخطر لك على بالٍ.
وكلُّ هذه الفرق تتأول نصوص الوحي على قولها، وتحمله على تأويلها؛ ومع ذلك فتجد أُولِي العقول الضعيفة إلى الاستجابة لهم مسارِعين، وفي القبول منهم راغبين. فهم مبادرون إلى أخْذِ ما يوردونه عليهم، وقبولهم إيَّاه عنهم، وعلى الدعوة إليه هم أشد حرصًا منهم على الدعوة إلى الحق الذي جاءت به الرُّسل. ولم يُوجد الأمر في قبول دعوة الرسل كذلك، بل قد عُلم ما لَقِيَ المرسلون في الدعوة إلى الله من الجَهْد والمشقة والمكابدة، ولقُوا أشد العناء والمكروه، وقاسوا أبلغ الأذى، حتى استجاب لهم مَنِ استجاب إلى الحق الذي هو مُوجِب الفِطَر، وشقيق الأرواح، وحياة القلوب، وقرة العيون، ونجاة النفوس، حتى إذا أطْلَعَ شيطان التأويل رأسَه، وأبدى لهم عن ناجذيه، ورفع لهم عَلَمًا [ق ١٧ أ] من التأويل، طاروا إليه زَرَافاتٍ ووُحدانًا. فهم إخوان السِّفِلة الطَّغَام، أشباه الأنعام، بل أضل من الأنعام، طَبْلٌ يجمعهم، وعصًا تفرِّقُهم! فانظر ما لَقِيَه نوح وإبراهيم وصالح وهود وشعيب وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم - في
_________________
(١) «لا» ليس في «ح».
[ ١ / ١٥٣ ]
الدعوة إلى الله، من الرد عليهم، والتكذيب لهم، وقصدهم بأنواع الأذى، حتى ظهرت دعوةُ مَن ظهرت دعوته منهم، وأقاموا دين الله.
وانظر سرعة المستجيبين لدعاة الرافضة والقرامطة الباطنية والجهمية والمعتزلة، وإكرامهم لدُعاتهم، وبذل أموالهم، وطاعتهم لهم (^١) من غير برهانٍ أتوهم به، أو آية أروهم إيَّاها، غير أنهم دَعَوهم إلى تأويلٍ تستغربه النفوس وتستطرفه (^٢) العقول، وأوهموهم أنه من وظيفة الخاصة الذين ارتفعوا به عن طبقة العامة، فالصائر إليه معدودٌ في الخواص، مفارقٌ للعوام. فلم تر شيئًا من المذاهب الباطلة والآراء الفاسدة المستخرجة بالتأويل قُوبِلَ الداعي إليه الآتي به أولًا بالتكذيب له والرد عليه، بل ترى المخدوعين المغرورين يُجفِلون إليه إجفالًا، ويأتون إليه أرسالًا، تؤزُّهم إليه شياطينهم ونفوسهم (^٣) أزًّا، وتزعجهم إليه إزعاجًا، فيدخلون فيه أفواجًا، يتهافتون فيه تهافُتَ الفراش في النار، ويَثُوبون إليه مثابة الطير إلى الأوكار.
ثم من عظيم آفاته سهولةُ الأمر على المتأوِّلين في نقل المدعوين عن مذاهبهم وقبيح اعتقادهم إليه، ونَسْخِ الهدى من صدورهم، فإنهم ربما اختاروا للدعوة إليه رجلًا مشهورًا بالديانة والصيانة، معروفًا بالأمانة، حسنَ الأخلاق، جميلَ الهيئة، فصيحَ اللسان، صبورًا على التقشف والتزهد، مرتاضًا لمخاطبة الناس على اختلاف طبقاتهم. ويتهيأ لهم مع ذلك مِن عيب أهل الحق، والطعن عليهم، والإزراء بهم، ما يظفر به المفتِّش عن العيوب.
_________________
(١) «لهم» ليس في «ب».
(٢) «ب»: «وتستظرفه».
(٣) «ح»: «وتغويهم إليه».
[ ١ / ١٥٤ ]
فيقولون للمغرور المخدوع: وازِنْ بين هؤلاء وهؤلاء، وحكِّمْ عقلك، وانظرْ إلى نتيجة الحق والباطل. فيتهيأ لهم بهذا الخداع ما لا يتهيأ بالجيوش، وما لا يطمع في الوصول إليه بدون تلك (^١) الجهة.
ثم من أعظم جنايات التأويل على الدِّين وأهله وأبلغها نكايةً فيه أن المتأول يجد بابًا مفتوحًا لما يقصده من تشتيت كلمة أهل الدِّين وتبديد نظامهم، وسبيلًا سهلة إلى ذلك. فإنه يحتجر (^٢) من المسلمين بإقراره معهم بأصل التنزيل، ويدخل نفسه في زُمرة أهل التأويل، ثم بعد ذلك يقول ما شاء ويدعي ما أحب. ولا يُقدَر (^٣) على منعه من ذلك لادعائه أن أصل التنزيل مشتركٌ بينك وبينه، وأن عامة الطوائف المُقِرَّة به (^٤) قد تأولت كل طائفةٍ لنفسها تأويلًا ذهبت (^٥) إليه، فهو يُبدِي نظيرَ تأويلاتهم ويقول: ليس لك أن تبدي في التأويل مذهبًا إلَّا ومثله سائغ لي، فما الذي أباحه لك وحظَرَه عليَّ، وأنا وأنت قد أقررنا بأصل التنزيل، واتفقنا على تسويغ (^٦) التأويل؟ فلِمَ كان تأويلك مع مخالفته لظاهر التنزيل سائغًا، وتأويلي أنا مُحرَّمًا؟ فتعلُّقه بهذا أبلغُ مكيدةٍ يستعملها، وأنكى سلاحٍ يحارب به. فهذه الآفات وأضعافها إنما لقيها أهل الأديان من المتأولين (^٧)، فالتأويل هو الذي فرَّق اليهود إحدى
_________________
(١) من قوله: «بهذا الخداع» إلى هنا سقط من «ح».
(٢) «ب»: «يحتجز».
(٣) كذا ضبط في «ب» وقد يكون تصحيف: «ولا تقدر» لقوله فيما بعد: «بينك وبينه».
(٤) «ح»: «المعروفة»، تحريف.
(٥) «ح»: «وادعت». ولعل صوابه «ودَعَتْ».
(٦) «ح»: «تنويع».
(٧) «ح»: «التأويل وإلا».
[ ١ / ١٥٥ ]