في بيان ما يقبل التأويلَ من الكلام وما لا يقبله
لمَّا (^٢) كان وضعُ الكلام للدلالة على مراد المتكلم، وكان مراده لا يُعلَم إلَّا بكلامه، انقسم كلامه ثلاثة أقسام:
أحدها: ما هو نصٌّ في مراده لا يحتمل غيره.
الثاني: ما هو ظاهرٌ في مراده، وإن احتمل أن يريد غيره.
الثالث: ما ليس بنصٍّ ولا ظاهرٍ في المراد، بل هو مجمل يحتاج إلى البيان.
فالأول يستحيل دخول التأويل فيه، وتحميلُه التأويلَ كذبٌ ظاهرٌ على المتكلم. وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها كنصوص آيات الصِّفات والتوحيد، وأن الله سبحانه [ق ١٩ ب] مُكلَّمٌ متكلمٌ آمرٌ ناهٍ قائلٌ مخبرٌ مُوصِي حاكمٌ واعدٌ مُوعِدٌ مُنبِئٌ هادٍ داعٍ إلى دار السلام (^٣)، فوق عباده. عليٌّ (^٤) على كل شيءٍ، مستوٍ على عرشه، ينزل الأمرُ من عنده ويَعرُجُ إليه، وأنه فعالٌ حقيقةً، وأنه كلَّ يوم في شأنٍ، فعَّال لما يريد، وأنه ليس للخلق مِن دونه وليٌّ ولا شفيعٌ ولا ظهيرٌ، وأنه المنفرد بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية، وأنه يعلم السر وأخفى، وما تسقط من ورقة إلَّا يعلمها، وأنه
_________________
(١) «ح»: «الخامس».
(٢) «ب»: «ولما».
(٣) «ب»: «الإسلام». والمصنف - ﵀ - يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ اِلسَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].
(٤) «علي» ليس في «ح».
[ ١ / ١٧٣ ]
يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر، ويرى ما في السماوات والأرض، ولا يخفى عليه منها ذرةٌ واحدةٌ، وأنه على كل شيءٍ قديرٌ، فلا يخرج مقدورٌ واحد عن (^١) قدرته البتةَ، كما لا يخرج عن علمه ولا (^٢) تكوينه، وأن له ملائكة مدبِّرات بأمره للعالَم، تصعد وتنزل وتتحرك وتنتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، وأنه يذهب بالدنيا ويُخرِّب هذا العالَم، ويأتي بالآخرة ويبعث مَن في القبور، ﷻ. إلى أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على مدلوله، وكدلالة لفظ الشمس والقمر والليل والنهار والبَرِّ والبحر والخيل والبِغال والإبل والبقر والغنم (^٣) والذَّكَر والأنثى على مدلولها، لا فرقَ بين ذلك البتةَ.
ولهذا لما سلَّطت الجهميةُ التأويلَ على نصوص الصِّفات سلَّطت الباطنيةُ التأويلَ على هذه الأمور، وجعلوها أمثالًا مضروبةً أُريدَ بها خلاف حقائقها وظواهرها، وجعلوا القرآن والشرع كله مؤولًا (^٤)، ولهم في التأويل كتبٌ مستقلةٌ نظير كتب الجهمية في تأويل آيات الصِّفات وأحاديثها.
فهذا القسم إن سُلِّط التأويلُ عليه عاد الشرع كله متأوَّلًا؛ لأنه أظهر أقسام القرآن ثبوتًا وأكثرها ورودًا، ودلالةُ القرآن عليه متنوِّعةٌ غايةَ التنوع؛ فقَبولُ ما سواه للتأويل أقربُ من قبوله بكثيرٍ.
_________________
(١) «ح»: «من».
(٢) «لا» ليس في «ب».
(٣) «والغنم» ليس في «ب».
(٤) «كله مؤولًا» في «ح»: «أمثالًا كله».
