في أن التأويل يُفسِد العلوم كلها إنْ سُلِّط (^٢) عليها ويرفع الثقة بالكلام ولا يمكن أُمةً من الأمم أن تعيش عليه
معلومٌ أن العلوم إنما قصد بها مصنِّفوها بيانَها وإيضاحها للمتعلمين، وتفهيمهم إياها بأقربِ ما يَقْدِرون عليه من الطرق. فإن سُلِّط التأويل على ألفاظهم، وحملها على غير ظواهرها (^٣)، لم يُنتفَع بها وفسدت، وعاد ذلك على موضوعها ومقصودها بالإبطال.
فإذا حُمل كلام الأطباء على غير عُرفهم المعروف من خطابهم، وتأوَّلَ المخاطَبُ كلامَهم على غير ظاهره، لم يصل إلى فهم مرادهم البتةَ، بل أفسد عليهم عِلمهم وصناعتهم.
وهكذا أصحاب علم الحساب والنحو وجميع أرباب العلوم إذا سُلِّط التأويل على كلامهم لم يُوصِل إلى شيءٍ من تلك العلوم، مع أنه يجوز عليهم الخطأ والتناقض والتلبيس في بعض المواضع والتعمية، ومع قصورهم في البيان وجودة التعبير، ومع نقصان إدراكهم للحقائق وعلومهم ومعارفهم.
فكيف يُسلَّط التأويلُ على كلام مَن لا يجوز عليه الخطأ والغلط والتناقض وضد البيان والإرشاد؟! هذا مع كمال علمه، وكمال قدرته على
_________________
(١) «ح»: «السادس».
(٢) «ح»: «يسلط».
(٣) «ب»: «ظاهرها».
[ ١ / ١٨٤ ]
أعلى أنواع البيان، وكمال نُصحِه وهُداه وإحسانه، وقصده الإفهامَ والبيانَ لا التعميةَ والإلغاز.
ولهذا لما سلَّط المحرِّفون التأويلات الباطلة على نصوص الشرع فسد الدِّينُ فسادًا، لولا أن الله سبحانه تكفَّل بحفظه، وأقام له حرسًا وَكَلَهم بحمايته (^١) من تأويل الجاهلين وانتحال المبطِلين (^٢)، لجرى عليه ما جرى على الأديان السالفة. ولكن الله برحمته وعنايته بهذه الأُمة يبعث لها عند دروس السُّنَّة وظهور البدعة مَن يُجدِّد لها دينها، ولا يزال يغرس في دِينه غرسًا يستعملهم فيه علمًا وعملًا.
وكما أن التأويل إن سُلِّط على علوم الخلائق أفسدها، فكذلك إذا استعمل في مخاطباتهم أفسدَ الإفهام والفهم، ولم يمكن لأُمة أن تعيش عليه أبدًا؛ فإنه ضد البيان الذي علَّمه اللهُ الإنسانَ لقيام مصالحه في مَعاشه ومَعاده. وقد تقدَّم تقرير ذلك بما فيه كفاية (^٣)، وبالله التوفيق.
* * * * *
_________________
(١) : «به وحمايته».
(٢) «من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين» ليس في «ب».
(٣) في الفصل الرابع عشر.
[ ١ / ١٨٥ ]
فصل (^١)