في بيان أن أهل التأويل
لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدًا
هذا من أعظم آفات التأويل وجنايته على الإسلام، أنه يُبطِل حُجج الله على المبطِلين على ألسنة المتأوِّلين، وإلَّا فلا تبطل حُجج الله (^١) وبيِّناته أبدًا.
من المعلوم أن كل مبطلٍ أنكر على خصمه شيئًا من الباطل قد شاركه في بعضه أو في نظيره، فإنه لا يتمكن مِن دحْضِ حُجته وكسرِ باطله؛ لأن خصمه تسلَّط (^٢) عليه بمثل ما تسلط (^٣) هو به عليه. وهذا شأن أهل الأهواء مع بعضهم بعضًا (^٤)، ولهذا كان غايةَ ما يأتون به إبداءُ تناقض بعضهم بعضًا، وكسرُ أقوال بعضهم ببعضٍ. وفي هذا منفعةٌ جليلةٌ لطالب الحقِّ؛ فإنه يكتفي بإبطال كل فرقةٍ لقول الفرقة الأخرى. فيقول: إذا احتج المتأوِّل بحُجةٍ سمعيةٍ على مبطلٍ أمكن خصمَه أن يقول له: أنا أتأوَّل هذه الحُجة كما تأوَّلتَ أنت كَيْتَ وكيت.
مثاله: أن يحتجَّ مَن يتأول الصِّفات الخبرية وآيات الفوقية والعلو على مَن ينكر ثبوت صفة السمع والبصر والعلم بالآيات والأحاديث الدالة على ثبوتها، فيقول له خصمُه: هذه عندي مؤوَّلة، كما أوَّلتَ أنت نصوص الاستواء
_________________
(١) من قوله: «على المبطلين». إلى هنا سقط من «ح».
(٢) «ح»: «يسلط».
(٣) «ح»: «سلط».
(٤) كذا، وهو أسلوب عامي، والعربية: «بعضهم مع بعضٍ». وسيأتي نظيره (ص ٢٣٤).
[ ١ / ٢٢٣ ]
والفوقية والوجه واليدين والنزول والضحك والفرح والغضب والرضا ونحوها، فما الذي جعلك أولى بالصواب في تأويلك منِّي. فلا يذكر سببًا (^١) حمَلَه (^٢) على التأويل إلَّا أتاه خَصمه بسببٍ مِن جنسه أو أقوى منه أو دونه يحمله على التأويل.
وإذا استدل المتأوِّل على مُنكري المَعاد وحشر الأجساد بنصوص الوحي أبدَوْا لها تأويلات تخالف ظاهرها وحقائقها، وقالوا لمن استدل بها عليهم: تأويلنا لهذه الظواهر كتأويلك لنصوص الصِّفات، ولا سيما أنها أكثر (^٣) وأصرح؛ فإذا تطرَّق التأويل إليها فهو إلى [ق ٢٥ ب] ما دونها أقرب تطرقًا.
وإذا استدل على الرافضة بالنصوص الدالة على فضل الشيخين وسائر الصحابة تأولوها بما هو مِن جِنس تأويل الجهمي لآيات الصِّفات، وقد تكون تأويلاتهم في كثيرٍ من المواضع أقوى من تأويلات الجهمي (^٤) كما تكون مثلها ودونها.
وإذا احتجَّ الجهمي على الخارجي بالنصوص الدالة على إيمان مرتكب الكبائر، وأنه لا يَكفُر ولا يَخلُد في النار، واحتج بها على الوعيدية القائلين بنفوذ الوعيد والتخليد، قالوا: هذه متأوَّلةٌ، وتأويله أقرب من تأويل نصوص الصفات.
وإذا احتجَّ على المرجئة بالنصوص الدالة على أن الإيمان قولٌ وعملٌ ونيةٌ، يزيد وينقص. قالوا: هذه النصوص قابلة للتأويل، كما قبلته نصوص
_________________
(١) «ح»: «شيئًا».
(٢) «حمله» ليس في «ح».
(٣) «ح»: «أكبر».
(٤) من قوله: «لآيات الصِّفات» إلى هنا سقط من «ح».
[ ١ / ٢٢٤ ]
الاستواء والفوقية والصفات الخبرية، فنعمل فيها ما عملتم أنتم في تلك النصوص، والقواعد التي حملتكم على تأويلها، عندنا قواعد حملتنا على تأويل هذه الظواهر.
وإذا احتج أهل الجبر على أهل القدر بالنصوص الدالة على أن أعمال (^١) العباد مخلوقةٌ لله، واقعةٌ بقدرته ومشيئته، تأولوها بنظير ما تأول به خصومهم النصوص الدالة على أنها أفعال للعباد حقيقة، وأنها واقعة بقدرتهم ومشيئتهم، وكذلك خصومهم معهم بهذه المثابة.
وإذا احتجَّ مَن أثبت الرؤية في الآخرة من أهل التأويل على من نفاها قال له: أنا (^٢) أتأول هذه الظواهر بما تأوَّلتَ به أنت آيات الصِّفات الخبرية وأحاديثها.
وإذا احتجَّ مَن أثبت العلم بجميع المعلومات جزئياتها وكلياتها لله من أهل التأويلات (^٣) بالنصوص الدالة على ذلك، قال له المنكر: ليست هذه النصوص بأكثرَ من نصوص الفوقية والعلو واستواء الربِّ على عرشه ونزول الأمر من عنده وعروج الملائكة إليه، فإذا كانت تلك مؤولة عندك - على كثرتها وتضافرها - فهذه أولى بقبول التأويل.
فقد بان أنه لا (^٤) يمكن أهل التأويل أن يُقِيموا على مبطلٍ حُجةً من
_________________
(١) «أعمال» سقط من «ح».
