ذكرناه مِن تصرُّف (^١) المخاطبة منه سبحانه في ذلك على أجلِّ وجوه الحِجَاج، وأسبقها إلى القلوب، وأعظمها ملاءمةً للعقول، وأبعدها من الشكوك والشُّبه، في أوجز لفظٍ وأبينِه، وأعذبه وأحسنه، وأرشقِه (^٢) وأدله على المراد.
وذلك مثل قوله تعالى فيما حاجَّ به عباده من إقامة التوحيد وبطلان الشرك، وقطع أسبابه، وحسم مواده كلها: ﴿قُلُ اُدْعُوا اُلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اِللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَلَا فِي اِلْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنفَعُ اُلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أُذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اُلْحَقَّ وَهْوَ اَلْعَلِيُّ اُلْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
فتأمل كيف أخذتْ هذه الآية على المشركين مَجامع (^٣) الطُّرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسدتها عليهم أحكم سدٍّ وأبلغه! فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو مِن نفعه، وإلَّا فلو لم يرجُ منه منفعةً لم يتعلق قلبه به (^٤)، وحينئذٍ فلا بد أن يكون المعبود مالكًا للأسباب التي ينفع بها عابده أو شريكًا لمالكها، أو ظهيرًا ووزيرًا ومعاونًا (^٥) له، أو وجيهًا ذا حُرمةٍ وقدرٍ يشفع عنده. فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجهٍ وبطلت انتفت أسباب الشرك وانقطعت موادُّه.
_________________
(١) هنا انتهى السقط من «ح».
(٢) «ح»: «وأرسنه».
(٣) «ب»: «بمجامع».
(٤) «به» ليس في «ح».
(٥) «ح»: «أو وزيرا أو معاونا».
[ ١ / ٢٢٩ ]
فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقالَ ذرةٍ في السماوات والأرض. فقد يقول المشرك: هي شريكةٌ لمالك (^١) الحق، فنفى شركتها له. فيقول المشرك: قد تكون ظهيرًا ووزيرًا ومعاونين (^٢)، فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ فلم يبق إلَّا الشفاعة، فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع عنده أحدٌ إلَّا بإذنه فهو الذي يأذن للشافع. فإن (^٣) لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق (^٤) المخلوقين، فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له، فيقبل شفاعته، وإن لم يأذن له فيها. وأمَّا مَن كلُّ ما سواه فقيرٌ إليه بذاته، وهو الغني بذاته عن كل ما سواه، فكيف يشفع عنده [ق ٢٦ أ] أحدٌ بدون إذنه.
وكذلك قوله سبحانه مقرِّرًا لبرهان التوحيد أحسن تقرير وأوجزه وأبلغه: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لَّاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي اِلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه كانوا يعترفون بأنها عبيده ومماليكه ومحتاجةٌ إليه، فلو كانوا آلهةً كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده دون غيره، فكيف يعبدونهم من دونه.
وقد أفصحَ سبحانه بهذا بعينه في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمِ اِلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] أي: هؤلاء الذين يعبدونهم مِن دوني هم عبيدي - كما أنتم عبيدي - يرجون
_________________
(١) «ب»: «المالك».
(٢) كذا في النسختين، والذي في «م»: «ومعاونًا».
(٣) «ح»: «وإن».
(٤) «ح»: «بأحق».
[ ١ / ٢٣٠ ]
رحمتي، ويخافون عذابي، كما ترجون أنتم رحمتي، وتخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم من دوني؟
وقال تعالى: ﴿مَا اَتَّخَذَ اَللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اَللَّهِ عمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢]. فتأمَّلْ هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البيِّن (^١)، فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا، يُوصِل إلى عابده النفعَ، ويدفع عنه الضرَّ، فلو كان معه سبحانه إلهٌ لكان له خلقٌ وفعلٌ، وحينئذٍ فلا يرضى بشركة الإله الآخر (^٢) معه، بل إنْ قَدَر على قهره وتفرُّده بالإلهية دونه فعَلَ (^٣)، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخَلْقه وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضًا بممالكهم (^٤)؛ إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد أمورٍ ثلاثة:
إمَّا أن يذهب كل إلهٍ بخَلْقه وسلطانه.
وإمَّا أن يعلو بعضهم على بعضٍ.
وإمَّا أن يكون كلهم تحت (^٥) قهر إلهٍ واحدٍ وملكٍ واحدٍ، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع مِن حُكمهم عليه (^٦)، ولا يمتنعون مِن حُكمه
_________________
(١) «البين» ليس في «ح».
(٢) «ح»: «الآمر».
(٣) «ح»: «فعلي».
(٤) «ح»: «بمماليكهم».
(٥) «تحت» ليس في «ح».
(٦) «عليه» ليس في «ح».
[ ١ / ٢٣١ ]
عليهم، فيكون وحده هو الإله الحق، وهم العبيد المربوبون المقهورون.
وانتظامُ أمر العالم العلوي والسفلي، وارتباطُ بعضه ببعضٍ، وجريانُه على نظامٍ محكمٍ لا يختلف ولا يفسد = من أدلِّ دليلٍ على أن مدبره واحدٌ لا إله غيره، كما دلَّ (^١) دليل التمانع على أن خالقه واحدٌ لا ربَّ له غيره، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في الغاية والإلهية، فكما يستحيل أن يكون للعالم ربَّانِ (^٢) خالقينِ متكافئينِ (^٣)، يستحيل أن يكون له إلهان معبودان.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اُللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ اَلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١٠]. فلله ما أحلى هذا اللفظَ وأوجزَه وأدلَّه على بطلان الشرك، فإنهم إن زعموا أن آلهتهم خَلقت شيئًا مع الله طُولبوا بأن يُروه إيَّاه، وإن اعترفوا بأنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت إلاهيَّتها باطلًا ومحالًا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اِللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اِلسَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٣]، فطالبهم بالدليل العقلي والسمعي.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ قُلِ اِللَّهُ قُلْ أَفَاَتَّخَذتُّم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اِلْأَعْمَى وَاَلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي اِلظُّلُمَاتُ وَاَلنُّورُ (١٧) أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ اَلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اِللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهْوَ اَلْوَاحِدُ اُلْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٧ - ١٨]. فاحتجَّ على
_________________
(١) «ب»: «يدل».