[ ١ / ١٧٤ ]
فصل
القسم الثاني: ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل. فهذا يُنظَر في وروده، فإن اطَّرد استعمالُه على وجهٍ واحدٍ استحال تأويله بما يخالف ظاهرَه؛ لأن التأويل إنما يكون لموضع (^١) جاء نادرًا خارجًا عن نظائره منفردًا عنها، فيُؤوَّل حتى (^٢) يُرَدَّ إلى نظائره. وتأويل هذا غير ممتنعٍ؛ لأنه إذا عُرف من عادة المتكلم باطراد كلامه في توارُد (^٣) استعماله معنًى أَلِفَه - أي المخاطب (^٤) - فإذا جاء موضع يخالفه ردَّه السامع بما عَهِد من عُرف المخاطب إلى عادته المطردة. هذا هو المعقول في الأذهان والفِطر، وعند كافة (^٥) العقلاء.
وقد صرَّح أئمةُ العربية بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادُّعي فيه حذفه قد استُعمِل فيه ثبوته أكثر مِن حذفه، فلا بد أن يكون موضع ادعاء الحذف عندهم صالحًا للثبوت، ويكون الثبوت مع ذلك أكثرَ من الحذف (^٦)، حتى (^٧) إذا جاء ذلك محذوفًا في موضع عُلِمَ بكثرة ذِكره في نظائره أنه قد أُزيلَ من هذا الموضع فحُمِلَ عليه. فهذا شأن مَن يقصد البيان
_________________
(١) «ب»: «لوضع».
(٢) في النسختين: «حين». والمثبت من «م».
(٣) «ب»: «موارد».
(٤) «ب»: «المخاطبون».
(٥) «ح»: «الكافة».
(٦) من قوله: «عندهم صالحا» إلى هنا ليس في «ح».
(٧) «حتى» ليس في «ب».
[ ١ / ١٧٥ ]
والدلالة، وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأنٌ آخر.
والقصد أن الظاهر في معناه إذا اطَّرد استعماله في موارده (^١) اطرادًا مستويًا امتنع تأويله، وإن جاز تأويلُ ظاهرِ ما لم يطَّرِد في موارد استعماله. ومثال ذلك اطِّراد قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]، ﴿ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٣] في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ، فتأويله بـ «استولى» باطلٌ. وإنما كان يصح أنْ لو كان أكثَرُ مجيئه بلفظ «استولى»، ثم يخرج موضع عن نظائره، ويرد بلفظ «استوى»، فهذا كان يصح تأويله بـ «استولى». فتفطَّنْ لهذا (^٢) الموضع، واجعلْه قاعدةً فيما يمتنع (^٣) تأويلُه من كلام المتكلم، وما يجوز تأويله.
ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ» (^٤)، «تَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّكُمْ» (^٥)، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]. ولم يَجِئْ في موضعٍ واحدٍ: «ترون ثواب ربكم»، فيُحمَلَ عليه ما خرج عن نظائره.
ونظير ذلك اطِّراد قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ [مريم: ٥١]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ (^٦) [القصص: ٦٢]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١]، ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ اِلطُّورِ إِذْ
_________________
(١) «ب»: «مراده».
(٢) «ب»: «بهذا».
(٣) «ح»: «تمنع».
(٤) أخرجه البخاري (٥٥٤) ومسلم (٦٣٣) عن جرير بن عبد الله - ﵁ -.
(٥) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١١٦٤٠) والطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ٢٩٦، ٣١٠) وهو أحد ألفاظ الحديث السابق.
(٦) ﴿وَيَوْمَ﴾ ليس في «ب».
[ ١ / ١٧٦ ]
نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦]، و﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ اِلْمُقَدَّسِ﴾ (^١) [النازعات: ١٦] ونظائرها، ولم يجئ في موضعٍ واحدٍ: «أمرْنا مَن يناديه» ولا «ناداه مَلَكُنا»، فتأويله بذلك عينُ المُحالِ والباطل.
