ما تقولون إنه معقول فمعنا نظيرُه أو أقوى منه أو دونه.
وسيأتي تمامُ هذا في بيان عجز المتأوِّلين عن الفرق بين ما يسوغ تأويله وما لا يسوغ (^١).
والمقصود أنَّ الله سبحانه قد أخبر أنه أكملَ له ولأُمَّتِه به دينَهم، وأتمَّ عليهم به نعمته، ومحالٌ مع هذا أن يَدَع أهم ما خُلِق له الخَلْق، وأُرْسِلَت به الرُّسل، وأُنْزِلَت به الكتب، ونُصِبَت عليه القِبلة، وأُسِّست (^٢) عليه المِلَّة - وهو باب الإيمان به ومعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله - ملتبسًا مشتبهًا حقُّه بباطله، لم يتكلم فيه بما هو الحق، بل تكلم بما ظاهرُه الباطل، والحق في إخراجه عن ظاهره.
وكيف يكون أفضلُ الرُّسل وأجلُّ الكتب غيرَ وافٍ بتعريف ذلك على أتمِّ [ق ٢ ب] الوجوه، مبيِّنٍ له بأكمل البيان، موضِّحٍ له غاية الإيضاح، مع شدة حاجة النفوس إلى معرفته، ومع كونه أفضل ما اكتسبته النفوس، وأجلَّ ما حصَّلته القلوب.
ومن أبْينِ المُحَال أن يكون أفضلُ الرُّسل قد علَّم أُمَّتَه آدابَ البول قبله وبعده ومعه، وآدابَ الوطء، وآدابَ الطعام والشراب، ويترك أن يعلِّمهم ما يقولونه بألسنتهم وتعتقده قلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفتُه غايةُ المعارف، والوصول إليه أجلُّ المطالب، وعبادته وحده لا شريك له أقربُ الوسائل؛ ويخبرهم فيه بما ظاهره باطلٌ وإلحاد، ويحيلهم في فَهْم ما أخبرهم
_________________
(١) وهو الفصل السادس.
(٢) «ح»: «وانتصبت».
[ ١ / ١١ ]
به على مستكرَهات التأويلات ومستنكَرات المجازات، ثم يحيلهم في معرفة الحق على ما تحكم به عقولهم، وتُوجِبه آراؤهم.
هذا وهو القائل: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» (^١). وهو القائل: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيَنْهَاهُم عَن شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» (^٢). وقال أبو ذرٍّ: «لقد تُوفِّيَ رسول الله - ﷺ - وما طائرٌ يقلِّبُ جناحيه في السماء إلَّا ذَكَّرَنا منه عِلمًا» (^٣). وقال عمر بن الخطاب: «قام فينا رسولُ الله - ﷺ - مَقامًا، فذكر بدء الخَلْق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك مَن حفظَه ونسيه مَن نسيه» ذكره البخاري (^٤).
و«صلَّى بهم رسول الله - ﷺ - صلاة
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١٧٦٠٦) وابن ماجه (٤٣) وابن أبي عاصم في «السنة» (٤٨، ٤٩) والحاكم (١/ ٩٦) عن العرباض بن سارية - ﵁ -. وهو قطعة من حديث الموعظة البليغة المشهور. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٨٨): «رواه ابن أبي عاصم في كتاب «السنة» بإسناد حسن».
(٢) أخرجه مسلم (١٨٤٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (٢١٩٧٠، ٢٢٠٥٣) والبزار في «المسند» (٩/ ٣٤١) وابن حبان (٦٥) والطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ١٥٥). وقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٢٦٤): «ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يُسم». واختُلِف في وصل هذا الحديث وإرساله، ورجح الدارقطني إرساله. يُنظر: «علل الدارقطني» (١١٤٨) و«أطراف الغرائب» (٤٧١٢). وروى مسلم في «صحيحه» (٢٦٢) «قيل لسلمان الفارسي - ﵁ -: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل».
(٤) «صحيح البخاري» (٣١٩٢).
[ ١ / ١٢ ]
الظهر، ثم خطبهم حتى حضرت العصرُ، فصلى العصر، ثم خطب بهم حتى غربت الشمس، فلم يَدَع شيئًا كان ولا يكون مِن خَلْقِ آدم إلى قيام الساعة حتى أخبرهم به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه» (^١).
فكيف يتوهَّم مَن لله ولرسوله ودِينه في قلبه وقارٌ أن يكون رسولُ الله - ﷺ - قد أمسك عن بيان هذا الأمرِ العظيم، ولم يتكلم فيه بالصواب، بل تكلَّم بما ظاهره خلافُ الصواب؟! بل لا يتم الإيمان إلَّا باعتقاد أن بيان ذلك قد وقَعَ من الرسول على أتمِّ الوجوه وأوضحه غاية الإيضاح، ولم يدَعْ بعده لقائلٍ مقالًا ولا لمتأولٍ تأويلًا.
ثم من المحال أن يكون خيرُ الأُمة وأفضلُها وأعلمها وأسبقها إلى كل فضلٍ وهُدًى ومعرفةٍ قصَّروا في هذا الباب فجفَوْا عنه، أو تجاوزوا فغَلَوْا فيه، وإنما ابْتُلِيَ مَن خرج عن منهاجهم بهذين الداءين، وهُدوا لأحد الانحرافين.
ويَزَك الإسلام (^٢) وعصابة الإيمان وحُماة الدِّين هم الذين كانوا في هذا الباب قائلين بالحقِّ معتقدين له داعين إليه.
فإن قيل: القوم كانوا عن هذا الباب مُعرِضِين، وبالزهد والعبادة والجهاد مشتغلين، لم يكن هذا الباب من هِمَّتهم ولا عنايتهم به.
قيل: هذا من أَبْيَنِ المحال وأبطلِ الباطل، بل كانت عنايتهم بهذا الباب فوق كل عنايةٍ، واهتمامهم به فوق كل اهتمامٍ؛ وذلك بحسب حياة قلوبهم ومحبتهم لمعبودهم ومنافستهم في القرب منه، فمَن في قلبه أدنى حياةٍ أو
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٩٢) عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري - ﵁ - بنحوه.
(٢) أي: حرسه، كما تقدم (ص ٨).
[ ١ / ١٣ ]