(٢) «ح»: «ربين».
(٣) كذا في النسخ.
[ ١ / ٢٣٢ ]
تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق، وعلى بطلان إلاهية ما سواه بعجزهم عن الخَلْق، وعلى أنه واحدٌ بأنه قهار، والقهر التام يستلزم الوحدة، فإن الشركة تنافي تمام القهر.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاَسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اِللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ اُلذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطَّالِبُ وَاَلْمَطْلُوبُ (٧١) مَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اَللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧١ - ٧٢]. فتأمَّلْ هذا المثل - الذي أمر الناس كلهم باستماعه، فمن لم يستمعه (^١) فقد عصى أمره - كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأصحِّ برهانٍ في أوجز عبارةٍ وأحسنها وأحلاها، وأَسْجَلَ (^٢) على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيدٍ واحدٍ، وساعد بعضهم بعضًا وعاونه بأبلغ المعاونة، لَعجزوا عن خَلْق ذبابٍ واحدٍ. ثم بيَّن (^٣) ضعفهم وعجزهم عنِ استنقاذ ما يسلبهم الذباب إيَّاه حين يسقط عليهم. فأي شيءٍ (^٤) أضعف من هذا الإله المطلوب، ومِن عابدِه الطالبِ نفعَه وخيرَه (^٥)! فهل قدَّر القويَّ العزيزَ حقَّ قدره من أشرك معه آلهةً هذا شأنها!
فأقام سبحانه حُجة التوحيد، وبيَّن إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب ألفاظ وأحسنها، لم يستكرهها غموضٌ، ولم يُشِنْها تطويلٌ، ولم يعبها
_________________
(١) «ح»: «يسمعه».
(٢) أسجلَ لهم الأمرَ: أطلقه لهم. «تاج العروس» (١٤/ ٣٣٤).
(٣) «ح»: «تبين».
(٤) «ح»: «إله من».
(٥) «ح»: «وحده».
[ ١ / ٢٣٣ ]
تقصيرٌ (^١)، ولم يُزْرِ (^٢) بها زيادةٌ ولا نقصٌ، بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز ما لا يتوهم متوهمٌ ولا يظن ظانٌّ أن يكون أبلغَ في معناها منها. وتحتها من المعنى الجليل القدر العظيم الشرف البالغ في النفع ما هو أجلُّ من الألفاظ.
ومن ذلك احتجاجه سبحانه على نبوة رسوله، وصحة [ق ٢٦ ب] ما جاء به من الكتاب، وأنه من عنده وكلامه الذي تكلَّم (^٣) به، وأنه ليس من صنعة البشر ولا من كلامهم = بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَاَدْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اِللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٢]. فأمر مَن ارتاب في هذا القرآن الذي نزَّله على (^٤) عبده وأنه كلامه أن يأتي بسورةٍ واحدةٍ مثله، وهذا يتناول أقصر سورة من سوره. ثم فسحَ له إن عجزَ عن ذلك أن يستعين بمن أمكنه الاستعانةُ (^٥) به من المخلوقين، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اَفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَاَدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اِللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اَفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَاَدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اِللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (٣١) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣١ - ٣٢].
_________________
(١) «ح»: «تعقيد».
(٢) «ح»: «تزر».
(٣) «ح»: «يتكلم».
(٤) «على» سقط من «ح».
(٥) «ح»: «لاستعماله».
[ ١ / ٢٣٤ ]
ثم أَسجَلَ سبحانه عليهم إسجالًا عامًّا في كل (^١) زمانٍ ومكانٍ بعجزهم عن ذلك، ولو تظاهر عليه الثقلان، فقال: ﴿قُل لَّئِنِ اِجْتَمَعَتِ اِلْإِنسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. فانظر أي موقعٍ يقع من الأسماع والقلوب هذا الحِجَاج القاطع الجليل الواضح، الذي لا يجد طالبُ الحقِّ ومُؤثِره ومريده (^٢) عنه مَحيدًا، ولا فوقه مزيدًا، ولا وراءه غاية، ولا أظهر منه آية، ولا أصحَّ منه (^٣) برهانًا، ولا أبلغ منه بيانًا.
وقال في إثبات نبوة رسوله باعتبار التأمل لأحواله وتأمُّل دعوته وما جاء به: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا اُلْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ اُلْأَوَّلِينَ (٦٩) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (٧٠) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩ - ٧١]. فدعاهم سبحانه إلى تدبر القول وتأمُّل حال القائل، فإن كون القول (^٤) كذبًا وزورًا يُعلم من نفس القول تارةً، وتناقُضه واضطرابه، وظهور شواهد الكذب عليه، فالكذب بادٍ على صفحاته، وبادٍ (^٥) على ظاهره وباطنه. ويُعرف من حال القائل تارةً؛ فإن المعروف بالكذب والفجور والمكر والخداع لا تكون أقواله إلَّا مناسبة لأفعاله، ولا يتأتى منه من القول والفعل ما يتأتى من البارِّ الصادق، المبرَّأ من
_________________
(١) «كل» سقط من «ح».
(٢) «ب»: «ويريده وليس».
(٣) «منه» ليس في «ح».
(٤) بعده في «ح»: «للشيء».
(٥) «ح»: «مباد». ومن قوله «وظهور شواهد» إلى هنا سقط من «ب».
