في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب
لمَّا كان الكلام نوعان (^٢): خبرٌ وطلبٌ، وكان المقصود من الخبر تصديقه، ومن الطلب امتثاله، كان المقصود من تأويل الخبر هو تصديق مُخبِره، ومن تأويل الطلب هو امتثاله، وكان كل تأويلٍ يعود على المخبِر بالتعطيل وعلى الطلب بالمخالفة تأويلًا باطلًا.
والمقصود الفرقُ بين تأويل الأمر والنهي وتأويل الخبر، فالأول معرفته فرضٌ على كل مكلَّفٍ؛ لأنه لا يمكنه الامتثالُ إلَّا بعد معرفة تأويله.
قال سفيان بن عيينة: «السُّنَّة هي تأويل الأمر والنهي» (^٣).
ولا خلاف بين الأُمة أنَّ الراسخين في العلم يعلمون هذا التأويل، وأرسخُهم في العلم أعلمُهم به. ولو كان معرفة هذا التأويل ممتنعًا على البشر لا يعلمه إلَّا اللهُ لكان العمل بنصوصه ممتنعًا، كيف والعمل بها واجبٌ، فلا بد أن يكون في الأُمة من يعرف تأويلَها، وإلا كانت الأُمة كلها مضيعةً لما أُمرت به.
وقد يكون معنى النَّص بيِّنًا جليًّا، فلا تختلف الأُمة في تأويله، وإن وقع الخلاف في حُكمه لخفائه على من لم يبلغه، أو لقيام معارضٍ عنده، أو
_________________
(١) «ح»: «الثالث».
(٢) كذا في النسختين بالألف، وهو خبر كان.
(٣) لم نقف عليه مسندًا إلى ابن عيينة بهذا اللفظ، وقد نسبه له شيخ الإِسلام ابن تيمية في «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٠٦) و«التدمرية» (ص ٩٤).
[ ١ / ٤٥ ]
لنسيانه = فهذا يُعذَر فيه المخالف إذا كان قصدُه اتباعَ الحق، ويثيبه اللهُ على قصده. وأمَّا من بلغه النَّصُّ وذكره، ولم يقم عنده ما يعارضه، فإنه لا يسعه مخالفتُه، ولا يُعذَر عند الله بتركه لقول أحدٍ كائنًا من كان.
وقد تكون دلالة اللفظ غير جليةٍ، فيشتبه المرادُ به بغيره، فهنا مُعترَك النزاع بين أهل الاجتهاد في تأويله، ولأجل التشابه وقع النزاع، فيَفهم منها هذا (^١) معنًى فيؤولها به، ويَفهم منها غيره معنًى آخر فيؤولها به. وقد يكون كلا الفهمين صحيحًا، والآية دلت على هذا وهذا، ويكون الراسخ في العلم هو الذي أوَّلَها بهذا وهذا، ومَن أثبت أحد المعنيين ونفى الآخر أقلُّ رسوخًا. وقد يكون أحدُ المعنيين هو المراد لا سيما إذا كانا متضادين، والراسخ في العلم هو الذي أصابه. فالتأويل في هذا القسم مأمورٌ به، مأجورٌ عليه صاحبُه، إمَّا أجرًا واحدًا وإمَّا أجرينِ (^٢).
وقد تنازع الصحابة في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَا اَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ اُلنِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] هل هو الأب أو الزوج (^٣).
وتنازعوا في تأويل قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ اُلنِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] هل هو الجماع، أو اللمس باليد والقُبلة ونحوها (^٤).
وتنازعوا في تأويل قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] هل
_________________
(١) «ب»: «هذا منها».
(٢) «ب»: «أجران».
(٣) يُنظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٣١٧ - ٣٣٢) و«الدر المنثور» للسيوطي (٣/ ٣٠ - ٣١).
(٤) يُنظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٦٢ - ٧٥) و«الدر المنثور» (٤/ ٤٥٧ - ٤٦٠).
[ ١ / ٤٦ ]
هو المسافر يصلي بالتيمم مع الجنابة، أو المجتاز بمواضع الصلاة كالمساجد وهو جنب (^١).
وتنازعوا في تأويل ذوي القربى المستحقين من الخُمس، هل هم قَرابة رسول الله - ﷺ - أو قرابة الإمام (^٢).
وتنازعوا [ق ٦ أ] في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِيئَ اَلْقُرْآنُ فَاَسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] هل يدخل فيه قراءة الصلاة الواجبة أم لا (^٣)؟
وتنازعوا في تأويل قوله: ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٢] هل يتناول اللفظُ الحاملَ أم هو للحائل (^٤) فقط (^٥)؟
وتنازعوا في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اُلْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٤] هل يدخل فيه ما مات في البحر أم لا (^٦)؟
_________________
(١) يُنظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٤٩ - ٥٤) و«الدر المنثور» (٤/ ٤٥٣ - ٤٥٥).