ونظير ذلك اطِّراد قوله: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ » (^٢) في نحو ثلاثين حديثًا كلها مصرِّحةٌ بإضافة النزول إلى الربِّ، ولم يجئ موضعٌ واحدٌ بقوله: «ينزل مَلَكُ ربنا»، حتى يُحمَلَ ما خرج عن نظائره عليه.
وإذا تأملتَ نصوص الصِّفات التي لا تسمح الجهمية بأن يُسمُّوها نصوصًا، فإذا احترموها قالوا: ظواهر سمعية، وقد عارضها القواطع العقلية = وجدتَها كلها من هذا الباب.
وممَّا يُقضى منه العجبُ أن كلام شيوخهم ومصنِّفيهم عندهم نصٌّ في مراده لا يحتمل التأويل، وكلام الموافقين (^٣) عندهم نصٌّ لا يجوز تأويله، حتى إذا جاؤوا إلى كلام الله ورسوله وقَفُوه على التأويل ووقفوا التأويل عليه، فقُلْ (^٤) ما شئتَ وحرِّف ما شئت. أفترى بيانَ هؤلاء لمرادهم أتمَّ من بيان الله ورسوله، أم كانوا مستولين على بيان الحقائق التي [ق ٢٠ أ] سكت اللهُ ورسوله عن بيانها؟! بل (^٥) أولئك هم الجاهلون المتهوِّكون (^٦).
_________________
(١) ﴿بِالْوَادِ اِلْمُقَدَّسِ﴾ ليس في «ح».
(٢) أخرجه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) «ب»: «الواقفين».
(٤) «ب»: «قل».
(٥) «بل» ليس في «ح».
(٦) «ح»: «المهتوكون». وقد تقدم (ص ١٠) بيان معناه.
[ ١ / ١٧٧ ]
فصل
القسم الثالث: الخطاب المُجمَل الذي أُحيل بيانه على خطابٍ آخر. فهذا أيضًا لا يجوز تأويله إلَّا بالخطاب الذي بيَّنه (^١)، وقد يكون بيانه معه، وقد يكون منفصلًا عنه.
والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معانٍ، وليس معه ما يبيِّن مراد المتكلم، فهذا للتأويل فيه مجالٌ واسعٌ، وليس في كلام الله ورسوله من هذا النوع شيءٌ من الجُمَل المركبة، وإنْ وقَعَ في الحروف المفتتَح بها (^٢) السورُ. بل إذا تأمل مَن بصَّره اللهُ طريقةَ القرآن والسُّنَّة وجدها متضمِّنة لرفع ما يُوهِمه الكلام من خلاف ظاهره، وهذا موضع لطيف جدًّا في فهم القرآن نشير إلى بعضه:
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣]. رفَعَ سبحانه توهُّم المجاز في تكليمه (^٣) لكليمه بالمصدر المؤكِّد الذي لا يشكُّ عربي القلب واللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة، كما تقول العرب: مات موتًا، ونزل نزولًا. ونظيره التأكيد بالنفس والعين وكل وأجمع، والتأكيد بقوله «حقًّا» ونظائره.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَد سَّمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اَللَّهِ وَاَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]
_________________
(١) «ب»: «يبينه».
(٢) «بها» ليس في «ح».
(٣) «ح»: «تكلمه».
[ ١ / ١٧٨ ]
فلا يشك صحيح الفهم البتةَ في هذا الخطاب أنه نصٌّ صريحٌ لا يحتمل التأويل بوجهٍ في إثبات صفة السمع للرب تعالى حقيقة، وأنه بنفسه سَمِعَ.