[ ١ / ٢٣٥ ]
كل فاحشةٍ وغدرٍ وكذبٍ وفجورٍ، بل قلب (^١) هذا وقصده وقوله وعمله يشبه بعضه بعضًا، وقلب ذلك وقوله وعمله وقصده يشبه (^٢) بعضُه بعضًا. فدعاهم سبحانه إلى تدبُّر القول، وتأمُّل سيرة القائل وأحواله، وحينئذٍ يتبين لهم حقيقة الأمر، وأن ما جاء به في (^٣) أعلى مراتب الصدق.
وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اَللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْراكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثتُّ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]. فتأمَّلْ هاتين الحُجتين القاطعتين تحت هذا اللفظ الوجيز:
إحداهما: أن هذا من الله لا مِن قِبَلي، ولا هو مقدور لي، ولا من جنس مقدور البشر، وأن الله ﷾ لو شاء لأمسك عنه قلبي ولساني وأسماعكم وأفهامكم، فلم أتمكن من تلاوته عليكم، ولم تتمكنوا من درايته وفَهْمه.
الحُجة الثانية: أني قد لبثتُ فيكم عُمُري إلى حين أتيتكم به، وأنتم تشاهدوني وتعرفون حالي، وتصحبوني (^٤) حضرًا وسفرًا، وتعرفون دقيق أمري وجليله، وتتحققون سيرتي، هل كانت سيرة مَن هو مِن أكذب الخلق وأفجرهم وأظلمهم؟ فإنه لا أكذبَ ولا أظلم ولا أقبح سيرةً ممَّن جاهَرَ ربَّه وخالقه بالكذب والفِرية عليه، وطلب إفساد العالم، وظلم النفوس، والبغي في الأرض بغير الحق. هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ كتابًا ولا أخطُّه
_________________
(١) «ح»: «قلت».
(٢) «ح»: «نسبة».
(٣) «ح»: «من».
(٤) قوله: «تشاهدوني»، «وتصحبوني» كذا في النسختين بحذف نون الرفع.
[ ١ / ٢٣٦ ]
بيميني، ولا صاحبت من أتعلم منه، بل صحبتكم أنتم في أسفاركم لمن تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار الأمم والملوك وغيرها ما (^١) لم أشارككم فيه بوجهٍ، ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي فيه علمُ الأولين والآخرين وعلمُ ما كان وما (^٢) سيكون على التفصيل. فأي برهانٍ أوضح من هذا، وأي عبارةٍ أفصح (^٣) وأوجز من هذه العبارة المتضمنة له؟
وقال تعالى: ﴿* قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. ولمَّا كان للإنسان (^٤) - الذي يطلب معرفة الحق والصواب - حالتان (^٥):
إحداهما (^٦): أن يكون ناظرًا مع نفسه.
والثانية: أن يكون مناظرًا لغيره (^٧).
أمَرَهم بخَصلةٍ واحدةٍ، وهي أن يقوموا لله اثنين اثنين، فيتناظران ويتساءلان بينهما، وواحدًا واحدًا، يقوم كل واحدٍ مع نفسه، فيتفكر في أمر هذا الداعي وما يدعو إليه، ويستدعي أدلةَ الصدق والكذب، ويعرض ما جاء
_________________
(١) «ح»: «مما».
(٢) «ما» ليس في «ح».
(٣) «ح»: «أنصح».
(٤) «ح»: «الإنسان».
(٥) النسختين: «حالتين». والمثبت من «م»: «حالتان». وهو الصواب.
(٦) «ح»: «أحدهما».
(٧) «ح»: «لمعرفة».
[ ١ / ٢٣٧ ]
به عليها ليتبين (^١) له حقيقة الحال، فهذا هو الحِجاج الجليل والإنصاف البيِّن والنصح التام.
وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث [ق ٢٧ أ]: ﴿* وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ اِلْعِظَامَ وَهْيَ رَمِيمٌ (٧٧) قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهْوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٨] إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحُجة أو بمثلها، في ألفاظ تشابه (^٢) هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان، لَألفى نفسه ظاهر العجز منقطعَ الطمع مستحكم اليأس (^٣) من ذلك.
فإنه سبحانه افتتح هذه الحُجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابًا، فكان في قوله سبحانه: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفَّى بالجواب، وأقام الحُجة، وأزال الشُّبهة، لولا ما أراد سبحانه من تأكيد (^٤) حُجته وزيادة تقريرها، وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينسَ خَلْق نفسه وبدْء كونه (^٥) وذِكْر خَلْقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه، مُسكِتة له عن هذا السؤال.
ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾، وصرَّح به جوابًا له عن مسألته، فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨]. فاحتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، إذ كل عاقلٍ يعلم
_________________
(١) «ح»: «لتبين».
(٢) «ح»: «مشابه».
(٣) في النسختين: «يستحكم الناس». والمثبت هو الصواب إن شاء الله.
(٤) «ح»: «تأكيده».
(٥) «ح»: «وتذاكر به».
[ ١ / ٢٣٨ ]
علمًا ضروريًّا أن مَن قدر على هذه قدر على هذه، وأنه (^١) لو كان عاجزًا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز.
ولما كان الخَلْق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: ﴿وَهْوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع، وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه. فإذا كان تامَّ العلم كاملَ القدرة، فكيف (^٢) يتعذر عليه أن يُحْيي العظام وهي رميمٌ.
ثم أكَّد الأمر بحُجةٍ قاهرةٍ وبرهانٍ ظاهرٍ يتضمن جوابًا عن سؤال ملحدٍ آخر يقول: العظام إذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردةً يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعةً حارة رطبة لتقبل صورة الحياة. فتولَّى سبحانه جواب هذا السؤال (^٣) بما يدل على أمر البعث؛ ففيه الدليل والجواب معًا، فقال: ﴿اِلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ اَلشَّجَرِ اِلْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٩]، فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة. فالذي يخرج الشيء من ضدِّه، وتنقاد (^٤) له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي (^٥) عليه، هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه مِن إحياء
_________________
(١) «وأنه» سقط من «ح».
(٢) «ح»: «كيف».