(٢) يُنظر: «تفسير الطبري» (١١/ ١٩٣ - ١٩٦) و«تفسير ابن أبي حاتم» (٥/ ١٧٠٤ - ١٧٠٥).
(٣) يُنظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٦٥٨ - ٦٦٧) و«تفسير ابن أبي حاتم» (٥/ ١٦٤٥ - ١٦٤٧).
(٤) «ب»: «للحامل».
(٥) يُنظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ١١٩ - ١٢٠) و«الاستذكار» لابن عبد البر (١٨/ ١٧٥) و«زاد المعاد» للمصنف (٥/ ٥٢٨ - ٥٢٩).
(٦) يُنظر: «أحكام القرآن» للجصاص (١/ ١٣٢ - ١٣٥) و«التجريد» للقدوري (١٢/ ٦٢ - ٦٣) و«التمهيد» لابن عبد البر (٢٣/ ١٢).
[ ١ / ٤٧ ]
وتنازعوا في تأويل الكلالة (^١).
وفي تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اِلسُّدُسُ﴾ (^٢) [النساء: ١١].
وأمثال ذلك.
ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصِّفات وأخبارها في موضعٍ واحدٍ، بل اتفقتْ كلمتُهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها، مع فهم معانيها وإثبات حقائقها. وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانًا، وأن العناية ببيانها أهمُّ؛ لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبيَّنها الله ورسوله بيانًا شافيًا (^٣) لا يقع فيه لبسٌ ولا إشكالٌ يوقع الراسخين في العلم في منازعةٍ ولا اشتباهٍ.
ومَن شرَح الله لها صدره ونوَّر لها قلبه يعلم أن دلالتها على معانيها أظهرُ من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها. ولهذا آيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيَها إلَّا الخاصةُ من الناس، وأمَّا آيات الأسماء والصفات فيشترك
_________________
(١) الكلالة: من قولك: تكلَّله النسب. وهو مَن مات ولم يكن له والد ولا ولدٌ، ورُوي عن ابن عباس أن الكلالة ما دون الولد، وروي عن غيره أن الكلالة ما خلا الأب. ويُنظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٤٧٥ - ٤٨٠) و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/ ٨٨٧) و«الدر المنثور» (٥/ ١٤٣ - ١٥٢).
(٢) اختُلف في عدد الإخوة الذين يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، فقيل اثنان، ورُوي عن ابن عباس - ﵄ - أن أقلهم ثلاثة. ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٤٦٤ - ٤٦٧) و«السنن الكبرى» للبيهقي (٧/ ٢٢٧). وأفرد الحافظ ابن عبد الهادي لهذه المسألة جزءًا، ذكره ابن رجب في «ذيل الطبقات» (٥/ ١٢٩).
(٣) «شافيا» ليس في «ب».
[ ١ / ٤٨ ]
في فهمها الخاص والعام، أعني: فَهْم أصل المعنى لا فهم الكُنْه والكيفية. ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله: ﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اُلْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اِلْأَسْوَدِ﴾ حتى بُيِّنَ لهم بقوله: ﴿مِنَ اَلْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وأمثالها من آيات الصِّفات، وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة، ولم يشكل عليه أول الحديد وآخر الحشر وأول سورة طه، ونحوها من آيات الصِّفات (^١).
وأيضًا فإن بعض آيات الأحكام مجملة عُرِفَ بيانها بالسُّنَّة؛ كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٥] فهذا مجملٌ في قدْر الصيام والإطعام، فبيَّنته السُّنَّة بأنه صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة (^٢). وكذلك قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ اِلْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٧] مجملٌ في مقدار الطواف، فبيَّنته السُّنَّة بأنه سبعٌ (^٣). ونظائره كثيرة، كآية السرقة وآية الزكاة وآية الحج. وليس في آيات الصِّفات وأحاديثها مجملٌ يحتاج إلى بيانٍ مِن خارج، بل بيانها فيها، وإن جاءت السُّنَّة بزيادة في البيان والتفصيل فلم تكن آيات الصِّفات مجملةً محتملةً لا يُعلَم (^٤) المرادُ منها إلَّا بالسُّنَّة،
_________________
(١) من قوله: «وأشكل على عمر» إلى هنا ليس في «ح».
(٢) «بأنه صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة». في «ب»: «بنسك شاة أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام». والحديث أخرجه البخاري (١٨١٤) ومسلم (١٢٠١) عن كعب بن عجرة - ﵁ -.
(٣) من قوله: «وكذلك قوله» إلى هنا ليس في «ح».
(٤) في «ب»: «مجملة لا يفهم».
[ ١ / ٤٩ ]