ومن ذلك قوله: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا اُلصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ اُلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤١]. فرَفَعَ توهُّمَ السامع أن المكلَّف به عَمِلَ جميع الصالحات المقدورة والمعجوز عنها، كما يجوِّزه أصحاب تكليف ما لا يُطاق= رَفَعَ هذا التوهم بجملة اعتُرض (^١) بها بين المبتدأ وخبره تزيلُ (^٢) الإشكال. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا اُلْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٣].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اِللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ اِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٣]. فلمَّا أمَرَه بالقتال أخبره أنه لا يُكلَّف بغيره، بل إنما كُلِّف نفسه، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿وَحَرِّضِ اِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لئلَّا يتوهم سامعٌ أنه وإن لم يُكلَّف بهم فإنه يهملهم ويتركهم.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ اُمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ١٩]. فتأمل كم في هذا الكلام مِن رفعِ إيهامٍ وإزالة ما عسى أن يعرض للمخاطب من لبسٍ:
فمنها: قوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ﴾، لئلا يُتوهَّم أن الإتباع في نسب أو تربية أو حرية أو رِقٍّ أوغير ذلك.
_________________
(١) «ب»: «اعتراض».
(٢) في النسختين: «يزيل». والمثبت من «م».
[ ١ / ١٧٩ ]
ومنها: قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ لرفع الوهم لمتوهمٍ أنه يحط الآباء إلى درجة الأبناء ليحصل الإلحاق والتبعية، فأزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم﴾ (^١) أي: ما نقصنا الآباءَ بهذا الإتباع شيئًا مِن عملهم، بل رفعنا الذرية إليهم قرةً لعيونهم، وإن لم يكن لهم أعمالٌ يستحقون بها تلك الدرجة.
ومنها: قوله: ﴿كُلُّ اُمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، فلا يتوهم متوهم أن هذا الإتباع حاصلٌ في أهل الجنة وأهل النار، بل (^٢) هو للمؤمنين دون الكفار، فإن الله سبحانه لا يعذِّب أحدًا إلَّا بكسبه، وقد يُثِيبه من غير كسبٍ منه.
ومنها: قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ اَلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ اَلنِّسَا إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ اَلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فلمَّا أمرهن بالتقوى التي من شأنها التواضع ولِينُ الكلام نهاهن (^٣) عن الخضوع بالقول؛ لئلَّا يطمع فيهن ذو المرض، ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف رفعًا لتوهُّمِ الإذن في الكلام المنكر لمَّا نُهِينَ عن الخضوع بالقول.
ومن ذلك قوله: ﴿وَكُلُوا وَاَشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اُلْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اِلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فرفعَ توهُّمَ فَهْم الخيطينِ من الخيوط بقوله: ﴿مِنَ اَلْفَجْرِ﴾ (^٤).
_________________
(١) ﴿مِّنْ عَمَلِهِم﴾ ليس في «ب».
(٢) «النار بل» في «ح»: «التأويل».
(٣) «ح»: «نهى».
(٤) أخرج البخاري (١٩١٧) ومسلم (١٠٩١) عن سهل بن سعد - ﵁ - قال: «أُنزلت ﴿وَكُلُوا وَاَشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اُلْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اِلْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ اَلْفَجْرِ﴾. فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رِجْله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿مِنَ اَلْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار».
[ ١ / ١٨٠ ]
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، فأثبت لهم مشيئةً، فلعل (^١) متوهِّمًا يتوهَّم استقلاله (^٢) بها، وأنه إن شاء أتى بها (^٣) وإن شاء لم يأتِ بها (^٤)، فأزال سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]. ثم لعل متوهمًا يتوهم أنه يشاء (^٥) الشيء بلا حكمةٍ ولا علمٍ بمواقع مشيئته وحيث تصلح، فأزال ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠] (^٦). ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (^٧) (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ هُوَ أَهْلُ اُلتَّقْوى وَأَهْلُ اُلْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي اِلتَّوْراةِ وَاَلْإِنجِيلِ وَاَلْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١٢]، فلعل (^٨) متوهمًا يتوهم أن الله سبحانه يجوز عليه تركُ الوفاء بما
_________________
(١) «ح»: «فعل».
(٢) «ح»: «استقلالا».