(٣) من قوله: «رطبة لتقبل» إلى هنا سقط من «ح».
(٤) «ح»: «ينقاد».
(٥) «ح»: «يستعصي».
[ ١ / ٢٣٩ ]
العظام وهي رميم.
ثم (^١) أكَّد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجلِّ (^٢) الأعظم على الأيسر الأصغر، وأن كل عاقلٍ يعلم أن مَن قدَرَ على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثيرٍ أقدرُ وأقدر (^٣)، فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارًا، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [يس: ٨٠]. فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماواتِ والأرضَ (^٤) على جلالتهما، وعِظَم شأنهما، وكبر أجسامهما وسعتهما، وعجيب خلقتهما = أقدرُ على أن يحيي عظامًا قد صارت رميمًا، فيردها إلى حالتها الأولى، كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اِلنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللَّهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ اَلْمَوْتَى﴾ (^٥) [الأحقاف: ٣٢].
ثم أكَّد (^٦) سبحانه ذلك وبيَّنه ببيانٍ آخر يتضمَّن مع إقامة الحُجة دفْعَ شبهةِ كل ملحدٍ وجاحدٍ، وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكُلْفة والتعب والمشقة، ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، بل لا بد معه من آلةٍ
_________________
(١) «ثم» ليس في «ح».
(٢) «ح»: «الأصلي».
(٣) «وأقدر» ليس في «ح».
(٤) من قوله: ﴿بِقَادِرٍ عَلَى﴾ إلى هنا سقط من «ح».
(٥) النسختين: «أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يحيي الموتى». وقد أدخل آيتين بعضهما في بعض.
(٦) «ح»: «أخذ».
[ ١ / ٢٤٠ ]
ومشاركٍ ومعينٍ، بل (^١) يكفي في خَلْقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفسُ إرادته، وقوله للمكوَّن: كن، فإذا هو كائنٌ كما شاءه وأراده. فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته، وسرعة تكوينه وانقياد المكوَّن له، وعدم استعصائه عليه.
ثم ختم هذه الحُجة بإخباره أن ملكوت كل شيءٍ بيده، فيتصرف فيه بفعله، وهو (^٢) قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢].
فتبارك الذي تكلَّم (^٣) بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوَجَازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة، ودحْض حُجة الملحد، وإسكات المعاند، بألفاظٍ لا أعذب منها عند السمع، ولا أحلى منها (^٤) ومن (^٥) معانيها للقلب، ولا أنفع من ثمرتها للعبد.
ومن هذا قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا أَاذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَانَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا ممَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ اِلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثتُّمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٥٢].
فتأمَّلْ ما أُجيبوا به عن كل سؤال سؤال (^٦) على التفصيل، فإنهم قالوا
_________________
(١) «ب»: «ما».
(٢) «ح»: «و».
(٣) «ح»: «يعلم».
(٤) «ب»: «أعلى من».
(٥) «ح»: «من».
(٦) «سؤال» ليس في «ح».
[ ١ / ٢٤١ ]
أولًا: ﴿أَاذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَانَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالقَ لكم ولا ربَّ فهلا كنتم خَلْقًا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد، أو (^١) ما هو أكبر في صدوركم من ذلك. فإن قلتم: لنا ربٌّ خالقٌ خلقنا على هذه الصفة، وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء، ولم يجعلنا حجارة [ق ٢٧ ب] ولا حديدًا = فقد قامت عليكم الحُجة بإقراركم، فما الذي يحول بين خالقكم ومُنشِئكم وبين إعادتكم خلقًا جديدًا.
وللحُجة تقرير آخر وهو: أنكم لو كنتم من حجارةٍ أو حديدٍ أو خلقٍ أكبر منهما لكان قادرًا على أن يُفنِيكم، ويُحِيل ذواتكم وينقلها من حالٍ إلى حالٍ. ومَن قَدَر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ونقْلِها من حالٍ إلى حالٍ، فما يُعجِزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حالٍ إلى حالٍ؟
فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالًا آخر بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا وفَنِيَت؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلِ اِلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]. وهذا الجواب نظير جواب قول السائل: ﴿مَن يُحْيِ اِلْعِظَامَ وَهْيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٧]. فلمَّا أخذتهم الحُجة، ولزمهم حُكمُها، ولم يجدوا عنها معدلًا = انتقلوا إلى سؤالٍ آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحِجاج بمثل ذلك، وهو قولهم: ﴿مَتَى هُوَ﴾.فأجيبوا بقوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثتُّمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥١ - ٥٢].
_________________
(١) «ح»: «و».
[ ١ / ٢٤٢ ]
ومن هذا قوله سبحانه: ﴿أَيَحْسِبُ اُلْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (٣٥) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ تُمْنَى (٣٦) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى (٣٧) فَجَعَلَ مِنْهُ اُلزَّوْجَيْنِ اِلذَّكَرَ وَاَلْأُنثى (٣٨) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ اَلْمَوْتى﴾ [القيامة: ٣٥ - ٣٩]. فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسانَ مهملًا معطلًا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب، وأن حِكمته وقدرته تأبى ذلك. فإن مَن نقَلَه من نطفة منيٍّ إلى العَلَقة، ثم إلى المُضْغة، ثم خَلَقه وشقَّ سمعَه وبصرَه، وركَّب فيه الحواسَّ والقُوى والعظام والمنافع، والأعصاب والرباطات التي هي أَسْرُه (^١)، وأتقن خلقَه وأحكمه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتمُّ الصور وأحسن الأشكال، كيف يَعجِز عن إعادته وإنشائه مرةً ثانيةً؟! أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سُدًى؟! فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته.
فانظر إلى هذا الحِجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجزُ منه، والبيان الجليل الذي لا يُتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب (^٢) الذي لا تقع الظنون على أقرب منه.