(٢) «أنا» ليس في «ح».
(٣) «ب»: «التأويل».
(٤) «لا» سقط من «ب».
[ ١ / ٢٢٥ ]
كتابٍ ولا سُنةٍ، فحينئذٍ فيترك (^١) الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة على كل مبطِلٍ، ولم يبقَ إلَّا تصادم الآراء ونتائج الأفكار، لا سيما وقد أعطى الجهمي من نفسه أن أكثر اللغة مجازٌ، وأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، وأن العقل إذا (^٢) عارَضَ السمعَ وجب تقديم العقل والإعراض عن السمع وإهداره. ثم إما أن يشتغل بتأويله وهي طريقة الخلف العالمين، أو يفوضه ولا يحتج به، وهي طريقة السلف السالمين، فكيف يقوم بعد هذا حُجةٌ من كتابٍ أو سُنةٍ على مبطلٍ من العالمين.
ولهذا كان فتْحُ باب التأويل على النصوص يتضمن عيبها والطعن فيها وعزْلها عن سلطانها، وولاية الآراء الباطلة والشُّبَه الفاسدة.
بل نقول: إنه لا يمكن أرباب التأويل أن يُقِيموا على مبطلٍ حجةً عقليةً أبدًا، وهذا أعجب من الأول. وبيانه: أن الحُجج السمعية مطابقة للمعقول، والسمع الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح، بل هما أخوانِ نصيران، وصل الله بينهما، وقرن أحدَهما بصاحبه؛ فقال تعالى (^٣): ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اِللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فذكر ما ينال به العلوم وهي السمع والبصر والفؤاد الذي هو محل العقل.
_________________
(١) «ب»: «فترك».
(٢) «ب»: «إذ».
(٣) من قوله: «فيه وجعلنا لهم سمعا» إلى قوله: «ما ذكرنا من تصرف». في الصفحة بعد التالية سقط من «ح».
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ اِلسَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] فأخبروا أنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٥] فدعاهم إلى استماعه بأسماعهم وتدبُّرِه بعقولهم. ومثله قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا اُلْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى اَلسَّمْعَ وَهْوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
فجمع سبحانه بين السمع والعقل، وأقام بهما حُجته على عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلًا، فالكتاب المنزل والعقل المدرِك حُجة الله على خَلْقه. وكتابه هو الحجة العظمى، فهو الذي عرفنا ما لم يكن لعقولنا سبيلٌ إلى استقلالها بإدراكه أبدًا، فليس لأحدٍ عنه مذهبٌ، ولا إلى غيره مفزعٌ في مجهولٍ يعلمه، ومشكلٍ يستبينه، وملتبسٍ يوضحه. فمن ذهب عنه فإليه يرجع، ومَن دفع حكمه فبه يُحاجُّ خصيمه، إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية والمعارف اليقينية التي بالعباد إليها أعظم حاجة. فمَن ردَّ من مدَّعِي البحث والنظر حكومته ودفع قضيته فقد كابَرَ وعاند، ولم يكن لأحدٍ سبيل إلى إفهامه ولا محاجته ولا تقرير الصواب عنده. وليس لأحدٍ أن يقول إني غير راضٍ بحكمه بل بحكم العقل، فإنه متى ردَّ حُكمه فقد ردَّ حكم العقل الصريح، وعانَدَ الكتاب والعقل.
والذين زعموا من قاصري العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند تعارضهما؛ إنما أُتوا مِن جهلهم بحكم العقل ومقتضى السمع، فظنوا ما ليس بمعقولٍ معقولًا، وهو في الحقيقة شبهات توهَّم أنه عقلٌ
[ ١ / ٢٢٧ ]
صريحٌ، وليست كذلك؛ أو مِن جهلهم بالسمع، إمَّا نسبتهم إلى الرسول ما لم يقله أو نسبتهم إليه ما لم (^١) يرده بقوله، وإمَّا لعدم تفريقهم بين ما لا يُدرك بالعقول وبين ما لا يُدرك استحالته بالعقول. فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ظنَّ التعارض بين السمع والعقل:
أحدها: كون القضية ليست من قضايا العقول.
الثاني: كون ذلك السمع ليس من السمع الصحيح المقبول.
الثالث: عدم فَهم مراد المتكلم به.
الرابع: عدم التمييز بين ما يحيله (^٢) العقل وما لا يدركه.
والله سبحانه حاجَّ عباده على أَلسُن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إيَّاه بأقربِ الطرق إلى العقل، وأسهلِها تناولًا، وأقلها تكلفًا، وأعظمها غَناءً ونفعًا، وأجلِّها ثمرةً وفائدةً. فحُجَجه سبحانه العقلية التي بيَّنها في كتابه جمعت بين كونها عقليةً سمعيةً ظاهرةً واضحةً، قليلةَ المقدمات، سهلة الفهم، قريبة التناول، قاطعة الشكوك والشُّبه، مُلزِمة للمعاند والجاحد. ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ، ولعموم الخلق أنفع.
وإذا تتبَّع المتتبِّع ما في كتاب الله ممَّا حاجَّ به عباده في إقامة التوحيد وإثبات الصِّفات وإثبات الرسالة والنبوة، وإثبات المعاد وحشر الأجساد، وطرق إثبات علمه بكل خفيٍّ وظاهرٍ، وعموم قدرته ومشيئته، وتفرده بالملك والتدبير، وأنه لا يستحق العبادة سواه = وجد الأمر في ذلك على ما
_________________
(١) «يقله أو نسبتهم إليه ما لم» سقط من «ب». وأثبته من «م».
(٢) «ب»: «تخيله». والمثبت هو الصواب.
[ ١ / ٢٢٨ ]