(٣) «ح»: «به».
(٤) «بها» ليس في «ح».
(٥) «ب»: «شاء».
(٦) يُلاحظ أن الكلام انتقل من الكلام على آيات من سورة التكوير، إلى الكلام على آية من سورة الإنسان، فربما يكون في النسختين سقط.
(٧) من «قوله تعالى» إلى هنا ليس في «ح».
(٨) «ح»: «فعل».
[ ١ / ١٨١ ]
وعد به، فأزال ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ اُلْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، فلمَّا ذَكَر إتيانه سبحانه ربما توهَّمَ متوهمٌ أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهمَ ورفع الإشكالَ بقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصًّا صريحًا في معناه لا يحتمل غيره.
وإذا تأملتَ أحاديث الصِّفات رأيت هذا لائحًا [ق ٢٠ ب] على صفحاتها، باديًا على ألفاظها، كقوله - ﷺ -: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تُرَى الشَّمْسُ فِي (^١) الظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يُرَى الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ» (^٢). وقوله: «مَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ (^٣) لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ» (^٤). فلمَّا كان تكليم (^٥) الملوك قد يقع بواسطة الترجمان ومن وراء الحجاب أزال هذا الوهم من الأفهام.
وكذلك الحديث الآخر (^٦): «أَنَّهُ - ﷺ - قَرَأَ ﴿وَكَانَ اَللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
_________________
(١) «في» ليس في «ب».
(٢) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (ص ٣٢).
(٣) «ربه» ليس في «ب».
(٤) رواه البخاري، وقد تقدم تخريجه (ص ٣٨).
(٥) «ح»: «تكلم».
(٦) أخرجه أبو داود (٤٧٢٨) وابن خزيمة في «التوحيد» (٤٦، ٤٧، ٤٩، ٥٠) وابن حبان (٢٦٥) والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٤) واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٦٨٨) عن أبي هريرة - ﵁ -، وقال الحاكم: «حديث صحيح ولم يخرجاه». وقال اللالكائي: «وهو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه». ونقل القاضي أبو يعلى في «إبطال التأويلات» (٣١٨) عن أبي محمد الخلال قوله: «هذا حديث إسناده شرط مسلم يلزمه إخراجه في «الصحيح»، وهو حديث ليس فيه علة». وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٣٧٣): «أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم».
[ ١ / ١٨٢ ]
ووَضَعَ إِبْهَامَيْهِ عَلَى أُذُنِهِ وعَيْنَيْهِ (^١)» رفعًا لتوهم متوهمٍ أن المراد بالسمع والبصر غير الصفتين المعلومتين.
وأمثال هذا كثيرٌ في القرآن والسُّنَّة، كما في الحديث الصحيح أنه - ﷺ - قال: «يَقْبِضُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ وَالْأَرْضَ بِاليَدِ الْأُخْرَى. ثم جعل رسول الله - ﷺ - يَقْبِضُ يدَه ويَبسُطُها» (^٢) تحقيقًا لإثبات اليد وإثبات صفة القبض.
ومن هذا إشارتُه بإصبعه إلى السماء حين استشهد ربَّه ﵎ على الصحابة أنه قد بَلَّغَهم (^٣) تحقيقًا لإثبات صفة (^٤) العلوِّ، وأن الربَّ الذي استشهده فوق العالم مستوٍ على عرشه.
فهذه أمثلة يسيرة ذكرناها، يعرف الفَهِمُ المنصفُ القاصد للهدى والنجاة منها ما يقبل التأويل وما لا يقبله، ولا عِبرةَ بغيره. والله المستعان.
* * * * *
_________________
(١) «ب»: «ووضع إبهاميه على أذنيه». وفي «م»: «ووضع إبهاميه على أذنه وعينه». والذي في «سنن أبي داود» وغيره من مصادر التخريج: «يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه».
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.
(٤) «ب»: «صفات».
[ ١ / ١٨٣ ]