وكذلك ما احتجَّ به سبحانه على النصارى مُبطِلًا لدعوى إلهية المسيح كقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاَتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]، فأخبر أن هذا الذي أضافه مَن نسَبَ الولدَ إلى الله من مشركي العرب والنصارى غير سائغٍ في العقول إذا تأمله المتأمل. ولو أراد الله أن يفعل هذا
_________________
(١) الأَسْر الشد بالإسار، والعصب كالإسار، وقد أَسَرْتُه أسرًا وإسارًا، والأسر في كلام العرب: شدة الخلق. «تاج العروس» (١٠/ ٤٨).
(٢) «ح»: «أقرب».
[ ١ / ٢٤٣ ]
لكان يصطفي لنفسه، ويجعل هذا الولد المتخذ من الجوهر الأعلى السماوي الموصوف بالخلوص والنقاء من عوارض البشر، المجبول على الثبات والبقاء، لا من جوهر هذا العالَم الفاني الداثر (^١) الكثير الأوساخ والأدناس والأقذار.
ولمَّا كان هذا الحِجاج كما ترى في هذه القوة والجلالة أتبعه بقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. ونظير هذا قوله: ﴿لَّوْ أَرَادَ اَللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاَصْطَفَى ممَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٥]
وقال سبحانه: ﴿مَّا اَلْمَسِيحُ اُبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ اِلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ اِلطَّعَامَ اَنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ اُلْأيَاتِ ثُمَّ اَنظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٧] وقد تضمنت هذه الحُجة دليلين يبطلان إلهيَّة المسيح وأمه:
أحدهما: حاجتهما إلى الطعام والشراب، وضعف بِنْيتهما عن القيام بنفسهما، بل هي محتاجة فيما يُقِيمها إلى الغذاء والشراب، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهًا؛ إذ من لوازم الإله أن يكون غنيًّا.
الثاني: أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات القذرة التي يستحي الإنسان من نفسه وغيره حال انفصالها عنه، بل يستحي من التصريح بذكرها. ولهذا - والله أعلم - كنَّى سبحانه عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة،
_________________
(١) في النسختين: «الدائر». ولعل الصواب ما أثبته. والداثر: الدارس، يقال: دثَرَ الرسمُ وتداثر واندثر: قَدُمَ ودرَسَ وعفا. «تاج العروس» (١١/ ٢٧٠ - ٢٧١).
[ ١ / ٢٤٤ ]
فكيف يليق بالربِّ سبحانه أن يتخذ صاحبة وولدًا من هذا الجنس؟! ولو كان يليق به ذلك أو يمكن لكان الأَوْلى به أن يكون من جنسٍ لا يأكل ولا يشرب، ولا يكون منه الفضلات المستقذَرة التي يُستحى منها ويُرغب عن ذكرها.
فانظر ما تضمنه هذا الكلام الوجيز البليغ المشتمل على هذا المعنى العظيم الجليل الذي لا يجد سامعه مَغْمزًا له، ولا مَطْعنًا فيه، ولا تشكيكًا ولا سؤالًا يُورِده عليه، بل يأخذ بقلبه وسمعه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهْوَ كَظِيمٌ ١٦ أَوَمَن يَنشَؤُا فِي اِلْحِلْيَةِ وَهْوَ فِي اِلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٦ - ١٧]. احتجَّ سبحانه على هؤلاء الذين جعلوا له البنات بأن أحدهم لا يرضى بالبنات، وإذا بُشِّر بالأنثى حصل له من الحزن والكآبة ما ظهر منه السوادُ على وجهه، فإذا كان أحدكم لا يرضى بالإناث بناتًا (^١)؛ فكيف تجعلونها لي؟! كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢].
ثم ذكر سبحانه ضَعْف هذا الجنس الذي جعلوه له، وأنه أنقصُ الجنسين، ولهذا يحتاج في كماله إلى الحلية [ق ٢٨ أ] وأضعفهما بيانًا، فقال تعالى: ﴿أَوَمَن يَنشَؤُا فِي اِلْحِلْيَةِ وَهْوَ فِي اِلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٧]، فأشار بنشأتهن في الحلية إلى أنهن (^٢) ناقصات، فيحتجن إلى حلية يَكمُلن بها، وأنهن عَيِيَّات فلا يُبِنَّ عن حُجتهن وقت الخصومة.
_________________
(١) كذا منصوبًا بالفتحة، قال السيوطي في «همع الهوامع» (١/ ٦٧): «ما جُمع بألف وتاء فينصب بالكسرة، وأجاز الكوفية الفتح».
(٢) في النسختين: «أنها». والمثبت من «م».
[ ١ / ٢٤٥ ]
مع أن في قوله: ﴿أَوَمَن يَنشَؤُا فِي اِلْحِلْيَةِ﴾ تعريضًا بما وُضِعَت له الحليةُ من التزين (^١) لمن يستفرشهن ويطؤهن، وتعريضًا بأنهن لا ينشأن في الحرب والطِّعَان والشجاعة، فذكر الحلية التي هي علامة الضعف والعجز والوهَن.
ومن هذا ما حكاه سبحانه في (^٢) محاجَّة إبراهيم قومه بقوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اِللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨١) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ اُلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٢) اَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اُلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨١ - ٨٣].
فهذا الكلام لم يخرج في ظاهره مخرجَ كلام البشر الذي يتكلَّفه أهل النظر والجدال والمقايسة والمعارضة، بل خرج في صورة كلامٍ خبريٍّ يشتمل (^٣) على مبادئ الحِجاج ومقاطعه (^٤)، مشيرًا إلى مقدمات الدليل ونتائجه (^٥) بأوضح عبارةٍ وأفصحها وأقربها تناولًا.
والغرض منه أن إبراهيم قال لقومه متعجبًا ممَّا دعوه إليه من الشرك: أتحاجُّوني في الله، وتطمعون أن تستنزلوني عن توحيده بعد أن هداني، وتأكدت بصيرتي، واستحكمت معرفتي بتوحيده بالهداية التي رَزَقَنيها، وقد
_________________
(١) «التزين». في «ح»، «م»: «القرين». وفي «ب»: «الزين». ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) «ب»: «من».
(٣) «ب»: «مشتمل».
(٤) «ومقاطعه» ليس في «ح».
(٥) «ب»: «وتناسخه».
[ ١ / ٢٤٦ ]
علمتم أن من كانت هذه حاله في اعتقاده أمرًا من الأمور عن بصيرةٍ لا يعارضه فيها ريبٌ ولا يتخالجه فيها شكٌّ؛ فلا سبيل إلى استنزاله عنها (^١).
وأيضًا فإن المُحاجَّة والمجادلة بعد وضوح الشيء وظهوره نوعٌ من العبث، بمنزلة المُحاجة (^٢) في طلوع الشمس وقد رآها مَن تحاجُّونه بعينه، فكيف يؤثر حجاجكم له أنها لم (^٣) تطلع بعد؟!
ثم قال: ولا أخاف ما أشركتم إلَّا أن يشاء ربي شيئًا. فكأنه - صلوات الله وسلامه عليه - يذكر أنهم خوَّفوه آلهتهم أن يناله منها معرَّةٌ، كما قاله قوم هود له: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا اَعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] فقال إبراهيم: إن أصابني مكروهٌ، فليس ذلك من قبل هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله، وهي أقلُّ من ذلك، فإنها ليست ممَّا يُرجى ويُخاف، بل يكون ذلك الذي أصابني من قبل الحي الفعَّال الذي يفعل ما يشاء، الذي بيده الضر والنفع، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ثم ذكر سَعة علمه سبحانه في هذا المقام منبهًا على موقع احترازٍ لطيفٍ، وهو أن لله سبحانه علمًا فيَّ وفيكم وفي هذه الآلهة لا يصل إليه علمي. فإذا شاء أمرًا من الأمور فهو أعلم بما يشاء (^٤)، فإنه وسع كل شيءٍ علمًا، فإن أراد أن يصيبني بمكروهٍ لا علم لي من أي جهةٍ أتاني؛ فعلمه محيطٌ بما لم أعلمه. وهذا غاية التفويض والتبرِّي من الحول والقوة وأسباب النجاة، وأنها بيد الله لا بيدي.
_________________
(١) «ح»: «فيها».
(٢) «ح»: «الحاجة».
(٣) «لم» سقط من «ح».
(٤) «ب»: «يشاؤه».
[ ١ / ٢٤٧ ]
وهكذا قال شعيب لقومه: ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنَا عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اَللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، فردَّت الرُّسل العلم بما يفعله الله إليه، وأنه إذا شاء شيئًا فهو أعلم بما يشاؤه، ولا علم لنا بامتناعه وعدم كونه.
ثم رجع الخليل إليهم مُقرِّرًا للحُجة فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ اُلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
يقول لقومه: كيف يسوغ في عقلٍ أو عند ذي لبٍّ أن أخاف ما جعلتموه لله شريكًا في الإلهية، وهي ليست بموضع نفعٍ ولا ضرٍّ، وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في إلهيته أشياء لم ينزل بها حُجة عليكم، ولا شرعها لكم. فالذي أشرك بخالقه وفاطره وبارئه - الذي يُقرُّ بأنه خالق السماوات والأرض، وربُّ كل شيءٍ ومليكه، ومالك الضر والنفع= آلهةً لا تخلق شيئًا وهي مخلوقةٌ، ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ وجعلها ندًّا له (^١)، ومثلًا في الإلهية تُعبَد ويُسجَد لها ويُخضَع لها ويُتقرَّب إليها= أحقُّ بالخوف ممَّن لم يجعل مع الله إلهًا آخر، بل وحَّده وأفرَده بالإلهية والربوبية والعظمة والسلطان والحب والخوف والرجاء. فأي الفريقين أحقُّ بالأمن إن كنتم تعلمون؟!
فحكَمَ الله سبحانه بينهما بأحسن حكمٍ خضعت له القلوب، وأقرت به
_________________
(١) «له» ليس في «ب».
[ ١ / ٢٤٨ ]
الفِطَر، وانقادت له العقول؛ فقال: ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اُلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٣].
فتأمل هذا الكلام وعجيبَ موقعه في قطع الخصوم، وإحاطته بكل ما وجب في العقل أن يردَّ به ما دعوه إليه وأرادوا حمْله عليه، وأخذه بمجامع الحُجة التي لم تُبقِ لطاعنٍ مطعنًا ولا سؤالًا. ولمَّا كانت بهذه المثابة أشاد (^١) سبحانه بذكرها، وعظَّمها بالإشارة إليها، وأضافها إلى نفسه تعظيمًا لشأنها؛ فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٤] [ق ٢٨ ب]، فعلم السامع بإضافته إيَّاها إلى نفسه أنه هو الذي فهَّمها خليلَه ولقَّاه (^٢) إيَّاها، وعنه سبحانه أخذها الخليل. وكفى بحُجةٍ يكون الله ﷿ ملقِّيها (^٣) لخليله وحبيبه أن تكون قاطعةً لمواد العِناد، قامعةً لأهل الشرك والإلحاد.
وشبيهٌ (^٤) بهذا الاحتجاج القصة الثانية (^٥) لإبراهيم في محاجة المشرك الذي أخبر الله سبحانه عمَّا جرى بينه وبينه في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اُللَّهُ اُلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِ وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اَللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ اَلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ اَلَّذِي كَفَرَ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي اِلْقَوْمَ اَلظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فإن
_________________
(١) في النسختين: «أشار». وهو تصحيف ما أثبت.
(٢) «ح»: «ولقاها».
(٣) «ب»: «ملقنها».
(٤) «وشبيه» سقط من «ح».
(٥) «ح»: «الثابتة».
[ ١ / ٢٤٩ ]
مَن تأمَّلَ موقع الحِجاج وقطع المجادِل فيما تضمنته هذه الآية وقَفَ على أعظم برهانٍ بأوجز عبارةٍ. فإن إبراهيم لمَّا أجاب المُحاجَّ له في الله بأنه الذي يحيي ويُميت أخَذَ عدوُّ الله في (^١) معارضته بضربٍ من المغالطة، وهو أنه يقتل مَن يريد ويستبقي مَن يريد، فقد أحيا هذا وأمات هذا. فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها، إذا كان (^٢) بزعمه قد ساوى (^٣) الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقًا فليتصرف في الشمس تصرفًا تصحُّ به دعواه. وليس هذا انتقالًا من حُجة إلى حُجة أوضح منها - كما زعم بعض النُّظار - وإنما هو إلزام للمدَّعي بطرد حُجته إن كانت صحيحةً.
ومن ذلك احتجاجه سبحانه على إثبات علمه بالجزئيات كلها بأحسن دليلٍ وأوضحه وأصحه، حيث يقول: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ اِلصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٤]، ثم قرَّر علمَه بذلك بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهْوَ اَللَّطِيفُ اُلْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٥]. وهذا من أبلغ التقرير، فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه، والصانع يعلم مصنوعه، وإذا كنتم مقرِّين بأنه خالقكم وخالق صدوركم (^٤) وما تضمنته، فكيف يخفى عليه وهي خَلْقُه؟! وهذا التقرير ممَّا يصعب على القدرية فهمُه، فإنه لم يخلق عندهم ما في الصدور، فلم يكن في الآية على أصولهم دليلٌ على علمه بها، ولهذا طرد غلاة القوم
_________________
(١) «في» سقط من النسختين، وأثبته من «م».
(٢) «إذا كان» سقط من «ح».
(٣) «ح»: «تساوى».
(٤) «ح»: «صوركم».
[ ١ / ٢٥٠ ]
ذلك ونفوا علمه؛ فأكفرهم السلف قاطبةً.
وهذا التقرير من الآية صحيحٌ على التقديرين، أعني: تقدير أن تكون «مَن» في محل رفع على الفاعلية، وفي محل نصب على المفعولية، فعلى التقدير الأول: ألا يعلم الخالق الذي شأنه الخلق. وعلى التقدير الثاني (^١): ألا يعلم الربُّ مخلوقَه ومصنوعه (^٢).
ثم ختم الحُجة باسمَيْنِ مقتضيين لثبوتها، وهما:
﴿اَللَّطِيفُ﴾: الذي لَطُفَ صُنْعُه وحكمته ودقَّ حتى عجزت عنه الأفهام.
و﴿اُلْخَبِيرُ﴾ الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها، كما أحاط بظواهرها.
فكيف يخفى على اللطيف الخبير ما تحويه الضمائر وتخفيه الصدور؟!
ومن هذا احتجاجه سبحانه على المشركين بالدليل المقسم الحاصر (^٣) الذي لا يجد سامعه إلى ردِّه ولا معارضته سبيلًا، حيث يقول ﵎: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ اُلْخَالِقُونَ (٣٣) أَمْ خَلَقُوا اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]. فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحُجة بأقرب طريقٍ وأفصح عبارةٍ. يقول تعالى: هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا، فهل خُلقوا من غير خالقٍ خلقهم، فهذا من المحال الممتنع عند كل
_________________
(١) من قوله: «ألا يعلم الخالق» إلى هنا سقط من «ح».
(٢) ذكَرَ القولين الواحديُّ في «التفسير البسيط» (٢٢/ ٥١ - ٥٢) والبغوي في «معالم التنزيل» (٨/ ١٧٨).
(٣) «ح»: «الخاص».
[ ١ / ٢٥١ ]
مَن له فهمٌ وعقلٌ أن يكون مصنوعٌ من غير صانعٍ، ومخلوقٌ من غير خالقٍ. ولو مرَّ رجلٌ بأرضٍ قفرٍ لا بناءَ فيها، ثم مرَّ بها فرأى فيها بنيانًا وقصورًا وعمارات مُحكَمة، لم يتخالجه شكٌّ ولا ريب أن صانعًا صنعها وبانيًا بناها.
ثم قال: ﴿أَمْ هُمُ اُلْخَالِقُونَ﴾، وهذا أيضًا من المستحيل أن يكون العبد موجِدًا خالقًا لنفسه، فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعةً واحدةً، ولا إصبعًا ولا ظفرًا ولا شعرة، كيف يكون خالقًا لنفسه في حال عدمه؟
وإذا بطل القسمان تعيَّن أن لهم خالقًا خلقهم، وفاطرًا فطرهم، فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر، فكيف يشركون به إلهًا غيره، وهو وحده الخالق لهم؟
فإن قيل فما موقع قوله: ﴿أَمْ خَلَقُوا اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٤] من هذه الحجة؟
قيل: أحسن موقعٍ، فإنه بيَّن بالقسمين الأولين أن لهم خالقًا وفاطرًا وأنهم مخلوقون، وبيَّن بالقسم الثالث أنهم بعد أن وُجدوا وخُلقوا فهم عاجزون غير خالقين، وإنهم لم (^١) يخلقوا نفوسهم ولم يخلقوا السماوات والأرض، وأن الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا ربَّ سواه هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، فهو المتفرِّد بخلق المسكن والساكن، بخلق العالم العلوي والسفلي وما فيه.
ومِن هذا ما حكاه الله سبحانه عن محاجة صاحب يس لقومه بقوله: ﴿قَالَ
_________________
(١) «ح»: «فإنهم لا».
[ ١ / ٢٥٢ ]
يَاقَوْمِ اِتَّبِعُوا اُلْمُرْسَلِينَ (١٩) اَتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [يس: ١٩ - ٢٠]. فنبَّه على موجِب الاتباع، وهو كون المتبوع رسولًا لمن لا ينبغي أن يُخالف ولا يُعصى، وأنه على هداية، ونبَّه على انتفاء (^١) المانع، وهو عدم سؤال الأجر، فلا يريد منكم دنيًا [ق ٢٩ أ] ولا رياسة، فموجِب الاتباع كونه مهتديًا، والمانع منه منتفٍ، وهو طلب العلو في الأرض والفساد وطلب الأجر.
ثم (^٢) قال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ اُلَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢١] أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفًا لهم، ونبَّه على أن عبادة العبد لمن فطره أمرٌ واجبٌ في العقول، مستهجنٌ تركها، قبيحٌ الإخلال بها، فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه، ونعمه كلها بعد (^٣) تابعةٌ لإيجاده وخلقه، وقد جبل الله العقول والفطر على شكر المنعم ومحبة المحسن - ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك؛ فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع - ثم أقبل (^٤) عليهم مخوِّفًا لهم تخويف الناصح فقال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢١]
ثم أخبر عن الآلهة التي تُعبَد من دونه أنها باطلةٌ، وأن عبادتها باطلةٌ، فقال: ﴿آاتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ (^٥) اِلرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ
_________________
(١) «ح»: «انتقال».
(٢) «ثم» ليس في «ح».
(٣) «بعد» ليس في «ح».
(٤) «ح»: «اجعل».
(٥) في «النسختين»: «يردني» بإثبات الياء، وهي قراءة، قال ابن الجزري في «النشر في القراءات العشر» (٢/ ١٨٨ - ١٨٩): «وأما ﴿إن يردن﴾ فأثبت الياء فيها مفتوحة في الوصل أبو جعفر وأثبتها ساكنة في الوقف أبو جعفر أيضًا وتقدم مذهب يعقوب في الوقف عليها بالياء من باب الوقف، وحذفها الباقون في الحالين».
[ ١ / ٢٥٣ ]
شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٢] فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقتَ حاجته إليه، وإنما إذا أرادنِيَ الرحمنُ الذي فطرني بضرٍّ لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضرِّ، ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه، لأتخلص من ذلك الضرِّ؛ فبأي وجهٍ يستحق العبادة؟ ﴿إِنِّيَ إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ٢٣] إنْ عبدتُ من دون الله ما هذا شأنه.
وهذا الذي ذكرناه من حِجاج القرآن يسيرٌ من كثيرٍ، وإنما نبَّهنا على ما لم نذكر منه. والمقصود أنه متضمِّنٌ للأدلة (^١) العقلية والبراهين القطعية التي لا مطمعَ في التشكيك والأَسْوِلة عليها إلَّا لمعاندٍ مكابرٍ.
والمتأول لا يمكنه أن يقيم على مبطلٍ حُجةً نقليةً ولا عقليةً. أمَّا النقل فلأنه عنده قابلُ التأويل وهو لا يُفيد اليقين، وأمَّا العقل فلأنه قد خرج عن صريحه وموجبه بالقواعد التي قادته إلى تأويل النصوص وإخراجها عن ظواهرها وحقائقها، فصارت تلك القواعد الباطلة حجابًا بينه وبين العقل والسمع، فإذا احتجَّ على خصمه بحُجةٍ عقليةٍ نازعه خصمه في مقدماتها بما سَلِمَ له من القواعد التي يخالفها، فإن المعقول الصريح هو ما دلت عليه النصوص، فإذا أبطله (^٢) بالتأويل لم يبقَ معه معقولٌ صحيحٌ يحتجُّ به على خَصْمه، كما لم يبقَ معه منقولٌ صريحٌ؛ فإنه قد عرض المنقول للتأويل، والمعقول الصريح خرج عنه بالذي ظن أنه معقول.
_________________
(١) «ح»: «يتضمن الأدلة».
(٢) «ح»: «بطل».
[ ١ / ٢٥٤ ]
ومثال هذا أن العقل الصريح الذي لا يكذب ولا يغلط قد حكم حُكمًا لا يقبل الغلط، أن كل ذاتين قائمتين بأنفسهما؛ إمَّا أن يكون كل منهما مُبايِنة للأخرى أو مُحايِثة لها، وأنه يمتنع أن تكون هذه الذات قائمة (^١) بنفسها وهذه قائمة بنفسها، وإحداهما ليست فوق الأخرى ولا تحتها، ولا عن يمينها ولا عن يسارها، ولا خلفها ولا أمامها، ولا متصلة بها (^٢) ولا منفصلة عنها، ولا مُجاوِرة لها ولا مُحايِثة، ولا داخلة فيها ولا خارجة عنها.
فإذا خُولِفَ (^٣) مقتضى هذا المعقول الصريح ودُفِعَ موجبُه، فأي دليلٍ عقليٍّ احتجَّ به المخالفُ بعد هذا على مبطلٍ أمكنه دفعه بما دفع هو به حُكم هذا العقل؟! فإذا قال الجهمي: هذا من حُكم الوَهْم لا من حكم العقل، قال له خصمه فيما احتج به عليه من قضايا العقل: هذا أيضًا مِن حُكم الوهم.
فإنك لو قلتَ (^٤): إن في النفس حاكمينِ: الوهم والعقل، فإذا ادعيتَ فيما تشهد به العقول والفِطَر أنه من حكم الوهم، كان ادعاء ذلك فيما هو دون هذه القضية بكثيرٍ أقرب وأقرب. وأمثلة ذلك لا يتسع لها هذا الموضع.
وإذا تأمَّلتَ القواعد الحاملة لأرباب التأويل عليه وجدتَها مخالفةً لصريح العقل (^٥)، ومَن خالفَ صريحَ العقل لم تقم له حُجةٌ عقليةٌ ولا سمعيةٌ، وبالله التوفيق.
* * * * *
_________________
(١) «ح»: «فإنه».
(٢) «بها» ليس في «ح».
(٣) «ب»: «خلف».
(٤) «ب»: «أعطيت».
(٥) «ح»: «تخالفه تصريح».
[ ١ / ٢٥٥ ]